تنوعت عبارات السلف في تعريف الإيمان:
أ - فتارة يقولون: الإيمان قول وعمل.
٢ - وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية.
٣ - وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية واتباع سُنَّة (^٢).
_________________
(١) الصارم المسلول (ص ٥١٩ - ٥٢٠) بتصرف.
(٢) هذه التعريفات الثلاثة أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الايمان. انظر (ص ١٦٢).
[ ٢٩ ]
٤ - وتارة يقولون: الإيمان: قول اللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) بعد أن أورد التعريفات الثلاثة الأول: "وكل هذا صحيح" (^٣) وعلل ذلك بقوله (^٤):
"فمن قال: إن الإيمان قول وعمل، فمرداه قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح".
وقول اللسان وعمل الجوارح معروفان.
وأما المقصود من قول القلب: فهو إقراره ومعرفته وتصديقه.
وأما عمله: فهو انقياده لما صدق به.
ومن عبَّر عن الإيمان بهذا التعريف ليس مراده كل قول أو عمل، وإنما المراد ما كان مشروعًا من الأقوال والأعمال.
كما أن تعبير بعض السلف بهذه العبارة في تعريف الإيمان إنما جاء في معرض الرد على المرجئة (^٥) الذين جعلوه قولًا فقط، فقال بعض
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٢).
(٢) هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن تيمية النميري، الحرّاني الدمشقي، ولد سنة إحدى وستين وستمائة (٦٦١ هـ) بحران، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (٧٢٨ هـ) بدمشق، اشتهر ﵀ بالعلم والزهد والورع والعبادة والجهاد والدفاع عن عقيدة السلف وقد ألف في سيرته المؤلفات الكثيرة. انظر كتاب: الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية، تأليف مرعي بن يوسف الحنبلي.
(٣) كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٦٢).
(٤) كلام شيخ الإسلام نقلته بتصرف من كتابه الايمان (ص ١٦٢ - ١٦٣).
(٥) المرجئة: هم الذين أرجؤوا العمل عن مسمى الإيمان، وهم خمس طوائف سيأتي ذكرهم.
[ ٣٠ ]
السلف ردا عليهم: بل قول وعمل (^١).
وأما من عرَّفه بقوله: هو قول وعمل ونية، فمقصوده بزيادة لفظ "ونية": أن القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان.
وأما العمل فقد لا يفهم منه النية، فزاد ذلك (^٢).
وأما من عرَّفه بأنه قول وعمل ونية واتباع سنة، فقد زاد لفظة: "واتباع سنة" لأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا باتباع السنة (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد سئل سهل بن عبد الله التستري (^٤) عن الإيمان ما هو؟، فقال: قول وعمل ونية واتباع سنة".
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الناس لهم في مسمَّى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال:
(٢) فالذي عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا.
(٣) وقيل: بل مسماه اللفظ، والمعنى ليس جزء مسماه بل هو مدلول مسماه، وهذا قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وطائفة من المنتسبين إلى السنة، وهو قول النحاة لأن صناعتهم متعلقة بالألفاظ.
(٤) وقيل: مسمَّاه هو المعنى وإطلاق الكلام على اللفظ مجاز لأنه دال عليه وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه.
(٥) وقيل: "بل هو مشترك بين اللفظ والمعنى، وهو قول بعض المتأخرين من الكلابية ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين" كتاب الإيمان (ص ١٦٢).
(٦) كتاب الإيمان (ص ١٦٣).
(٧) المصدر السابق (ص ١٦٣).
(٨) هو: سهل بن عبد الله بن يونس التستري، أبو محمد: ولد سنة (٢٠٠ هـ) وتوفي سنة (٢٨٣ هـ)، عامة كلامه في تصفية الأعمال من المعائب، وأسند الحديث وأسند عنه. شذرات الذهب (٣/ ١٨٢)، والأعلام (٣/ ١٤٣).
[ ٣١ ]
لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر.
وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق.
وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة (^١).
وأجمع التعاريف الواردة وأشملها هو: أن الإيمان قول اللسان واعتقاد بالجنان وعمل الجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
وهذا التعريف هو الذي يميز قول السلف في مسمَّى الإيمان عن قول غيرهم من الفرق (^٢) ولهذا كان هذا التعريف هو أجمع التعاريف الواردة عن السلف وأكثرها دقة في بيان قولهم.
_________________
(١) كتاب الإيمان (ص ١٦٣).
(٢) الذين خالفوا السلف في مسمى الإيمان هم: أ - المرجئة بطوائفهم الخمس:
(٣) الجهمية: وقالوا: الإيمان هو معرفة القلب فقط؛ أي: المعرفة الفطرية التي هي المعرفة بربوبية الله
(٤) الأشاعرة: وقالوا: الإيمان هو التصديق فقط؛ أي: التصديق بما جاء به النبي ﷺ من عند الله.
(٥) الماتريدية: وقولهم في الإيمان مثل قول الأشاعرة.
(٦) الكرامية: قالوا: الإيمان قول باللسان فقط.
(٧) مرجئة الأحناف (أو مرجئة الفقهاء): قالوا: الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وهو قول الكلابية وكل هذه الطوائف الخمسة أخرجت العمل عن الإيمان. ب - الخوارج: قالوا: الإيمان قول واعتقاد وعمل، ولكنهم يكفرون من أخل بشيء من هذه الثلاثة ويقولون بأنه كافر في الدنيا وفي الآخرة خالد في النار. ج - المعتزلة: وقالوا بقول الخوارج إلا أنهم يقولون: إنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين بمعنى أنه ليس بمؤمن ولا كافر واتفقوا معهم في باقي الأمور. انظر تفاصيل هذه الأقوال: في كتاب الإيمان لابن تيمية، والجزء السابع من مجموع الفتاوى وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧٣ - ٣٩٢) وكتاب النبوات (ص ١٩٩).
[ ٣٢ ]