فقد قَالَ شُعَيْب ﴿إِن أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح مَا اسْتَطَعْت وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب﴾
وَقَالَ نوح ﵇ ﴿وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم هُوَ ربكُم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾
وَقَالَ إِبْرَاهِيم ﴿لَئِن لم يهدني رَبِّي لأكونن من الْقَوْم الضَّالّين﴾
وَقَالَ ﴿الَّذِي خلقني فَهُوَ يهدين وَالَّذِي هُوَ يطعمني ويسقين﴾ الْآيَة أفرده بالهداية كَمَا أفرده بالخلق والرزق والشفاء وَالْأَمَانَة والاحياء وَالْمَغْفِرَة يَوْم اللِّقَاء والأمامية والقدرية فِي هَذِه الْآيَات يُؤمنُونَ بِبَعْضِهَا ويكفرون
[ ٢٤ ]
بِبَعْضِهَا بيد أَنه لَو قيل لَهُم من خلق إِبْرَاهِيم الأواه لقالوا خلقه الله وَلَو قيل لَهُم من أطْعمهُ وسقاه لقالوا هُوَ الله وَلَو قيل لَهُم من أمرضه وشفاه لقالوا هُوَ الله ولوقيل لَهُم فَمن أَمَاتَهُ وأحياه لقالوا هُوَ الله وَلَو قيل لَهُم من يغْفر لَهُ يَوْم يلقاه لقالوا هُوَ الله ولوقيل فَمن الَّذِي إِلَى الْإِيمَان هداه قَالُوا وَلم يستحيوا هُوَ الَّذِي هدى نَفسه وَلم يهده الله وَنَفَوْا عَن الله سُبْحَانَهُ هدايته لإِبْرَاهِيم وهداية المهتدين أجميعن وأثبتوا لَهُ جَمِيع مَا تَضَمَّنت لَهُ هَذِه الْآيَات فليت شعري من الَّذِي قصر قدرَة الرب سُبْحَانَهُ وإرادته على بعض المقدورات والمرادات أَله مَعَ الله آله دون الله تَعَالَى الله عَمَّا يشركُونَ
وَهَكَذَا فعلت الحشوية إِذْ قيل لَهُم أَنْتُم تَقولُونَ مَعنا إِن الاله ﷻ يعلم بِغَيْر قلب ويبطش بِغَيْر جارحة ويخلق بِغَيْر آلَة وَيسمع بِغَيْر أَصْمِخَة وآذان ويبصر بِغَيْر حدقة وأجفان فَمَا باله أَيْضا يتَكَلَّم بِغَيْر صَوت وحرف فَيكون كَلَامه سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ فضل كَلَام الله على كَلَام الْبشر كفضل الله على خلقه وَوجدنَا فضل الله على خلقه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فَيجب أَن يكون لَيْسَ كَمثل كَلَامه كَلَام وَإِذا كَانَ عِنْدهم أَن كَلَام الله صَوت وحرف وَكَلَام المخلوقين صَوت وحرف فقد صَار كَلَامه مثل كَلَام المخلوقين فَلَا فضل لكَلَامه على كَلَام الْبشر وعرضوا كَلَام رَسُول الله ﷺ للكذب فِي قَوْله ﵇ فضل كَلَام الله على كَلَام الْبشر كفضل الله على خلقه
وَكَذَلِكَ مَا قَالَه شُعَيْب فِي الْآيَة الْمُتَقَدّمَة وَهِي قَوْله ﴿وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا﴾
[ ٢٥ ]
وَقَالَ مُوسَى ﵇ ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء أَنْت ولينا فَاغْفِر لنا﴾
فَهَذَا قَول أنبيائه وهم أعرف خلق الله برَبهمْ وبصفاته وكل مَا ينطقون بِهِ فَهُوَ مُسْتَفَاد من بارئهم كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْأَخْبَار عَن الْمُصْطَفى ﷺ ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾
الا ترى أَن مُوسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ حَيْثُ قَالَ لرَبه فِي مناجاته ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء﴾
إِنَّمَا اسْتَفَادَ ذَلِك من قَوْله تَعَالَى فِي شَأْن قومه الَّذين عبدُوا الْعجل الَّذين اتَّخذهُ السامري لَهُم من الْحلِيّ وَقَالُوا هَذَا إِلَهكُم وإله مُوسَى وَكَانَ فِي حَال الْمُنَاجَاة فَقَالَ لَهُ ربه ﴿فَإنَّا قد فتنا قَوْمك من بعْدك﴾ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قومه وَرَأى الْعجل مَنْصُوبًا لِلْعِبَادَةِ وَله خوار قَالَ ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء﴾
[ ٢٦ ]
وَأما قَول أهل الْجنَّة
فَإِنَّهُم قَالُوا لما دخلوها ﴿الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله﴾
واما قَول أهل النَّار
فَإِنَّهُم قَالُوا لما اخْتَصَمُوا مَا حَكَاهُ الله عَنْهُم حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ
﴿وبرزوا لله جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء للَّذين استكبروا إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا من عَذَاب الله من شَيْء قَالُوا لَو هدَانَا الله لهديناكم سَوَاء علينا أجزعنا أم صَبرنَا مَا لنا من محيص﴾
وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وسيق الَّذين كفرُوا إِلَى جَهَنَّم زمرا﴾ إِلَى قَوْله ﴿قَالُوا بلَى وَلَكِن حقت كلمة الْعَذَاب على الْكَافرين﴾
والمعتزلة يَقُولُونَ إِن هِدَايَة الله لِعِبَادِهِ إرْسَال الرُّسُل وإنزال الْكتب وَهَذِه الْآيَة تكذبهم وتذري عَلَيْهِم فِي إعتقادهم فِي الْآيَات الَّتِي فِي هَذَا الْكتاب أَيْضا حَيْثُ قَالُوا ﴿لَو هدَانَا الله لهديناكم﴾ فَإِن كَانَت الْهِدَايَة إرْسَال الرُّسُل وإنزال الْكتب فقد هدَاهُم الله فَلم قَالُوا ﴿لَو هدَانَا الله لهديناكم﴾
فَتدبر الِاثْنَيْنِ جَمِيعًا يظْهر لَك فَسَاد إعتقادهم من كل وَجه وَأحمد الله واشكره على الْإِسْلَام وَالسّنة وَالْهِدَايَة والتوفيق
[ ٢٧ ]
وَأما قَول شيخهم إِبْلِيس الَّذِي اطاعوه فِي كل مَا زينه لَهُم وَلم يطاوعوه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِنَّهُ قَالَ
﴿رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾
والإمامية مِنْهُم يلقنون أَوْلَادهم فِي حَال الصغر فَيَقُولُونَ لَهُم مَا أَحمَق السّنة يَعْتَقِدُونَ أَن الله هُوَ الَّذِي يضل وَيهْدِي ويزين الْمعاصِي للعاصي وَإِنَّمَا الْإِنْسَان هُوَ الَّذِي يفعل بِنَفسِهِ مَا يَشَاء دون خالقه ويوردون على الصَّبِي حِكَايَة عَن إِبْلِيس اللعين وآدَم ﵇ إبتدعوها من تِلْقَاء أنفسهم لم تكن قطّ اجْتمع آدم صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وإبليس يَوْمًا فَقَالَ آدم ﵇ لإبليس لَوْلَا أَنْت اغويتني مَا عصيت رَبِّي قَالُوا فَقَالَ إِبْلِيس يَا آدم فَمن أغواني أَنا حَتَّى عصيت رَبِّي وقصدهم ان يتلقف أبناؤهم هَذِه إِن الله سُبْحَانَهُ لما أَمر إِبْلِيس بِالسُّجُود أَرَادَ سُجُوده فَخَالف إِبْلِيس امْر الله وَعصى واستكبر وأبى كَمَا أخبرالله سُبْحَانَهُ عَنهُ وَلَو كَانَ مُطيعًا لسجد قلت لَهُ فقد امْر الْخَلِيل إِبْرَاهِيم ﵇ بِذبح الْوَلَد وَلم يرد ذبحه وَلَو أَرَادَ ذبحه كَمَا أمره لذبحه وَهُوَ نَبِي مَعْصُوم مُطِيع لله تَعَالَى منزه عَن الْمُخَالفَة وَعَن الْجَهْل بِمَا أمره الله تَعَالَى وَعَن الْجَهْل بِصِفَات الله تَعَالَى
وَلَا يشك أحد أَن إِبْرَاهِيم أعرف بِاللَّه وبصفاته من الْقَدَرِيَّة والمعتزلة والإمامية فَقَالَ مَا أمره قطّ وَإِنَّمَا رأى مناما قلت منامات الْأَنْبِيَاء وَحي وَحقّ وَهِي من أَمر الله سُبْحَانَهُ وَقد أمره فِي الْمَنَام بِذبح وَلَده ﵇
وَوجه آخر
إِن إِسْمَاعِيل نَبِي كريم على الله ومعصوم عَن الْخَطَأ والزلل فِيمَا ينْطق بِهِ من أَحْكَام الله وَقد قَالَ لِأَبِيهِ إِبْرَاهِيم ﵉ حِين قَالَ لَهُ ﴿يَا بني إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك فَانْظُر مَاذَا ترى﴾
[ ٢٨ ]
فَأَجَابَهُ بقوله ﴿افْعَل مَا تُؤمر﴾ وحاشاه أَن يَقُول لِأَبِيهِ الْخَلِيل إفعل مَا تُؤمر وَهُوَ لم يُؤمر ولكان إِبْرَاهِيم يَقُول يَا بني مَا أمرت وَإِنَّمَا رَأَيْت فِي النّوم أَنِّي أذبحك فَأخذ يدندن ويتلعثم ويجمجم وَيَقُول قد وجد للذبح والتأم حلقه وهذ مِنْهُ حَرَكَة الْمَذْبُوح وخجل المحجوج وَلِهَذَا سمينا الرسَالَة الذابحة للكلاب النابحة وَقد سيمنا هَذَا الْكتاب باسم مُشْتَقّ مِنْهُ فِي الْمَعْنى فسميناه حز الغلاصم فِي إفحام المخاصم كل هَذَا فِرَارًا من الإنقياد للحق وحسدا لمن عثر عَلَيْهِ دونه وحرصا على تَصْحِيح إعتقاده إِن الْإِرَادَة هِيَ نفس الْأَمر وَالْبَاطِل لَا يقبل البصيرة أبدا وَلَا يتمشى أبدا كَيفَ يكون الذّبْح قد وجد وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وفديناه بِذبح عَظِيم﴾ فَلَا معنى للْفِدَاء إِن كَانَ الذّبْح قد وجد وَكَانَ هَذَا الْقَائِل إِمَامًا عَظِيما عِنْدهم كَبِير الشَّأْن يزْعم ويذبحون أَنه لَا تفلج لَهُ حجَّة وَلَا تقصم لَهُ عُرْوَة
وَمَا أحسن مَا جرى بَين مَجُوسِيّ وقدري وهما فِي إعتقاد هَذِه الْأمة سَوَاء لِأَن الْمَجُوس يَقُولُونَ بآلهين ويسمون الثنوية لذَلِك وَقد جَاءَ حَدِيث عَن النَّبِي ﷺ يَقُول فِيهِ الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة من حَيْثُ أَنهم جعلُوا مَعَ الله شُرَكَاء كثيرا فالخلق عِنْدهم خالقون لأفعالهم حسنها وقبيحها وَالْمَجُوس يجْعَلُونَ مَعَ الله شَرِيكا وَاحِدًا يخلق الشَّرّ لَا غير وَهَؤُلَاء يقلون إِن الْخلق يخلقون إِيمَانهم وكفرهم وطاعتهم وعصيانهم
وَلَقَد جرت هَذِه الْمَسْأَلَة للشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام الرشيد جمال الْفُقَهَاء ابي الطَّاهِر
[ ٢٩ ]
إِسْمَاعِيل بَين مكي بن عَوْف أعزه الله فِي مجْلِس رضوَان بن الوحشي وَهُوَ سُلْطَان مصر مَعَ رجل من كبار الأمامية يُقَال لَهُ ابْن الصَّغِير سَأَلَهُ رضوَان أَن يتَكَلَّم مَعَه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو طَاهِر فِي كتاب صنفه لرضوان هَذَا فِيهِ الرَّد على الإمامية يُقَال لَهُ كِفَايَة المقتصد وَنِهَايَة الْمُجْتَهد قرأته عَلَيْهِ ﵁ وَهُوَ كتاب مُفِيد جدا أودع مناظرته مَعَه فِي هَذَا الْكتاب يَقُول فِيهِ سَأَلته عَن خلق الْأَفْعَال الَّتِي تصدر عَن الْعباد أَهِي خلق الله أَو خلق لَهُم قَالَ ﵁ فَسَأَلته بِلَفْظ الْقُرْآن لَعَلَّه يتَنَبَّه أَو يستحي فَقلت لَهُ ﴿هَل من خَالق غير الله﴾ ففكر سَاعَة ثمَّ قَالَ الله خَالق أَفعاله والانسان خَالق أَفعاله قَالَ فَقلت إنفرد الانسان لخلق أَفعاله واستبد بهَا قَالَ نعم قَالَ فَقلت لَهُ يَا هَذَا لقد أشركت بِاللَّه فَقَالَ وَمن أَيْن أشركت بِاللَّه وتطاول لَهَا رضوَان وأصغى إِلَى مَا ألقِي فَقلت من جملَة أَفعَال الانسان وَهُوَ أشرف من سَائِر الْمَخْلُوقَات كلهَا الْجَوَاهِر وَبَقِيَّة الْأَعْرَاض فقد صَار مَا خلقه الانسان أشرف مِمَّا خلقه الله تَعَالَى وَالله يَقُول
﴿مَا اتخذ الله من ولد وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق ولعلا بَعضهم على بعض سُبْحَانَ الله عَمَّا يصفونَ﴾
وَإِذا كَانَ الْإِنْسَان هُوَ خَالق الْإِيمَان وَهُوَ أفضل واشرف من بَقِيَّة الْمَخْلُوقَات فقد ذهب الانسان بِمَا خلق وَذهب الله بِمَا خلق وَعلا الْإِنْسَان على رب الْعباد جلّ ذَلِك الْجلَال أَن توزن صِفَاته بميزان عقل الإمامية واهل الاعتزال فَتَأمل راشدا هَذَا السُّؤَال وَهَذَا الْجَواب وَهَذَا الإفحام فِي هَذَا الْمقَام
[ ٣٠ ]
رَجعْنَا إِلَى مَا جرى بَين الْمَجُوسِيّ والقدري
فَإِن هَذَا الْكَلَام جرى فِي عرض مَا اوردناه لِأَنَّهُ يشاكله فاستوفينا الْمَقْصُود فِيهِ قَالَ القدري للمجوسي مَا لَك لَا تسلم فَقَالَ الْمَجُوسِيّ حَتَّى يُرِيد الله فَقَالَ القدري قد اراد الله وَلَكِن إِبْلِيس اللعين لَا يدعك فَمَا أحسن جَوَاب الْمَجُوسِيّ للقدري قَالَ إِن كَانَ الله يُرِيد إسلامي وَلم يردهُ إِبْلِيس فَكَانَ الَّذِي اراده إِبْلِيس دون مَا أَرَادَهُ الله فَأَنا مَعَ أقواهما فبهت القدري وَهَذَا دَلِيل التمانع فِي إِقَامَة الدَّلِيل على تَوْحِيد الله تَعَالَى لِأَن الْعلمَاء فرضوا هَذِه الْمَسْأَلَة على من يَقُول أَن للْعَالم إِلَهَيْنِ بِأَن قَالُوا لَو كَانَ للْعَالم إلهان لَكَانَ أَحدهمَا إِذا اراد حَيَاة جسم مَا وَأَرَادَ الآخر إماتته فَإِن تمّ مُرَاد أَحدهمَا دون الآخر فَهُوَ الْإِلَه حَقًا لنفوذ إِرَادَته ومشيئته وَالْآخر لَيْسَ بإله لقُصُور مَشِيئَته وعجزه ومحال أَن يتم مرادهما جَمِيعًا لِاسْتِحَالَة الْجمع بَين الضدين فَلَا يكون الْجِسْم حَيا مَيتا فِي حَال وَاحِد أبدا فَلَا بُد أَن ينفذ مُرَاد احدهما دون الآخر فَالَّذِي تمّ مُرَاده وغلبت مَشِيئَته هُوَ الْإِلَه فَاعْلَم ذَلِك وكرره فَهُوَ عِنْد الْعلمَاء النظار دَلِيل التَّوْحِيد وَهُوَ دَلِيل التمانع وَهُوَ مَضْمُون قَوْله تَعَالَى فِيمَا أرشدنا إِلَيْهِ ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾
وَقَالَ آخر
مَسَاكِين الْقَدَرِيَّة أَرَادوا أَن يصفوا الرب سُبْحَانَهُ بِالْعَدْلِ وَسموا نفسوهم العدلية فوصفوه بِالْعَجزِ وَذَلِكَ أَن قَول الْقَدَرِيَّة وإعتقادهم أَن الله سُبْحَانَهُ أَرَادَ من خلقه أجميعن الايمان وَالطَّاعَة وَأَن إِبْلِيس أَرَادَ مِنْهُم الْكفْر والعصيان وَإِذا تَأَمَّلت مرادات إِبْلِيس فِي الدُّنْيَا وَجدتهَا أَكثر من مرادات الله سُبْحَانَهُ فَإِذا كَانَ الله تَعَالَى قد
[ ٣١ ]
أَرَادَ من الْكفَّار والعصاة الْإِيمَان وَالطَّاعَة فَمَا كَانَت وَأَرَادَ مِنْهُم إِبْلِيس الْعِصْيَان وَالْكفْر فَكَانَ مَا أرداه فقد نفذت مَشِيئَة إِبْلِيس وإرادته وَلم تنفذ مَشِيئَة الله وإرادته فَقَوْل النَّاس إِذن كَافَّة مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن بَاطِل وَالصَّحِيح على قَوْلهم وَسُوء إعتقادهم أَن يَقُول الْقَائِل مَا شَاءَ إِبْلِيس كَانَ وَمَا شَاءَ الله لم يكن ونستغفر الله من تسطير هَذِه الْكَلِمَات وَلَكِن حاكي الْكفْر لَيْسَ بِكَافِر وَللَّه الْحَمد على نعْمَة الْإِسْلَام وَالسّنة
فَمن رد ولَايَة الرب سُبْحَانَهُ إِلَى صُورَة لَو ردَّتْ إِلَى زعيم بَلْدَة لاستنكف أَن تنْسب إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَن زعيم بَلْدَة إِذا علم أَن مَعَه فِي بَلَده معاندا لَهُ إِذا أَرَادَ أمرا أَرَادَ المعاند نقيضه ثمَّ يتم مُرَاد المعاند دون مُرَاد الزعيم وَهُوَ يعلم معاندة معانده وَلَا يُنكر عَلَيْهِ وَلَا يمنعهُ من عناده وَلَا يَنْفِيه من بَلَده وَلَا يقْتله فَهُوَ عَاجز عَنهُ وَالله يتعالى أَن يُوصف بِالْعَجزِ أَو الْجور وَلَو كَانَ كَذَلِك لخرج عَن الإلهية وانعزل عَن الربوبية وَلم يكن إِلَهًا مُطَاعًا وَهَذَا هُوَ دَلِيل التَّوْحِيد الَّذِي قدمنَا ذكره فَافْهَم
والقدرية إِنَّمَا ضلت فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من حَيْثُ قاست عدل الله تَعَالَى على عدل عباده فَإِن عباده مأمورون ومنهيون ومملوكون ومربوبون وَلَيْسَ لَهُم ملك يتصرفون فِيهِ إِلَّا بِإِذن مالكهم فَمَا سوغه لَهُم سَاغَ لَهُم التَّصَرُّف فِيهِ وَمَا لم يَأْذَن لَهُم بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ وَلَو كَانَ ملكهم لم يسغْ لَهُم ذَلِك وَقد شرع لَهُم جلّ وَعلا أَن من تصرف فِي ملكي بِغَيْر إذني أَو ملك أحد من خلقي بِغَيْر إِذْنه فقد ضل ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ وَمن تصرف فِي ملك الله بِغَيْر إِذْنه فقد ظلم وتعدى وَلَو كَانَ تصرفه فِي عبد من عبيده يُقيد مَا أذن لَهُ مَالِكه على الْحَقِيقَة فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قد أذن لَهُ أَن يتَصَرَّف فِي عَبده تَصرفا خَاصّا لَا عَاما فَلَا يجوز لَهُ أَن يقطع يَده وَلَا يفقأ عينه وَلَا يجيعه وَلَا يضْربهُ وَلَا ينكحه فَمَتَى فعل شَيْئا من هَذَا وأشبهاهه فقد تعدى وظلم وجار وَعصى وَخَالف واستوجب الْعقُوبَة على ذَلِك من
[ ٣٢ ]
الْمَالِك الْحَقِيقِيّ المشرع الَّذِي ارسل إِلَيْهِ وَإِلَى سَائِر خلقه الرُّسُل وحد لَهُم الْحُدُود وَأمر وَنهى ووعد وأوعد
بل إِذا قتل الْإِنْسَان نَفسه أدخلهُ النَّار وَقَالَ لَهُ لم تعديت على ملكي وتصرفت فِيهِ بِغَيْر إذاني فلأدخلنك نَارِي ولأوجبن عَلَيْك سخطي
والقدرية يذهلون عَن هَذِه الْأُمُور الالهية وَالْحكمَة الربانية ويقيسون عدل الْخَالِق على عدل الْمَخْلُوق فَمَا كَانَ مِنْهُم قبيحا عِنْدهم فَمثله عِنْدهم من الله قَبِيح وَهُوَ سُبْحَانَهُ ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَلَا يُقَاس عدله بِعدْل الْعباد كَمَا قَالَ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ إِذْ العَبْد يتَصَوَّر مِنْهُ الظُّلم بتصرفه فِي ملك غَيره وَلَا يتَصَوَّر الظُّلم من الله سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ لَا يُصَادف لغيره ملكا حَتَّى يكون تصرفه فِيهِ ظلما فَكل مَا سواهُ من جن وإنس وَملك وَشَيْطَان وسماء وَارْضَ وحيوان ونبات وجوهر وَعرض ومدرك ومحسوس حَادث إخترعه بقدرته بعد أَن لم يكن فَإِذا تصرف فِي ملكه كَيفَ يُقَال لَهُ ظلمت وَلَو أَنه سُبْحَانَهُ حَيْثُ خلق أَبَانَا آدم ﵇ من قِطْعَة من الطين أَعَادَهُ إِلَى النَّار فَمن ذَا الَّذِي يَقُول أَنه ظلمه وَهُوَ مَالِكه وموجده ومحدثه جلّ رَبنَا وتقدس عَمَّا يضيفه إِلَيْهِ الْمُلْحِدُونَ وَتَعَالَى علوا كَبِيرا
وَاعْلَم رَحِمك الله وَيسر لَك فهم كِتَابه الْعَزِيز وسره فِي قدره وَحكمه فِي خلقه وتصاريفه فِي تَدْبيره إِنَّك إِذا تَأَمَّلت آيَتَيْنِ من الْكتاب الْعَزِيز فكفتاك إِحْدَاهمَا
قَوْله تَعَالَى ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ﴾
وَالْأُخْرَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَلم تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِن الله قَتلهمْ وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾
[ ٣٣ ]
فَافْهَم فَإِن الله تَعَالَى هُوَ الْفَاعِل الْحَقِيقِيّ وَلَا فَاعل سواهُ وَلَا خَالق إِلَّا هُوَ قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَي خَلقكُم وعملكم
وافهم أَنه جلّ وَعز الْفَاعِل على الْحَقِيقَة وَغَيره فَاعل على الْمجَاز وَأَنه يتَصَرَّف فِي نِسْبَة أَفعَال خلقه الَّتِي خلقهَا تَارَة ينسبها إِلَى من اكتسبها وَظَهَرت للناظرين مِنْهُم فَيَقُول سُبْحَانَهُ ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَيَقُول ﴿يعلمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَالله يعلم مَا تَصْنَعُونَ﴾ وَشبه ذَلِك كثير
وَتارَة ينسبها إِلَى نَفسه لنه خَالِقهَا فَيَقُول سُبْحَانَهُ ﴿فَلم تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِن الله قَتلهمْ وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ﴾ ﴿نتلوا عَلَيْك من نبإ مُوسَى وَفرْعَوْن﴾ ﴿نَحن نقص عَلَيْك أحسن الْقَصَص﴾
وَيَقُول ﴿فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه﴾ جَاءَ فِي التَّفْسِير فَإِذا قَرَأَهُ جِبْرِيل فَاتبع قِرَاءَته
[ ٣٤ ]
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿يَوْم ينْفخ فِي الصُّور﴾ وَالْأمة وجيمع الْأُمَم مجموعون على أَن الَّذِي ينْفخ فِي الصُّور هُوَ إسْرَافيل ﵇ فَإِذا تمدح جلّ وَعز نسب فعلك إِلَيْهِ ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ وَإِذا أَرَادَ مديحك أَو شكرك أَو تبكيتك أَو ذمك قَالَ ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ و﴿التائبون العابدون﴾ وَكَذَلِكَ أمرنَا إِذا دَعونَا أَن نَدْعُوهُ بأسمائه الْحسنى فَقَالَ ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا﴾ فَنَقُول يَا هادي الْخلق اغْفِر لي وَلَا نقُول يَا مضل الْخلق وَيَا كاشف الضّر وَلَا نقُول يَا هازم الْمُؤمنِينَ يَوْم حنين وَلَا ياقاتل الْمُؤمنِينَ يَوْم أحد وَهَكَذَا تأدب مَعَه أنبياؤه ﵈ فَقَالَ إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿الَّذِي خلقني فَهُوَ يهدين وَالَّذِي هُوَ يطعمني ويسقين﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَإِذا مَرضت فَهُوَ يشفين﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿بِيَدِك الْخَيْر﴾ وَلم يقل بِيَدِك الْخَيْر وَالشَّر
وَحكي عَن بعض العارفين أَنه بَيْنَمَا هُوَ يُنَاجِي ربه وَيَقُول فِي مناجاته يَا رب أَنْت شِئْت وقضيت وحكمت وكتبت فَنُوديَ هَذَا أدب التَّوْحِيد فَأَيْنَ أدب العبيد
[ ٣٥ ]
فَقَالَ الْعَارِف وَأَنا عصيت وَأَنا اجترأت وَأَنا خَالَفت فَسمع هاتفا يَقُول وَأَنا سترت وَأَنا صفحت وَأَنا غفرت فَافْهَم هَذَا السِّرّ فَإِنَّهُ لَا يعقله إِلَّا الْعَالمُونَ
أَعنِي هَذَا وَمَا قَدمته من أَنه يتَصَرَّف فِي أَفعَال خلقه كَيفَ يَشَاء ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾
فَإِنَّهُ قيل إِنَّه لَا يَلِيق بإلهيته وعدله وجوده أَن أَن يعذب خلقه لأجل مَا فعله فيهم من الاضلال وَالْكفْر والعصيان وَقد قَالَ
﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا﴾
فَالْجَوَاب أَن تَقول من هَهُنَا غلطتم وظننتم أَن الله يعذب خلقه بكفرهم ومعاصيهم وَنحن نقُول أَنه لَا يُعَاقب وَلَا يعذب إِلَّا بِحَق الْملك وَجعل الْكفْر والعصيان عَلامَة على الْكَافِر والعاصي ولتصح الْمُعَامَلَة بَين الْمُؤمنِينَ والكافرين فيوالي أولياءه ويعادي أعداءه ويجاهد الْكفَّار ويعز الْمُؤمنِينَ كَمَا وصف أَصْحَاب نبيه ﵇ فَقَالَ تَعَالَى ﴿أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين﴾ ﴿أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾
وَتَصِح المناكحة والموارثة والعيادة والموادة وَسَائِر معاملات الشَّرْع فَاعْلَم ذَلِك
وَالدَّلِيل على أَن الله سُبْحَانَهُ لَا يعذبهم إِلَّا بِكَوْنِهِ عبيده وَملكه قَول عِيسَى ﷺ فِيمَا حَكَاهُ الله عَنهُ إِذْ يَقُول ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك﴾ وَلم يقل عصوك وَانْظُر
[ ٣٦ ]
إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾
نستفد مِنْهُ أَنه سُبْحَانَهُ لَوْلَا أَن لَهُ أَن يعذبهم قبل مَجِيء الرُّسُل الْحق الْملك لما تمدح بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَفِي ضمن الْآيَة مافي ضمن قَوْله تَعَالَى ﴿ولنبلونكم حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ﴾ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يعلم قبل أَن يبلوهم فتدبره وَمن تصرف فِي ملكه لَا يُقَال أَنه ظَالِم لِأَن الظُّلم هُوَ التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه وَالظُّلم أَيْضا أَن يتَعَدَّى الْمُكَلف مَا حد لَهُ مَالِكه
فَإِن كَانَ مَعَ الله شريك وَله ملك دون الله فيتصرف الله سُبْحَانَهُ فِي ملك شَرِيكه بِغَيْر إِذْنه فَهُوَ ظَالِم وَإِن كَانَ الله سُبْحَانَهُ مَالك الْأَعْيَان وَمَالك الكونين وَبِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَا شريك مَعَه فِي ملكه وَلَا يتَصَوَّر الظُّلم مِنْهُ تَعَالَى أبدا فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يُصَادف لغيره ملكا حَتَّى يكون تصرفه فِيهِ ظلما وَلَا فَوْقه رب يحد لَهُ حدودا حَتَّى إِذا خَالف حدا من حُدُوده كَانَ ظَالِما كَمَا قَالَ ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ تَعَالَى الله عو ذَلِك علوا كَبِيرا بل هُوَ سُبْحَانَهُ يعذب من يَشَاء من خلقه بِمَا شَاءَ من عَذَابه
قَالَ الله تَعَالَى فِي مُحكم كِتَابه قَالَ ﴿عَذَابي أُصِيب بِهِ من أَشَاء﴾ وَلم يقل من عصى فإياك ثمَّ إياك أَن تقيس الدب بِالْعَبدِ والخالق بالمخلوق فتزل عَن صِرَاط رَبك الْمُسْتَقيم وَتَقَع فِي طَرِيق الشَّيْطَان الرَّجِيم الَّذِي قَاس بعقله قِيَاسا وَاحِدًا فزل عَن طَرِيق الله فَهَلَك مَعَ الهالكين وَنسب هَذَا الطَّرِيق إِلَيْهِ فَسُمي طَرِيق الشَّيْطَان الرَّجِيم وَذَلِكَ أَنه فكر فِي نَفسه وَقَالَ النَّار أشرف من الطين لِأَن النَّار
[ ٣٧ ]
نورانية والطين من الظلمَة فَإنَّا خير من آدم لِأَن النَّار خير من الطين
وَلَو علم أَن الْخَيْر من كَانَ عِنْد الله خيرا لأطاع ربه كَمَا أطاعت الْمَلَائِكَة أَجْمَعُونَ وَلَكِن جعله الله لأهل الشَّقَاء سَببا فاحتج بِهَذَا الِاحْتِجَاج وارتكب هَذَا اللجاج فَهَلَك هَلَاك الْأَبَد بِسوء نظره وَفَسَاد قِيَاسه وَلَو شَاءَ سحانه لعصمه وزين فِي قلبه الطَّاعَة كَمَا زينها للْمَلَائكَة أَو تَابَ عَلَيْهِ وَعَفا عَنهُ كَمَا عَفا وَتَابَ على آدم نبيه وَلَكِن قد أعلمتك أَنه يتَصَرَّف فِي فِي ملكه كَيفَ يَشَاء وَهَذَا معنى وَصفَة بِأَنَّهُ ماكر ومستدرج ومخادع
قَالَ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ رَحْمَة الله عَلَيْهِ فِي كِتَابه الْمُسَمّى قوت الْقُلُوب يغْفر لمن يَشَاء الذَّنب الْعَظِيم ويعذب من يَشَاء على الذَّنب الحقير لبلايا من ملك بِعَمَلِهِ وَلَا ييأس مُسْرِف على نَفسه من عَفوه وَبِهَذَا يتَحَقَّق الْمَكْر فِي حَقه
وَقَالَ أَيْضا أوحى الله تَعَالَى إِلَى نَبِي أَو قَالَ لنَبِيّ قل لفُلَان كم ذَنْب واجهتني بِهِ غفرته لَك أهلك فِي دونه أمة من الْأُمَم
وَقَالَ إِن لله عَبْدَيْنِ إشتركا فِي الْمُخَالفَة آدم وإبليس هَذَا لَا تَأْكُل فَأكل وَهَذَا أَسجد فَمَا سجد فَتَابَ على آدم واجتباه وَلعن إِبْلِيس وجزاه
قَالَ ويشترك فِي الْمعْصِيَة الْوَاحِدَة الْمَكَان الْوَاحِد جمَاعَة فَيغْفر لبَعْضهِم ويعذب فِي الدُّنْيَا بَعضهم وَيَتُوب على بَعضهم وَيُؤَخر لعقوبة الْآخِرَة بَعضهم ويبدل بعد التَّوْبَة لبَعْضهِم سيئاتهم حَسَنَات
لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون لَا يُقَال لما فعلت هَذَا وَلَا كَيفَ فعلت وكل من سواهُ يسئل لم فعل وَلم ترك لِأَن الْآمِر الْمُكَلف يسئله وَلَا مَالك مَعَ الله وَلَا دون الله وَلَا فَوق الله فيسئله عَن أمره أَو حُدُوده وَالتَّصَرُّف فِي ملكه بِغَيْر إِذْنه فَلَا يتَصَوَّر الظُّلم من الله أبدا فَاعْلَم
قَالَ أَبُو طَالب وَلَقَد عددت لأخوة يُوسُف الصّديق ﵈ وَفِي قَوْله
[ ٣٨ ]
تَعَالَى حِكَايَة عَنْهُم ﴿اقْتُلُوا يُوسُف أَو اطرحوه أَرضًا يخل لكم وَجه أبيكم﴾ إِلَى آخر الْقِصَّة
نيفا وَأَرْبَعين ذَنبا صفح عَنْهَا وغفرها لَهُم وَلم يحْتَمل لإبليس ذَنبا وَاحِدًا وَقد قيل إِنَّه عبد الله ثَمَانِينَ ألف سنة وَلم يبْق فِي السَّمَوَات السَّبع مَوضِع شبر إِلَّا سجد لله فِيهِ فأحبط الله جَمِيع حَسَنَاته وقرباته وَسَائِر أَعماله فِي طول مدَّته وَأَخذه بذنب وَاحِد
وَلم يحْتَمل لبلعمر بن باعوراء ذَنبا وَاحِدًا فسلبه بِالْإِيمَان والتوحيد وَحَدِيثه مَشْهُور وَفِي الْكتب مَذْكُور ﴿فَلَا يَأْمَن مكر الله إِلَّا الْقَوْم الخاسرون﴾
وفكر بَعضهم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ومكروا ومكر الله وَالله خير الماكرين﴾ فلقي سمنون فَسَأَلَهُ عَنْهَا فتأوه وأنشا يَقُول ويقبح سواك الْفِعْل عِنْدِي فتفعله فَيحسن مِنْك ذاكا
فَقَالَ السَّائِل يَا سمنون سَأَلتك عَن آيَة فِي كتاب الله فأجبتني بِبَيْت من الشّعْر فَقَالَ لَهُ سمنون أنشدته لتعلم أَن فِي أقل قَلِيل أدل دَلِيل ثمَّ قَالَ لَهُ يَا هَذَا إمهاله لَهُم مَعَ مكره مكر بهم قلت صدق سمنون أَلا ترَاهُ قد قَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة مَكْرهمْ أَنا دمرناهم وقومهم أَجْمَعِينَ﴾ وَفِيمَا هدد الله بِهِ الثقلَيْن قَوْله تَعَالَى ﴿سنفرغ لكم أَيهَا الثَّقَلَان﴾
[ ٣٩ ]
سَأَلَ بَعضهم عَن مخرج هَذَا الْكَلَام فِي حق الله تَعَالَى وَقَالَ هَل الله تَعَالَى فِي شغل حَتَّى يفرغ مِنْهُ فَقيل لَهُ إِنَّمَا هَذَا على معنى الْإِمْهَال لَا على معنى الِاشْتِغَال فَإِن سُبْحَانَهُ كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن وَلَا يشْغلهُ شان عَن شَأْن ومخرج هَذَا الْخطاب الْوَعيد والتهديد أَي سنعمد إِلَى مجازاتكم بعد أَن أمهلناكم وأملينا لكم
فَمن قَاس فعل الرب الْآمِر الْمَالِك على فعل المربوب الْمَأْمُور الْمَمْلُوك كَانَ كمن قَاس ذَات الرب على ذَات العَبْد فَجعل إلهه شبهه وَمثله جسما مصورا محدودا مُقَدرا وجوهرا متحيزا وكما لَا يجوز قِيَاس الذَّات على الذَّات فَكَذَلِك لَا تقاس الصِّفَات على الصِّفَات فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يتعالى عَن مشابهة خلقه من كل الْجِهَات وَلَوْلَا مَا سبق بِهِ الْكتاب على أَلْسِنَة أنبيائه ﵈ من تنعيم الْمُؤمنِينَ وتعذيب الْكَافرين لجَاز لَهُ بِحَق الْملك أَن يدْخل الْكل مِنْهُم الْجنَّة أَو يدخلهم أَجْمَعِينَ النَّار وَلَا يكون سحانه ظَالِما وَلَا من الْحِكْمَة خَارِجا
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾
وَقَالَ حِكَايَة عَن عِيسَى ﷺ ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ قَالَ الْفَقِيه أَبُو حَفْص عمر الذَّهَبِيّ رَحْمَة الله عَلَيْهِ ظَفرت البارحة بأية
من كتاب الله تَعَالَى هِيَ أحب إِلَيّ من مائَة ألف قلت مَا هِيَ قَالَ الْقَدَرِيَّة والمعتزلة والامامية يَقُولُونَ إِن الله تَعَالَى يعذب خلقه بِذُنُوبِهِمْ وَلَا يجوز فِي حكمته أَن يغْفر لَهُم وَمَتى غفر لَهُم فَلَيْسَ بِحَكِيم فأكذبهم الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة كَمَا ترى ﴿إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾
فتبينها وتدبرها تعرف مقدارها وَمِقْدَار المبتهج بهَا وَهُوَ الْفَقِيه أَبُو حَفْص رَحْمَة الله عَلَيْهِ
[ ٤٠ ]
وَقد ورد فِي الْقُرْآن الْعَظِيم قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة﴾ أَي تعم الصَّالح والطالح فلولا أَنه يتَصَرَّف فِي ملكه كَيفَ شَاءَ لما حسن مِنْهُ ذَلِك
فَاعْلَم وَلَا تقيس الْخَالِق على الْمَخْلُوق وَلَا الْمَالِك على الْمَمْلُوك والسر فِي هَذَا وَالله أعلم أَن تَسْمِيَة الرب سُبْحَانَهُ تتلقى من جِهَة الشَّرْع لَا من جِهَة الْعقل فَمَا سمى بِهِ نَفسه سَمَّاهُ بِهِ خلقه فنسميه مَاكِرًا وجبارا ومتكبرا وناسيا ومخادعا مزيفا ومستدرجا لوُرُود الشَّرْع بهَا وَهِي صِفَات ذمّ فِي حق أَنْفُسنَا إِذْ قُلْنَا فلَان جَبَّار متكبر ماكر مخادع وناس ومستدرج وَلَا نسمي الْإِلَه سُبْحَانَهُ عَاقِلا فَقِيها أديبا شَاعِرًا لبيبا ذكيا فطنا لعدم وُرُودهَا شرعا وَإِن كَانَت فِي حَقنا صِفَات مدح وَكَمَال فَلَا تقاس الملائك بالحدادين كَمَا قَالَ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَلَا الاله الْخَالِق بالمخلوقين جلّ الله وَتَعَالَى عَن التَّشْبِيه والتمثيل فَإِن قيل أَنْتُم تَقولُونَ إِن الرب يَأْمر عباده بِأَمْر وَهُوَ يُرِيد مِنْهُم خلاقه أَمر إِبْلِيس بِالسُّجُود وَلم يرد سُجُوده وَأمر فِرْعَوْن بِالْإِيمَان وَهُوَ يُرِيد أَن يَمُوت على كفره وَكَذَلِكَ سائد الْكفَّار والعصاة أَجْمَعِينَ وَهَذَا لَا يتَصَوَّر من الْعَاقِل كَيفَ يجوز للحكيم أَن يَأْمر عَبده بِأَمْر وَهُوَ لَا يُرِيد امتثاله وَمن فعل ذَلِك عد سَفِيها خَارِجا عَن الْحِكْمَة والعاقل منا لَو فعل ذَلِك لعد سَفِيها خَارج من حزب الْعُقَلَاء وَهَذَا لَا يتَصَوَّر من عَاقل وَلَا حَكِيم أَن يَفْعَله وَأَنْتُم تَقولُونَ يَا معشر السّنة إِن كل من مَاتَ على الْكفْر والعصيان وَقد أرسل إِلَيْهِ رَسُولا وَأمره بِالْإِيمَان وَالطَّاعَة إِنَّه لم يرد إيمَانه وَلَا طَاعَته فَكيف يتَصَوَّر هَذَا فأقيموا لأنفسكم من هَذَا القَوْل الَّذِي لَا يتَصَوَّر لعاقل
[ ٤١ ]
قُلْنَا قد ثَبت بِالدَّلِيلِ الْقَاطِع والبرهان الساطع أَن الله تَعَالَى يتَصَرَّف فِي ملكه كَيفَ يَشَاء وَلَا يتَصَوَّر مِنْهُ ظلم أبدا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَصَرَّف فِي ملكه لَا فِي ملك لغيره فَلَا يلْزمنَا إعتراضكم وَقد مهدنا هَذِه الْقَاعِدَة وَإِنَّمَا يبْقى استبعادكم أَن يَقع الْأَمر من الْحَكِيم لخلقه وَهُوَ لَا يُرِيد امْتِثَال أمره وَنحن نقطع استبعادكم بِصُورَة نفرضها يشْهد الْعُقَلَاء أَنَّهَا حَسَنَة وَأَن الْآمِر حَكِيم فِيمَا امْر بِهِ وَفِيمَا أَرَادَهُ مُخَالفا لأَمره
