فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُول ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾
وَقَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله﴾
[ ٢١ ]
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان﴾
ثمَّ مدحهم على مَا خلقه فيهم وحببه إِلَيْهِم وزينه فِي قُلُوبهم وَمَا كرهه إِلَيْهِم وَهُوَ من عَظِيم كرمهه وإحسانه وفضله وامتنانه كَمَا يَفْعَله مُلُوك الدُّنْيَا مَعَ خواصهم فِيمَا تشاهده العيان ينعم عَلَيْهِ بِحسن الملبوس والزينة فِي المركوب وَالْخَيْل المسومة وَالسِّلَاح وَآلَة الْحَرْب المحملة فَإِذا عرض عَلَيْهِ الْجنُود والجيوش فِي يَوْم الزينه وَأَعْجَبهُ زِيّ بعض خواصه استحسنه وَقَالَ مَا رَأَيْت فِي الجيوش وزي العساكر أطرف من فلَان وَلَا أزين من زيه
وَإِذا حسن من الْمَخْلُوق هَذَا القَوْل فَهُوَ من خَالق الْخلق وأعمالهم أحسن وَأحسن فقس على ذَلِك جَمِيع مَا ورد فِي الْقُرْآن من الثَّنَاء الْجَمِيل على صَاحبه وَالْكل من صنع الله وخلقه مثل قَوْله ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر والحافظون لحدود الله﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يَتلون كتاب الله وَأَقَامُوا الصَّلَاة وأنفقوا من مَا رَزَقْنَاهُمْ سرا وَعَلَانِيَة يرجون تِجَارَة لن تبور ليوفيهم أُجُورهم ويزيدهم من فَضله إِنَّه غَفُور شكور﴾
ألهمهم لفعل الْخَيْر والأعمال الصَّالِحَة من تِلَاوَة كِتَابه الْكَرِيم وإقام الصَّلَاة وَنَفَقَة المَال وَهُوَ الَّذِي أَعْطَاهُم جَمِيع ذَلِك ويسرهم لَهُ ويسره عَلَيْهِم ثمَّ تفضل
[ ٢٢ ]
عَلَيْهِم ومدحهم عَلَيْهِ وشكرهم ثمَّ سمى مَا يجازيهم بِهِ على ذَلِك أجرا وَمن أَيْن يسْتَحق العَبْد المربوب الْمَخْلُوق الْمَمْلُوك على خالقه وربه ومالكه وإلهه ومعبوده أجرا لَوْلَا جميل إحسانه وعظيم إمتنانه وجزيل كرمه وعطائه لَا عدمنا ذَلِك الْفضل الْعَظِيم والطول الجسيم
وَقَالَ تَعَالَى فِي آخر هَذِه السُّورَة مَا يُوَافق أَولهَا ويزيده وضوحا لمن أَرَادَ الله بِهِ خيرا وفهمه كِتَابه ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿من يهد الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدا﴾
والآيات فِي مثل هَذَا الْفَنّ لَا تحصى قد ذكرهَا الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام الأوحد أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن الْجبَاب ﵀ عَلَيْهِ فِيمَا أملاه عَليّ وَهُوَ كتاب الاملاءله فِي مجلدين
وَأما قَول الْمَلَائِكَة فَقَالَت ﴿لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِنَّك أَنْت الْعَلِيم الْحَكِيم﴾
[ ٢٣ ]