تتحدد دلالة اسم "الإيمان" بحسب سياق الكلام الذي تستعمل فيه هذه اللفظة فلفظ "الإيمان" إما أن يستعمل:
١ - مطلقًا: أي يذكر مطلقًا عن لفظ "العمل" و"الإسلام".
٢ - أو مقيدًا: فتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام.
فإذا استعمل مطلقًا: "فجميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة، يدخل في مسمى الإيمان عند عامة السلف والأئمة - من الصحابة والتابعين وتابعيهم - الذين يجعلون الإيمان قولا وعملا، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويدخلون جميع الطاعات - فرضها ونفلها - في مسماه" (^١).
ويلاحظ هنا أن لفظ "الإيمان" على هذا الاستعمال يكون مرادفًا للفظ "العبادة" والعبادة كما هو معروف هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.
ومن استعمال الشارع للفظ الإيمان بهذا المعنى ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة (^٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٢).
(٢) أبو هريرة بن عامر: واختلف في اسمه إلى عدة أقوال: منها أنه عبد الرحمن، وهو دوسي أسلم عام خيبر وشهدها ثم لازم رسول الله ﷺ حتى قبضه الله إليه، وكان من أحفظ الصحابة ﵃، توفي عام ٥٧ هـ. أسد الغابة (٢/ ١٦٧).
(٣) أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أمور الدين. انظر: فتح الباري (١/ ٥١) ح ٩ وأخرجه مسلم - واللفظ له - كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان (١/ ٤٦).
[ ٣٣ ]
فالإيمان في هذا الحديث شمل جميع أمور الدين بما في ذلك أمور الإسلام. ومن هذا الاستعمال أيضا ما جاء في حديث عبد الله بن عباس (^١) ﵄: أن وفد عبد القيس (^٢) لما أتوا النبي ﷺ أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: "أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم خمس … " الحديث (^٣).
فلفظ الإيمان استعمل في الحديث مطلقًا فدخل فيه الأمور الظاهرة مع أنها من أمور الإسلام كما جاء في حديث جبريل المشهور.
وأما إذا استعمل اسم الإيمان مقيدا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، وقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس].
وقول النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: "الإيمان أن تؤمن بالله
_________________
(١) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي - ابن عم رسول الله ﷺ ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات في الشعب أثناء الحصار، وكان ﵁ ترجمان القرآن وحبر الأمة لعلمه وفهمه، توفي سنة ٨٤ هـ. الإصابة (٦/ ١٦٧ - ١٧٣).
(٢) هي قبيلة كبيرة كانوا يسكنون البحرين ينسبون إلى عبد القيس بن أفْصى - بسكون الفاء بعدها مهملة بوزن أعمى - ابن دُعمِيّ - بضم ثم سكون المهملة وكسر الميم بعدها تحتانية ثقيلة - ابن جَديلة - بالجيم وزن كبيرة - ابن أسد بن ربيعة بن نزار. انظر: فتح الباري (٨/ ٨٥).
(٣) أخرجه البخارى في صحيحه واللفظ له: كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/ ١٢٩) ح ٥٣، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه (١/ ٣٥ - ٣٦).
[ ٣٤ ]
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره" (^١).
فهنا قد يقال: إنه متناول لذلك، وإن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام كقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ الآية [الأحزاب: ٧].
وقد يقال: إن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران كلفظ الفقير والمسكين، فإن أحدهما إذا أفرد تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كانا صنفين: كما في آية الصدقة، ولا ريب أن فروع الإيمان مع أصوله كالمعطوفين، وهي مع جميعه كالبعض مع الكل (^٢).
قلت: إن القول بأن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام ينطبق على الآية وهي قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [فصلت: ٨]، وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس].
والقول بأن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران ينطبق على حديث جبريل حيث ذكر الإسلام والإيمان فأصبح كل واحد منهما يختص بأمور معينة فالإسلام اختص بالأمور الظاهرية، والإيمان اختص بالأمور الاعتقادية الباطنية.
"فلفظ الإسلام والإيمان إذا أُفرد كل واحد من الاسمين دخل في مسمى الآخر إما تضمنا وإما لزوما، ودخوله فيه تضمنا أظهر، وكون أحدهما لا يدخل في الآخر عند الاقتران لا يدل على أنه لا يدخل فيه عند انفراد الآخر، وهذه قاعدة جليلة من أحاط بها زالت عنه إشكالات
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو وبيان خصاله (١/ ٢٩). والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل بلفظ: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث". انظر: فتح الباري (١/ ١١٤)، ح ٥٠.
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٧ - ٦٤٨).
[ ٣٥ ]
كثيرة أشكلت على كثير من الناس" (^١).