حيث تحداهم ﵎ بالإتيان بسورة واحدة فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ منْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فعجزوا عن الإتيان بسورة واحدة مع شدة الاجتهاد وقوة الأسباب فقد كانوا حريصين على
[ ٧٧ ]
تكذيبه وإبطاله بكل طريق، ولكن مع هذا كله فقد عجزوا عن ذلك.
ولقد أخبر الله بعجزهم عند تحديه إياهم بالإتيان بسورة من مثله فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.
ولما عجزوا عن الإتيان بما تحدَّاهم به قطع الله طمعهم على أن يأتوا بمثله فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
وبعد مرحلة قطع الطمع أنزل الله فواتح السور كـ ﴿الم، الر، المر﴾ وغيرها تقريعا وتوبيخًا للكفار، مخبرا لهم أن ما تحداهم به مكون من حروف هي حروف العربية التي يتحدثون بها والتي بلغوا ذروتها فهم أفصح العرب، والقرآن نزل بلغة العرب، ولقد جرت سنة الله بأن يعطي كل رسول من المعجزات ما يناسب ما اشتهر به قومه، فلقد أعطى موسى العصا لاشتهار من أرسل إليهم بالسحر وما يتعلق به، وأعطى عيسى معجزة إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والأعمى لاشتهار قومه بالطب وهكذا، فأعطى نبينا محمدا ﷺ القرآن لما اشتهرت به قريش من الفصاحة والبيان.
فهذا ما كان من أمر التحدي الذي تحدى الله به أهل مكة وغيرهم من العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، وسأعرض لذكر بعض جوانب هذا الإعجاز القرآني الذي عجز الكفار أن يأتوا بمثل هذا القرآن من جهتها وهى ما يلي:
أولا: تحدَّاهم بفصاحة القرآن وعلو أسلوبه، وأحكامه، ودقة تعبيره، ولذا تكلف بعض سفهاء الأحلام منهم أن يأتوا بسور خيل لهم أنها على نمطه وشاكلته، فأضحكوا على أنفسهم العقلاء، وأما ذووا العقل والرأي منهم فأسلموا أنفسهم إلى العجز وأيقنوا من قرارة نفوسهم
[ ٧٨ ]
أنه الحق وأنه من عند الله لا من كلام البشر ولكن أكثرهم يجهلون فأبوا إلا الكفر أنفة واستكبارا.
ثانيا: تحدَّاهم بتشريعه الكامل الموافق لمقتضى العقل والفطرة، الهادي جميع البشر إلى سواء السبيل من جوانب الحياة كلها عقيدة وعبادة واقتصادا وسياسة وأدبا وأخلاقا مع بقاءه كذلك صالحا لهداية العالم وإصلاحه في جميع جوانب الحياة إلى يوم القيامة.
ثالثا: تحداهم بما تضمنه القرآن من الأخبار الغيبية التفصيلية المسهبة، وبوقوف الرسول ﷺ من إخوانه المرسلين السابقين موت المصدق لهم المبين لتحريف أقوامهم شرائعهم، المعلن لخزاياهم وفضائحهم في خروجهم على أنبيائهم بيان الواثق بنفسه المؤمن بما أوحي إليه من ربه، وهو أمي عاش في أمة أمية، ومن أمته أهل الكتاب الذين فضحهم بسوء صنيعهم مع رسلهم وفى شرائعهم ومع ذلك لاذوا بالصمت ولم يردوا عليه ما اتهمهم به تبرئة لأنفسهم ودفعا للنقيصة والعار عنها، فكان ذلك إيذانًا بأنه رسول الله الصادق الأمين وأن ما جاء به إنما هو وحي من رب العالمين (^١).
ولقد تضمن القرآن الكريم جوانب أخرى من الإعجاز، فنحن في زمان انتشر فيه سلطان العلم المادي وتباهى الإنسان بمعرفته لكثير من الأمور التي خفيت عمن قبله من الأجيال، ولكن كثيرا من هذه الأمور التي يدعي الإنسان اكتشافها ومعرفتها، نجد أن القرآن الكريم قد تحدث عنها وبينها فعلى سبيل المثال تكوين الإنسان في بطن أمه تحدثت عنه آيات كثيرة من القرآن قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان بينما لم يتعرف
_________________
(١) انظر: مجلة البحوث الإسلامية، العدد التاسع (ص ٢٧ - ٢٨) مقال بعنوان بيان ما يسمى معجزة محمد الخالدة والمعجزة القرآنية إعداد هيئة كبار العلماء.
[ ٧٩ ]
علماء الطب على ذلك إلا في زمن متأخر، وكذا الأمر بالنسبة لكثير من الأمور الأخرى كتكوين الأرض وعلوم البحار وعلوم الحيوان وشتى أنواع العلوم الأخرى، وقد اهتم عدد من العلماء المسلمين بهذا الشأن فأنشؤوا ما يسمى "بهيئة الإعجاز العلمي في القرآن" لبيان سبق القرآن في توضيح كثير من أمور العلم التي يدعي كثير من العلماء الماديين أنها لم تعرف إلا في هذا الزمان.
وهذا كله شاهد بأن كتاب الله العزيز يبقى المعجزة الخالدة التي لا تنتهي عجائبها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.
فالقرآن يبقى معجزًا في عصر العلم كما كان معجزا في عصر الفصاحة والبلاغة.
ومن الآيات الحسية التي أعطيها النبي ﷺ زمن بعثته: