. إقدام عَمْرو فِي سماحة حَاتِم فِي حلم احنف فِي ذكاء إِيَاس
فَنظر الْحَاضِرُونَ بَعضهم إِلَى بعض إزراء عَلَيْهِ وانكارا لفعله إِذْ شبه أَمِير الْمُؤمنِينَ بصعاليك الْعَرَب فتفطن فِي حَال إنشاده لمقصودهم وَعلم مَا جال فِي خواطرهم فَجَاشَ صَدره وقهقهت رويته فَقَالَ على البديهة هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما لَا تنكروا ضربي لَهُ من دونه مثلا شرودا فِي الندى والياس لافالله قد ضرب الاقل لنوره مثلا من الْمشكاة والنبراس
فتفقدت القصيدة فَلم يُوجد هَذَانِ البيتان فِيهَا وَإِنَّمَا تصفح الْقُرْآن من سَاعَته بِعَين قلبه ونظم هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ببديهيته من تلقي لبه
وَفِي هَذِه السُّورَة يَقُول الله سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾
ذكر فِي التَّفْسِير أَن قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت﴾ نزلت فِي أبي طَالب عَم رَسُول الله ﷺ وَأَنَّهَا خصت ابا طَالب وعمت ﴿وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ خصت هَذِه عَمه الْعَبَّاس وعمت وَبعد ذَلِك كُله يَقُول الله تَعَالَى ﴿وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ وَرَبك يعلم مَا تكن صُدُورهمْ وَمَا يعلنون وَهُوَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة وَله الحكم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾
[ ٨٥ ]
سُورَة الرّوم فِيهَا آيتان قاصمتان لظُهُور الْقَدَرِيَّة الَّذين يَعْتَقِدُونَ أَن مَعَ الله تَعَالَى شُرَكَاء خلقُوا كخلقه أوردهما الله سُبْحَانَهُ فِي ضرب الْمثل ليظْهر قباحة الشّركَة فِيمَا اسْتَأْثر الله بِهِ لكل عَاقل وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى وهما قَوْله تَعَالَى ﴿ضرب لكم مثلا من أَنفسكُم هَل لكم من مَا ملكت أَيْمَانكُم من شُرَكَاء فِي مَا رزقناكم فَأنْتم فِيهِ سَوَاء تخافونهم كخيفتكم أَنفسكُم كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿بل اتبع الَّذين ظلمُوا أهواءهم بِغَيْر علم فَمن يهدي من أضلّ الله وَمَا لَهُم من ناصرين﴾
سُورَة السَّجْدَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ والقدرية تَقول فِي هَذِه الْآيَة وَغَيرهَا من الْآيَات الَّتِي علق فِيهَا الْهِدَايَة بمشيئته إِن ذَلِك لَو كَانَ مِنْهُ لَكَانَ على طَرِيق الالجاء قَالُوا وَنحن نقُول ذَلِك وَإِن الله تَعَالَى لَو شَاءَ أَن يلجيء الْكفَّار إِلَى الْإِيمَان بِاللَّه لفعل ذَلِك لَكِن لَا يحسن مِنْهُ فعله لِأَنَّهُ ينْقض الْغَرَض المجري بالتكليف إِلَيْهِ وَهُوَ الثَّوَاب الَّذِي لَا يسْتَحق إلابما يَفْعَله الْمُكَلف بِاخْتِيَارِهِ
[ ٨٦ ]
وَقَالَت الامامية مِنْهُم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ الْآيَة إِنَّه يجوز أَن يُرِيد هداها إِلَى طَرِيق الْجنَّة فِي الْآخِرَة وَلم يُعَاقب أحدا لَكِن حق القَوْل مِنْهُ أَنه يمْلَأ جَهَنَّم فَلَا يجب على الله عندنَا هِدَايَة الْكل إِلَيْهَا قَالُوا بل الْوَاجِب هِدَايَة المعصومين فَأَما من لَهُ ذَنْب فَجَائِز هدايته إِلَى النَّار جَزَاء على أَفعاله وَفِي جَوَاز ذَلِك منع لقطعهم على أَن المُرَاد هداها إِلَى الْإِيمَان
فَنَقُول قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ أخبر سُبْحَانَهُ إِن لَو شَاءَ لآتى كل نفس هداها الَّذِي هُوَ نَافِع لَهَا فِي معادها وَالْهدى النافع فِي الْمعَاد هُوَ الْإِيمَان وَالطَّاعَة الْوَاقِع على جِهَة الِاخْتِيَار لَا على جِهَة الِاضْطِرَار وَقد تكلم الْعلمَاء عَلَيْهِم فِي هذَيْن التَّأْويلَيْنِ مَا فِيهِ كِفَايَة لَا سِيمَا فِي كتاب الاملاء للشَّيْخ الْفَقِيه الْعَالم الأوحد أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن الْحباب رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَإِنَّهُ كَلَام ممتع فِي الْكَلَام عَلَيْهِم فِي هَذَا الْفَنّ فِي كل آيَة أوردت حجَّة عَلَيْهِم أَو شُبْهَة لَهُم فاطلبه تظفر بالمطلوب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَالَّذِي لَا بُد مِنْهُ فِي هَذِه اللمحة المختصرة أَن يُقَال فقد بَطل عندنَا وعندكم أَن يهْدِيهم الله سُبْحَانَهُ على طَرِيق الإلجاء لِأَن الالجاء هُوَ الْإِكْرَاه والإجبار فَصَارَ ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى مَذْهَب الجبرية وَهُوَ مَذْهَب رذل عندنَا وعندكم فَلم يبْق إِلَّا أَن المهتدين من الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا هدَاهُم الله إِلَى الْإِيمَان وَالطَّاعَة على طَريقَة الِاخْتِيَار حَتَّى يَصح التَّكْلِيف فَمن شَاءَ آمن وأطاع إختيارا لَا جبرا قَالَ الله تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا﴾ تمّ عقب هَاتين الْآيَتَيْنِ بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾
[ ٨٧ ]
فَوَقع إِيمَان الْمُؤمنِينَ بمشيئتهم وَنفى أَن يشاءوا إِلَّا أَن يَشَاء الله وَلِهَذَا أفرطت الْمُجبرَة لما رَأَوْا أَن هدايتهم معذوف بمشيئته تَعَالَى فَقَالُوا الْخلق مَجْبُورُونَ فِي طاعتهم كلهَا إلتفاتا مِنْهُم إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ وفرطت الْقَدَرِيَّة لما رَأَوْا أَن هدايتهم إِلَى الْإِيمَان معذوف بِمَشِيئَة الْعباد فَقَالُوا الْخلق خالقون لأفعالهم إلتفاتا مِنْهُم إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم﴾ ومذهبنا هُوَ الاقتصاد فِي الِاعْتِقَاد وَهُوَ مَذْهَب بَين مذهبي الْمُجبرَة والقدرية وَخير الْأُمُور أوساطها وَذَلِكَ أَن أهل الْحق قَالُوا نَحن نفرق بَين مَا اضطررنا إِلَيْهِ وَبَين مَا اخترناه بِمَا كُنَّا قدمْنَاهُ فِي صدر الْكتاب وَهُوَ أَنا ندرك تفرقه بَينه بَين حَرَكَة الارتعاش الْوَاقِعَة فِي يَد الانسان بِغَيْر محاولته وإرادته وَلَا مقرونة بقدرته وَبَين حَرَكَة الِاخْتِيَار إِذا حرك يَده حَرَكَة مماثلة لحركة الارتعاش وَمن لَا يفرق بَين الحركتين حَرَكَة الِاخْتِيَار وحركة الارتعاش وهما موجودتان فِي ذَاته ومحسوستان فِي يَده لمشاهدته وَإِدْرَاك حاسته فَهُوَ معتوه فِي عقله ومختل فِي حسه وخارج من حزب الْعُقَلَاء
هَذَا هُوَ الْحق الْمُبين وَهُوَ طَرِيق بَين طريقي الافراط والتفريط وكلا طرفِي قصد الْأُمُور ذميم وَبِهَذَا الِاعْتِبَار إختار أهل النّظر من الْعلمَاء أَن سموا هَذِه الْمنزلَة بَين المنزلتين كسبا وَأخذُوا هَذِه التَّسْمِيَة من كتاب الله ﷿ وَهُوَ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت﴾ وَظهر لَك من هَذَا أَن إكتسابات الْعباد خلق لله تَعَالَى دونهم وَكسب لَهُم دون الله تَعَالَى لِأَن الْكسْب لَا يتَصَوَّر من الله تَعَالَى لتَعَلُّقه بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَة وَلَا يتَصَوَّر الْخلق من المخلوقين لعدم علمهمْ بتفاصيل مَا يصدر مِنْهُم وَلما قَامَ من الدَّلِيل أَن لَا خَالق إِلَّا الله وللفقيه أبي الْقَاسِم رَحْمَة الله عَلَيْهِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة تصنيف ممتع بَين فِيهِ حَقِيقَة الْكسْب أملاه عَليّ فاطلبه
وَقد قَامَت الْأَدِلَّة البراهينية فِي الْآيَات الْكِتَابِيَّة أَن الله سُبْحَانَهُ ﴿خَالق كل شَيْء﴾ وَأَن كلا من عِنْد الله وَأَن الله ﴿خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾
[ ٨٨ ]
﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَي وعملكم و﴿زينا لكل أمة عَمَلهم﴾ و﴿حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ﴾ و﴿لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان﴾
وأمثالها فِي الْقُرْآن كثير وَقَول النَّبِي ﷺ كنز من كنوز الْجنَّة لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قَالَ أَتَدْرُونَ مَا تَفْسِيرهَا لَا حول عَن مَعْصِيّة الله وَلَا قُوَّة على طَاعَة الله إِلَّا بِاللَّه وَقَوله ﵇ إِن الله خَالق كل صانع وصنعته
وَشبه هَذِه الْمَسْأَلَة مَسْأَلَة الْكَلَام أَنه حرف وَصَوت وَاخْتلفُوا فِي إِجْرَاء صفة الْكَلَام على الله تَعَالَى فَقَالَت الحشوية هُوَ من صِفَات الله تَعَالَى هربا من أَن يَجْعَلُوهُ مُحدثا وَقَالَت الْمُعْتَزلَة هُوَ من صِفَات أَفعاله هربا من أَن يجْعَلُوا الصَّوْت والحرف قَدِيما فوصفت الحشوية رَبهَا بِأَنَّهُ فِي أزل أزله مُتَكَلم بِصَوْت وحرف وَقَالَت الْمُعْتَزلَة إِن كَلَام مُحدث مَخْلُوق فلزمهم أَن يكون ﷻ قبل أَن يحدث كَلَامه إِمَّا ساكتا وَإِمَّا أخرس وَكِلَاهُمَا صفتا ذمّ تَعَالَى الله عَن قبولهما وَكَونه متكلما صفة كَمَال وَهُوَ أَحَق أَن يُوصف بهَا وَيلْزم الْمُعْتَزلَة لما أحدث كَلَامه إِمَّا أَن يكون أحدثه فِي ذَاته فَيصير محلا للحوادث وَإِذا كَانَ محلا للحوادث وَجب أَن يكون مُحدثا وإم أَن يكون خلقه وأحدثه لَا فِي مل وَهَذَا يُوجب قيام الصّفة بِنَفسِهَا لَا فِي مَحل وَهُوَ مُسْتَحِيل وَإِمَّا أَن يكون خلق كَلَامه وأحدثه فِي غَيره كَمَا قَالَ بَعضهم خلقه فِي الشَّجَرَة فيلزمهم أَن تكون الشّجر هِيَ المكلمة لمُوسَى ﵇ وَأَن تكون هِيَ القائلة أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وَهُوَ بَاطِل أَيْضا وَإِنَّمَا أعمت قُلُوبهم أَنه وَردت فِي كتاب الله تَعَالَى لم يفقهوا وَهِي قَوْله تَعَالَى
[ ٨٩ ]
﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ ولايشك عَاقل أَن الْقُرْآن مُحدث التَّنْزِيل وَلم ينزل الْقُرْآن على مُحَمَّد ﷺ إِلَّا نجوما شَيْء بعد شَيْء فِي نَيف وَعشْرين سنة
فَالله يَقُول لنَبيه ﵇ ﴿مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان﴾ ﴿ووجدك ضَالًّا فهدى﴾ وَقَوله بعد النُّبُوَّة والرسالة ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم﴾ حَتَّى
[ ٩٠ ]
نسخت بقوله ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ الْآيَات الواردات فِيهِ ﷺ وَفِي الْمُؤمنِينَ وَفِي الْمُشْركين إِلَى قَوْله ﴿وَأعد لَهُم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ فَلَو كَانَت هَذِه الْآيَات نزلت عَلَيْهِ أَولا لما قَالَ ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم﴾ وَهَذِه جَهَالَة من أهل الاعتزال بِصِفَات ذِي الْجلَال والكمال
والحشوية أَصَابُوا الْحق من حَيْثُ قَالُوا أَنه مُتَكَلم فِي أزله بِكَلَام قديم أزلي كَسَائِر صِفَاته الذاتية وأخطأوا فِي قَوْلهم أَن كَلَامه صَوت وحرف والمعتزلة أخطأوا فِي قَوْلهم إِن كَلَام الله صَوت وحرف واصابوا فِي كَونهم نزهوا ذَات الله عَن الْحَرْف وَالصَّوْت وَلكنه تَنْزِيه فِيهِ عدم التَّنْزِيه فَلَزِمَ مِنْهُ جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ
ومذهبنا هُوَ الْحق الْمُبين وَهُوَ مَذْهَب بَين طريقي الافراط من الْمُعْتَزلَة والتفريط من الحشوية وَهُوَ أَن الله تَعَالَى مُتَكَلم بِكَلَام أزلي قديم كَسَائِر صِفَاته وَأَن حَقِيقَة الْكَلَام أَنه معنى قَائِم بِالنَّفسِ وَلَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت وَإِنَّمَا يسْتَدلّ عَلَيْهِ بالحروف والأصوات ليفهم الْغَيْر تَارَة للحاضر إِذا كَانَ يفهم لغتنا وبلغته تَارَة إِذا كَانَ عجميا وَتارَة بالحروف وَحدهَا إِذا كَانَ غَائِبا وَإِن كَانَ حَاضرا وَهُوَ أخرس فيستدل على الْكَلَام الْقَائِم بذاتنا لَهُ بِالْإِشَارَةِ والإيماء وَلَا يُطيق اُحْدُ من الْبشر أَن يُوصل كَلَامه الْقَائِم بِذَاتِهِ إِلَى إفهام غَيره من الْخلق إِلَّا بالحروف والأصوات فَأَما رَبنَا جلّ وَعلا فيكلم خلقه على ثَلَاثَة أنحاء أما إلهاما كالخضر ﵇ وَإِمَّا من وَرَاء حجاب كموسى ﵇ وَإِمَّا بإرسال رَسُول كمحمد ﷺ قَالَ الله
[ ٩١ ]
تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا﴾ فَأَيْنَ الْحَرْف وَالصَّوْت هَا هُنَا وَأَيْنَ اشْتبهَ عَلَيْهِم فِي تكليم مُوسَى وإرسال الرَّسُول فَمَا فِي إلهام الْخضر ﵇ إشتباه وَالْحَمْد لله فَلْيتَأَمَّل فَفِيهَا شِفَاء للصدور
وَكَذَلِكَ لايطيق الْبشر أَن يَتْلُو كَلَام الله تَعَالَى ﴿فَإِنَّمَا يسرناه بلسانك﴾ تَأمل قَوْله ﴿يسرناه﴾ فَفِيهِ معنى الصنع وَقَوله ﴿بلسانك﴾ فَفِيهِ معنى لُغَة الغرب
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ فَفِي جَعَلْنَاهُ معنى صيرناه وَفِي قَوْله عَرَبيا معنى اللُّغَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر﴾ فَانْظُر إِلَى
فضل الله سُبْحَانَهُ ولطفه بخلقه وعظيم كَلَامه فِي طي حُرُوف وأصوات هِيَ صِفَات أنفسهم كَمَا يصنع الْخلق فِي إفهام كَلَامهم الصَّادِر عَن أنوار عُقُولهمْ إِلَى بواطن الْبَهَائِم فِيمَا يُرَاد من تَقْدِيمهَا وتأخيرها ومشيها ووقوفها وشربها المَاء بوسيلة صِفَات الْبَهَائِم من النقر والصفير والأصوات الَّتِي تشاكلها
وَكَذَلِكَ الطِّفْل الصَّغِير فِيمَا يُخَاطب بِهِ عِنْد الزّجر والتخويف وَالتَّرْغِيب والتفهيم فِي الْأَشْيَاء الْمضرَّة المفزعة والأشياء الملذة الْحَسَنَة بِنَوْع من الْأَلْفَاظ المشاكلة لفهمه فَصَارَت الْحُرُوف والأصوات وَالْكِتَابَة تعظم وتوقر وتحترم إِذا كتب بهَا كَلَام الله أَو تلِي وَإِذا لم يكْتب بهَا إِلَّا الشّعْر وَكَلَام المخلوقين لم يكن لَهَا حُرْمَة وَلَا تَعْظِيم وَلَا توقير وَلَا يُوجب ذَلِك قدمهَا كحجارة الْبَيْت الْعَتِيق قطعت من الْجَبَل
[ ٩٢ ]
فبنيت بهَا الْكَعْبَة فعظمت بِالطّوافِ حولهَا وَلَا يقربهَا حَائِض وَلَا جنب وَلَا من على غير وضوء
فَكَذَلِك الْمُصحف ﴿لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ﴾ وَلَا يُسَافر بِهِ إِلَى أَرض الْعَدو إحتراما لكَلَام الله تَعَالَى وَلَا يُوجب ذَلِك قدم الْمُصحف كَمَا لَا يُوجب قدم الْكَعْبَة وَلَا قدم الْحجر الْأسود الَّذِي يعظم وَيقبل ويلتزم
وَكَذَلِكَ تَعْظِيم الْأَنْبِيَاء واحترامهم لَا يُوجب قدمهم فَمَا أعظم جهل الحشوية وَمَا أحمقهم وَصَارَت الْحُرُوف والأصوات وَالْكِتَابَة كَأَنَّهَا جَسَد لروح كَلَام الله وَصَارَ كَلَام الله كَأَنَّهُ روح الأجساد الْحُرُوف والأصوات وَالْكِتَابَة وَمَا أحسن مَا تفطن لَهُ بعض الشُّعَرَاء حَيْثُ قَالَ إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وأنما جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا
وَقد أخبر عَن الْمَعْنيين جَمِيعًا بقوله تَعَالَى ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذا جاؤوك حيوك بِمَا لم يحيك بِهِ الله﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم لَوْلَا يعذبنا الله بِمَا نقُول﴾ أَلا تراهم كَيفَ لما دخلُوا على النَّبِي ﷺ غشاوة فِي التَّحِيَّة بالنطق بلسانهم وَأخْبر الله عَن كَلَامهم الْمَوْجُود فِي بواطنهم بقوله تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِمَا نقُول﴾
وَاعْلَم بعد ذَلِك كُله أَن الْمُعْتَزلَة إِنَّمَا تلقوا إعتقادهم فِي كَلَام الله تَعَالَى من الْعقل الْمَحْض والحشوية تلقوا إعتقادهم فِي كَلَام الله تَعَالَى من ظَاهر الشَّرْع
[ ٩٣ ]
الْمَحْض وَمن الْعرف الْجَارِي بِهِ الْعَادة فِيمَا يتخاطب بِهِ الْخلق فظنوا أَن كَلَام الله مثل كَلَامهم فحكموا على الْغَائِب عَنْهُم بِالشَّاهِدِ عِنْدهم وَمن قَاس الْغَائِب على الشَّاهِد فقد أَخطَأ عِنْد جمَاعَة الْمُتَكَلِّمين واهل الْعقل أجميعن فَلَا يحمل علم الْعَالم على جهل الْجَاهِل وكونهم يَقُولُونَ لَا يفهم كلَاما إِلَّا صَوتا وحرفا فَكَلَام الْعَوام وَمن لَا يدْرِي شَيْئا وَلَا يعرف أحقيقة لَا وَلَا مجَازًا وَسبب ذَلِك كُله عدم ممارستهم للْعُلَمَاء بل لطلبة الْعلم من أهل الْكَلَام فَهَؤُلَاءِ فرطوا وَأُولَئِكَ أفرطوا وَأهل الْحق جمعُوا بَين الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول أَي بَين الْعقل وَالشَّرْع واستعانوا فِي دَرك الْحَقَائِق بمجموعهما فسلكوا طَرِيقا بَين طريقي الافراط والتفريط وسنضرب لَك مِثَالا يقرب من إفهام القاصرين ذكره الْعلمَاء كَمَا أَن الله تَعَالَى يضْرب الْأَمْثَال للنَّاس لَعَلَّهُم يتذكرون فَنَقُول لِذَوي الْعُقُول مِثَال الْعقل الْعين الباصرة مِثَال الشَّرْع الشَّمْس المضيئة فَمن اسْتعْمل الْعقل دون الشَّرْع كَانَ بِمَنْزِلَة من خرج فِي اللَّيْل الْأسود البهيم وَفتح بَصَره يُرِيد أَن يدْرك المرئيات وَيفرق بَين المبصرات فَيعرف الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود والأحمر من الْأَخْضَر والأصفر ويجتهد فِي تحديق الْبَصَر فَلَا يدْرك مَا أَرَادَ ابدا مَعَ عدم الشَّمْس المنيرة وَإِن كَانَ ذَا بصر وبصيرة وَمِثَال من اسْتعْمل الشَّرْع دون الْعقل مِثَال من خرج نَهَارا جهارا وَهُوَ أعمى أَو مغمض الْعَينَيْنِ يُرِيد أَن يدْرك الألوان وَيفرق بَين الْأَعْرَاض فَلَا يدْرك الآخر شَيْئا ابدا وَمِثَال من اسْتعْمل الْعقل وَالشَّرْع جَمِيعًا مِثَال من خرج بِالنَّهَارِ وَهُوَ سَالم الْبَصَر مَفْتُوح الْعَينَيْنِ وَالشَّمْس ظَاهِرَة مضيئة فَمَا أجدره وأحقه ان يدْرك الألوان على خقائقها وَيفرق بَين اسودها وأحمرها وأبيضها وأصفرها
فَنحْن بِحَمْد الله السالكون لهَذِهِ الطَّرِيق وَهِي الطَّرِيق الْمُسْتَقيم وصراط الله الْمُبين وَمن زل عَنْهَا وحاد وَقع فِي طَرِيق الشَّيْطَان المتشعبة عَن الْيَمين وَالشمَال
قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾
[ ٩٤ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ تَفَرَّقت بَنو اسرائيل على أثنتين وَسبعين مِلَّة وَسَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين يزِيد عَلَيْهِم مِلَّة وَاحِدَة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة فَسَأَلُوهُ عَن هَذِه الْوَاحِدَة فَقَالَ مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابي
فَالله تَعَالَى يثبتنا عَلَيْهَا وَلَا يحيد بِنَا عَنْهَا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَسَأَلت بعض الْعلمَاء العارفين مَا هَذِه الْفرْقَة الَّتِي زَادَت فِي فرق أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وسلسم فَقَالَ رايت فِي كَلَام الْمُحَقِّقين الباحثين العرافين أَن هَذِه الْفرْقَة الزَّائِدَة فِي هَذِه الْأمة قوم يتعرضون الْعلمَاء ويعادون الْفُقَهَاء وَلم يكن ذَلِك قطّ فِي الْأُمَم السالفة ففتشت فَوجدت ذَلِك صَحِيحا فَللَّه الْحَمد وَله الْمِنَّة فَإِنَّمَا أطلنا الْكَلَام هُنَا لِأَن هَذِه الْآيَة وَمثلهَا من الْآيَات فِي الْقُرْآن كثير تَتَضَمَّن تَعْلِيق الْهِدَايَة بِمَشِيئَة الرب سُبْحَانَهُ فأوضحنا القَوْل فِيهَا بِمَا يَقْتَضِي إِيصَال الْمَقْصُود مِنْهَا إِلَى فهم الْقَاصِر والتارك النّظر فِي علم الْكَلَام ونقرب من إفهام الْعَوام وَالله الْمُوفق للصَّوَاب
سُورَة الْمَلَائِكَة ﵈ قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَمَن زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا فَإِن الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسرات إِن الله عليم بِمَا يصنعون﴾ وَقد تقدم ذكرهَا
[ ٩٥ ]
سُورَة يس فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿لقد حق القَوْل على أَكْثَرهم فهم لَا يُؤمنُونَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَسَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ﴾
سُورَة الصافات قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن من شيعته لإِبْرَاهِيم إِذْ جَاءَ ربه بقلب سليم﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ أتعبدون مَا تنحتون وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ تَأمل قَوْله ﴿أتعبدون مَا تنحتون وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَلَا يستريب فِي أَن الله خلق الْخلق وأعمالهم لأَنهم كَانُوا ينحتون الْأَصْنَام ويعبدونها من دون الله فأزرى عَلَيْهِم وبكتهم لِأَن النحت فعلهم وعملهم وَقد اخبرك الله أَنه خلقهمْ وعملهم وَمن عَمَلهم ايضا سجودهم للأصنام وَهِي عِبَادَتهم لَهَا فأزرى عَلَيْهِم وَقَالَ انا خلقتكم وخلقت أَعمالكُم وَهُوَ نحتكم للأصنام وسجودكم لَهَا فَكيف تَعْبدُونَ مَا تنحتون وَأَنا الْخَالِق لكم ولأعمالكم فَأنْتم ملكي وَأَعْمَالكُمْ خلقي فَكيف تَعْبدُونَ غَيْرِي بِمَا خلقته فِيكُم مَعَ كونكم خلقي وملكي على نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن الْمَسَاجِد لله فَلَا تدعوا مَعَ الله أحدا﴾ لِأَن الْمَسَاجِد هِيَ الاراب
[ ٩٦ ]
السَّبْعَة وَهِي الْوَجْه وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ وَالرُّكْبَتَانِ فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُول هَذِه الاراب خلقي وملكي وَكَيف تسجدون عَلَيْهَا لغيري
فَاعْتبر الِاثْنَيْنِ وتأملهما واجل فكرك فيهمَا فَلَا عبَادَة كالتفكر سَحَاب يمطر الْحِكْمَة فتفكر فِي آيَات الْكتاب وَفِي آيَات صنعه تعثر على الصَّوَاب
سُورَة الزمر يَقُول فِيهَا ﴿أَفَمَن حق عَلَيْهِ كلمة الْعَذَاب أفأنت تنقذ من فِي النَّار﴾ وفيهَا يَقُول ﴿أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه فويل للقاسية قُلُوبهم من ذكر الله أُولَئِكَ فِي ضلال مُبين﴾ ثمَّ قَالَ ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها مثاني تقشعر مِنْهُ جُلُود الَّذين يَخْشونَ رَبهم ثمَّ تلين جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إِلَى ذكر الله ذَلِك هدى الله يهدي بِهِ من يَشَاء وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾
وفيهَا يَقُول ﴿ويخوفونك بالذين من دونه وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد وَمن يهد الله فَمَا لَهُ من مضل أَلَيْسَ الله بعزيز ذِي انتقام﴾
[ ٩٧ ]
سُورَة الْمُؤمن قَوْله تَعَالَى ﴿مَا لكم من الله من عَاصِم وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾
سُورَة الشورى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلهم أمة وَاحِدَة وَلَكِن يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته والظالمون مَا لَهُم من ولي وَلَا نصير﴾
جَريا على سنته فِيمَا تقدم من الْآيَات وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا وَلنْ تَجِد لسنة الله تحويلا وَكَذَلِكَ الْآيَة الَّتِي فِي آخر السُّورَة ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من ولي من بعده وَترى الظَّالِمين لما رَأَوْا الْعَذَاب يَقُولُونَ هَل إِلَى مرد من سَبِيل﴾
قَالَ تَعَالَى فِي مَوضِع آخر ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿أَلا يعلم من خلق﴾ فَافْهَم راشدا هَذِه النكت توفق إِن شَاءَ الله
[ ٩٨ ]
سُورَة الجاثية فِيهَا قَوْله ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة فَمن يهديه من بعد الله أَفلا تذكرُونَ﴾ هَذِه الْآيَة ذابحة لحلوق الْقَدَرِيَّة والامامية وَمن سلك سبيلهم فِي الِاعْتِقَاد ﴿وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد﴾
سُورَة الحجرات فِي أَولهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون﴾ لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا شريك مَعَ الله فِي خلق ذَوَات الْخلق وَخلق أفعالهم وصفاتهم وَاخْتِلَاف ألسنتهم وألوانهم فَإِنَّهُ الْوَاحِد القهار يخلق مَا يَشَاء ويختار وَفِي آخرهَا قَوْله تَعَالَى ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين﴾
سُورَة الْقَمَر سَمِعت الشَّيْخ الْفَقِيه أَبَا حَفْص عمر الذَّهَبِيّ رَحْمَة الله عَلَيْهِ يَقُول إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة تسحب الْقَدَرِيَّة فِي النَّار على وُجُوههم وَيُقَال لَهُم ﴿ذوقوا مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ وَوجدت فِي كتاب
[ ٩٩ ]
التَّحْصِيل للمهدي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر﴾ قيل المجرمون فِي هَذِه الْآيَة الْقَدَرِيَّة وَفِيه يَقُول قَالَ أَبُو هُرَيْرَة جَاءَ مشركو الْعَرَب إِلَى رَسُول الله ﷺ يخاصمونه فِي الْقدر فَنزلت ﴿إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾
وتشبه هَذِه الْآيَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾
وَقبلهَا ﴿وَلَو ترى إِذْ المجرمون ناكسو رؤوسهم﴾ الْآيَة
سُورَة المجادلة فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾
والقدرية يَقُولُونَ إِنَّهُم يمحون مَا كتب الله فِي قُلُوبهم إِذا هموا وَأَرَادُوا وَهَذِه مغالبة تَعَالَى الله فِي جلال تعاليه علوا كَبِيرا
بل قَالَ سُبْحَانَهُ قبل هَذِه الْآيَة ﴿كتب الله لأغلبن أَنا ورسلي إِن الله قوي عَزِيز﴾ وَهَذَا هُوَ الْحق الْمُبين لمن هداه الله وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾
[ ١٠٠ ]
سُورَة الْملك قَوْله تَعَالَى ﴿وأسروا قَوْلكُم أَو اجهروا بِهِ إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير﴾
اسْتدلَّ على علمه سُبْحَانَهُ بِخلق أَفعَال الْعباد فَفِيهَا رد على الْقَدَرِيَّة والمعتزلة والحشوية وَذَلِكَ أَن فِيهَا دلَالَة على خلق أَفعَال الْعباد وعَلى علمه سُبْحَانَهُ وعَلى أَن القَوْل يكون تَارَة فِي النَّفس وَتارَة بالصوت والحرف فَاعْلَم
وَفِي سُورَة ن قَوْله فِي شان يُونُس ﵇ ﴿لَوْلَا أَن تَدَارُكه نعْمَة من ربه لنبذ بالعراء وَهُوَ مَذْمُوم فاجتباه ربه فَجعله من الصَّالِحين﴾ جَريا على عَادَته مَعَ الْأَنْبِيَاء ﵈ فِيمَا تقدم
سُورَة المدثر قَوْله تَعَالَى فِي شَأْن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي ﴿سأصليه سقر وَمَا أَدْرَاك مَا سقر لَا تبقي وَلَا تذر لواحة للبشر عَلَيْهَا تِسْعَة عشر﴾ لما نزلت الْآيَة قَالَ أَبُو جهل يَا معشر قُرَيْش أتعجزون وَأَنْتُم الْمَلأ أَن يَكْفِينِي كل مائَة مِنْكُم رجلا وَاحِدًا إِن مُحَمَّدًا يزْعم أَن لَيْسَ يعذب فِي النَّار إِلَّا تِسْعَة عشر فَأنْزل الله تَعَالَى عقيب ذَلِك ﴿وَمَا جعلنَا أَصْحَاب النَّار إِلَّا مَلَائِكَة وَمَا جعلنَا عدتهمْ إِلَّا فتْنَة للَّذين كفرُوا ليستيقن الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾
[ ١٠١ ]
يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى لِأَن ذَلِك فِي كِتَابهمْ الْمنزل على نَبِيّهم ﴿ويزداد الَّذين آمنُوا إِيمَانًا﴾ بِمَا وجدوا عِنْد أهل الْكتاب مُوَافقا لما عِنْدهم فِي كِتَابهمْ ﴿وَلَا يرتاب الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ أَي لَا يشركُونَ فِيمَا أنزل عَلَيْهِم فِي كِتَابهمْ والمؤمنون أَيْضا كَذَلِك فِيمَا أنزل على مُحَمَّد ﷺ ﴿وليقول الَّذين فِي قُلُوبهم مرض﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقين ﴿والكافرون﴾ يَعْنِي قُريْشًا ﴿مَاذَا أَرَادَ الله بِهَذَا مثلا﴾ فأجابهم الله سُبْحَانَهُ بقوله تَعَالَى ﴿كَذَلِك يضل الله من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء وَمَا يعلم جنود رَبك إِلَّا هُوَ﴾ قَالَ فِي التَّفْسِير أَي كَمَا أضلّ الله هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقين وَالْمُشْرِكين كَذَلِك يضل الله من يَشَاء من خلقه فيخذله عَن إِصَابَة الْحق وَيهْدِي من يَشَاء فيوفقه للحق
وَفِي التَّنْزِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ فَتَأمل أَن آيَة وَاحِدَة يضل بهَا قوما وَيهْدِي بهَا آخَرين بل يزيدهم بهَا إِيمَانًا وهم يستبشرون كهذه الْآيَة الَّتِي قَالَ فِيهَا
[ ١٠٢ ]
﴿ليستيقن الَّذين أُوتُوا الْكتاب ويزداد الَّذين آمنُوا إِيمَانًا﴾ وَالْكتاب لمن تَأمله يشد بعضه بَعْضًا وَيشْهد بعضه لبَعض
وفيهَا ﴿كلا إِنَّهَا تذكرة فَمن شَاءَ ذكره﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا يذكرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء الله هُوَ أهل التَّقْوَى وَأهل الْمَغْفِرَة﴾ هَل أَتَى على الانسان فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان من نُطْفَة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بَصيرًا إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا﴾ وَفِي آخرهَا
﴿إِن هَذِه تذكرة فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه سَبِيلا وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله إِن الله كَانَ عليما حكيما يدْخل من يَشَاء فِي رَحمته والظالمين أعد لَهُم عذَابا أَلِيمًا﴾
سُورَة التكوير قَوْله تَعَالَى ﴿لمن شَاءَ مِنْكُم أَن يَسْتَقِيم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله رب الْعَالمين﴾
[ ١٠٣ ]
سُورَة الشَّمْس وَضُحَاهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها قد أَفْلح من زكاها وَقد خَابَ من دساها﴾
ذَا احْتج مُحْتَج بِهَذِهِ الْآيَة على الْقَدَرِيَّة وَهِي قَوْله ﴿قد أَفْلح من زكاها﴾ أَي من زكى الله نَفسه ﴿وَقد خَابَ من دساها﴾ قَالَ الضَّمِير فِي زكى يعود على من وَلَا يعود على الله كَمَا فعلوا فِي الضَّمِير فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾
كَمَا تقدم من قَوْلهم أَن الضَّمِير فِي يشْرَح وَفِي يَجْعَل يعود على من وَلَا يعود على الله تَعَالَى فَيُقَال لمن قَالَ ذَلِك فَمَا تصنع فِي الْآيَة الَّتِي قبلهَا وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ ويشد هَذَا القَوْل النَّبِي ﷺ فِي دُعَائِهِ المقتبس من الْكتاب الْعَزِيز اللَّهُمَّ آتٍ نَفسِي تقواها وزكها أَنْت خير من زكاها أَنْت وَليهَا ومولاها
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكا مِنْكُم من أحد أبدا وَلَكِن الله يُزكي من يَشَاء﴾
[ ١٠٤ ]
سُورَة وَاللَّيْل إِذا يغشى قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى﴾ حَدثنَا الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن الْحباب ﵁ باسناده إِلَى رَسُول الله ﷺ رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَالب ﵇ قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَة فِي بَقِيع الْغَرْقَد قَالَ فَأَتَانَا رَسُول الله ﷺ فَقعدَ وقعدنا حوله وَمَعَهُ مخصره فَنَكس راسه فَجعل ينكت بمخصرته ثمَّ قَالَ مَا مِنْكُم من أحد من نفس منفوسة إِلَّا وَقد كتب مَكَانهَا من الْجنَّة وَالنَّار وَإِلَّا وَقد كتبت شقية أَو سعيدة فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا وَنَدع الْعَمَل فَمن كَانَ منا من أهل السَّعَادَة فسيصير إِلَى عمل أهل السَّعَادَة وَمن كَانَ منا من أهل الشَّقَاء فسيصير إِلَى عمل أهل الشَّقَاء فَقَالَ ﵇ إعملوا فَكل ميسر أما أهل السَّعَادَة فييسرون لعمل أهل السَّعَادَة وَأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثمَّ قَرَأَ ﷺ ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى﴾
والقدرية تَقول إِنَّمَا ذَلِك من الله تَعَالَى على طَرِيق الْجَزَاء فَيُقَال لَهُم من مذهبكم أَن الله تَعَالَى يجب عَلَيْهِ مُرَاعَاة الْأَصْلَح لِعِبَادِهِ فَمَا باله عرضهمْ للنار بتيسير عمل العسرى اما كَانَ ييسر عَلَيْهِم طَرِيق التَّوْبَة والإنابة وَالصَّلَاح والفلاح فَيكون ذَلِك اصلح لَهُم وَذَلِكَ عنْدكُمْ هُوَ وَاجِب على الله أَن يَفْعَله
[ ١٠٥ ]
لِعِبَادِهِ وَإِلَّا خرج عَن الْحِكْمَة وانعزل عَن الإلهية وَمَا باله أَن لم يفعل لَهُم ذَلِك مَا أماتهم أطفالا قبل أَن يبلغُوا الْحلم فيبخلوا بِالْمَالِ ينفقونه فِي سَبِيل الله ويستغنون عَن رَبهم فَلم يَرْغَبُوا فِي الْعَمَل بِطَاعَتِهِ وَلم يكذبوا بِالْحُسْنَى وَإِذا فعل لَهُم ذَلِك وأماتهم صغَارًا أدخلهم الْجنَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ بِإِيمَان ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾ فَإِذا دخلُوا إِلَى الْجنَّة ونظروا إِلَى أهل الْأَعْمَال فِي عليين قَالُوا يَا رَبنَا مَا بالك لم تُعْطِنَا كَمَا أَعْطَيْت أهل عليين فَيَقُول هَؤُلَاءِ أهل الْأَعْمَال الصَّالِحَة وَأَنْتُم متم صغَارًا لم تبلغوا وَلم تعملوا فَيَقُولُونَ يَا رَبنَا فَأَنت أمتنَا صغَارًا وَلم تنظر لنا بالأصلح وَلَو أبقيتنا حَتَّى نبلغ الْحلم لعملنا كَمَا عمل أهل عليين فجازينا كَمَا جازيتهم فَيَقُول لَهُم علمت أَنكُمْ إِذا بَلغْتُمْ كَفرْتُمْ وعصيتم فأدخلكم النَّار فَنَظَرت لكم بِالْمَصْلَحَةِ فأمتكم صغَارًا فأدخلتكم الْجنَّة وَهَذَا هُوَ الْأَصْلَح لكم فَعِنْدَ ذَلِك يُنَادي أهل النَّار من دركات لظى واجواره يَا رَبنَا لَو أمتنَا صغَارًا كَانَ الْأَصْلَح لنا أَن نَكُون مَعَ أَطْفَال أهل الْجنَّة فِي أقل منازلها فيخصم الرب ﷻ على مَذْهَب الْمُعْتَزلَة ويتعالى حكم ذَلِك الْجلَال أَن يُوزن بميزان اهل الاعتزال
سُورَة وَالضُّحَى فِيهَا قَوْله ﴿ألم يجدك يَتِيما فآوى ووجدك ضَالًّا فهدى ووجدك عائلا فأغنى﴾
ثمَّ أمره بِثَلَاثَة فِي مُقَابلَة هَذِه الثَّلَاثَة فَقَالَ سُبْحَانَهُ ٢ فِي مُقَابلَة ﴿ألم يجدك يَتِيما فآوى﴾ ﴿فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر﴾ وَقَالَ فِي مُقَابلَة ﴿ووجدك ضَالًّا فهدى﴾ ﴿وَأما السَّائِل فَلَا تنهر﴾ فَمن استرشدك فارشده وَمن سَأَلَك فأجبه
[ ١٠٦ ]
وَلَا تَنْهَرهُ وَقَالَ فِي مُقَابلَة ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ ﴿وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث﴾ فَإِذا فعل ذَلِك فقد قَامَ بشكر مَا أَتَاهُ الله من نعْمَة الَّتِي أولاه إِيَّاهَا فتفهم راشدا إِن شَاءَ الله
كَذَلِك أَيْضا عدد عَلَيْهِ نعْمَة الله فِي ﴿ألم نشرح لَك صدرك﴾ إِلَى قَوْله ﴿ورفعنا لَك ذكرك﴾ مِم ألزمهُ بشكر ذَلِك فَقَالَ ﴿فَإِذا فرغت فانصب وَإِلَى رَبك فارغب﴾
سُورَة الفلق قَوْله تَعَالَى ﴿من شَرّ مَا خلق﴾ والقدرية تَقول مَا خلق الله شرا كَمَا يَقُول الْمَجُوس وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله صلى اله عَلَيْهِ وَسلم الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة وَذَلِكَ أَن من الْمَجُوس من يَقُول بالتثنية فَيَقُولُونَ للْعَالم إلهان أَحدهمَا يخلق الْخَيْر والأنوار وَهُوَ الرَّحْمَن وَالْآخر يخلق الشَّرّ والظلمة وَهُوَ الشَّيْطَان وَأَنَّهَا اخْتلفَا ثمَّ تهادنا إِلَى وَقت مَخْصُوص مَعْلُوم يعبرون عَنهُ بالقيامة ويسمون بالثنوية والمانوية ينسبون إِلَى ماني الْمَجُوسِيّ الَّذِي كَانَ فِي زمَان كسْرَى وهم الَّذين عناهم المتنبي بقوله
[ ١٠٧ ]