فَنَقُول لَو أنعم السُّلْطَان على بعض خواصه بمملوك وهبه لَهُ وأكرمه بِأَن يكون خَادِمًا لَهُ تَشْرِيفًا لَهُ فأهانه وضربه وطرده فَدخل الْخَادِم على السُّلْطَان باكيا شاكيا فَقَالَ أَنْعَمت بِي على من يجهل قدري وَلَا يعرف مِقْدَار نِعْمَتك عَلَيْهِ فأهانني وضربني وطردني وَفِي إهانتي إهانتك أَيهَا الْملك فَغَضب السُّلْطَان لذَلِك وَقَالَ عَليّ بفلان فأحضر بَين يَدَيْهِ فعتب عَلَيْهِ وَقَالَ أكرمتك بمملوكي يخدمك فأهنته وضربته وطردته
قَالَ ايها الْملك عُذْري فِيمَا فعلت وَاضح فَقَالَ أوضح عذرك وَإِلَّا انتقمت مِنْك فَقَالَ مَا أَمرته قطّ بِأَمْر فامتثله فأغضبني فطردته فَقَالَ الْملك إستحق الْعقُوبَة والنكال وَلَكِن قد صرت لَهُ خصما فَلَا أقبلك عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيل أَو شَهَادَة فَقَالَ ايها الْملك أحضرهُ إِلَيّ بَين يَديك وَأَنا آمره بِأَمْر فَإِن امتثله فقد كذبت فِي قولي واستحققت النكال والعقوبة وَإِن لم يمتثل أَمْرِي فقد صَحَّ عِنْد الْملك عُذْري وَالْملك مُخَيّر بعد ذَلِك فَعِنْدَ ذَلِك أرسل الْملك من أحضر الْغُلَام وَأمره سَيّده بِأَمْر فيا أَيهَا السامعون الْعُقَلَاء المنصفون تدبروا هَذِه الْقَضِيَّة وَقُولُوا مَا عنْدكُمْ فِيهَا هَل السَّيِّد يُرِيد امْتِثَال أمره أم لَا يُرِيد امْتِثَال أمره فَإِن كَانَ يُرِيد امْتِثَال أمره فقد عرض نَفسه للهلاك وَإِن كَانَ قد أمره وَهُوَ لَا يُرِيد امْتِثَال أمره بِمَا لَا يُرِيد وَهُوَ عَاقل حَكِيم وَقد أَمر أمرا جزما وَهُوَ لَا يُرِيد وُقُوع الْمَأْمُور بِهِ وَلَا يعد عِنْد سَائِر الْعُقَلَاء سَفِيها وَلَا خَارِجا عَن الْحِكْمَة بل لَو ارد وُقُوع الْمَأْمُور بِهِ لعد سَفِيها مَجْنُونا فَإِذا كَانَ هَذَا فِي مَخْلُوق والحس شَاهده والعقلاء تستحسنه وَلَا تستبعده فَمن استبعد أَن يَقع نَظِيره من الْمَالِك الْحَقِيقِيّ الَّذِي لَا مَالك فَوْقه يَأْمُرهُ ويزجره وَلَا حَكِيم مثله فَمَا أجهله بحقائق الْأُمُور مَا أجهله وَقد قيل رمتني بدائها وانسلت
[ ٤٢ ]
فَإِن قَالُوا فقد أفسدتم مَذْهَب الْقَائِلين بِأَن الإدارة نفس الْأَمر وعنيتم أَن الْحَكِيم يَصح مِنْهُ أَن يَأْمر بِمَا لَا يُرِيد وَصورتهَا الصُّورَة الْمَذْكُورَة فِي الْعِيد مَعَ سَيّده إِذا أمره وَهُوَ لَا يُرِيد امْتِثَال أمره ويتبين مِنْهَا وجود الْأَمر مَعَ عدم الْإِرَادَة وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة الْغَيْر من أَن يُوجد أَحدهمَا مَعَ عدم الآخر فَإِذا ثَبت هَذَا وقلتم إِن الله تَعَالَى أَمر الْكفَّار أَن يُؤمنُوا وَلم يرد إِيمَانهم فَمَا كَانَ مِنْهُم إِيمَان وَلَا وجد وقلتم مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن فقد وَقع كفرهم وَوجد فَإِذن قد أَرَادَهُ الله فَكيف يصبح من الْحَكِيم الْعدْل أَن يُرِيد أَمر فَإِذا كَانَ مَا أرد عاقب المكتسب لَهُ عَلَيْهِ وَهَذَا مَالا يَصح وجوده من الْحَكِيم وَلَا يتَصَوَّر الْبَتَّةَ وَلَو فعله لخرج عَن الْحِكْمَة وَصَارَ سَفِيها جائرا وَلَيْسَت هَذِه صفة الْعَاقِل منا فَكيف الاله الحيكم الْعدْل
وَكَذَلِكَ إِذا اراد الْعَاقِل منا من عَبده أمرا فَفعله العَبْد فعاقبه السَّيِّد على وجود مُرَاده كَانَ ظَالِما معرضًا للوم كَافَّة الْعُقَلَاء
قُلْنَا هَذَا ذُهُول مِنْكُم وغفلة عَمَّا أوردناه ونورد من ذَلِك أَنا قدمنَا أَن الله سُبْحَانَهُ لَا يُقَاس عدله بِعدْل الْعباد إِذْ العَبْد يتَصَوَّر مِنْهُ الظُّلم بتصرفه فِي ملك غَيره وَلَا يتَصَوَّر الظُّلم من الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يُصَادف لغيره ملكا حَتَّى يكون تصرفه فِيهِ ظلما وَمن ذَلِك أَيْضا أَنه قد ثَبت أَن الْإِرَادَة غير الْأَمر وَنحن لَا نقُول أَن الله تَعَالَى أَمر الْكفَّار بالْكفْر وعاقبهم على مَا أَمرهم بِهِ بل نقُول أَن الله تَعَالَى يَأْمر بِالْعَدْلِ والاحسان وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر فَلم يبْق إِلَّا استبعادكم من كَون الْحَكِيم يُعَاقب على مَا أَرَادَ وقلتم أَنه لَا يتَصَوَّر وَلَا يَفْعَله الْحَكِيم أبدا قُلْنَا نَحن نفرض صُورَتَيْنِ ذكرهمَا عُلَمَاؤُنَا ﵃ فِي جَوَاز وُقُوع الْعقُوبَة من الْحَكِيم الْعدْل على مَا أَرَادَهُ وَلَا يعد سَفِيها وَلَا خَارِجا عَن الْحِكْمَة وَلَا يلومه الْعُقَلَاء على الْعقُوبَة
أما الصُّورَة الأولى فَأن يكون للعاقل منا عبيد وَفِيهِمْ عبد مُخَالف لسَيِّده وسالكا للطرائق الذميمة وَهُوَ يمقته ويبغضه ويتمنى أَن لَو أراحه الله مِنْهُ بِمَوْت أَو
[ ٤٣ ]
بِمن يقْتله وَعلم النَّاس ذَلِك فِيهِ فَقتل ذَلِك الْغُلَام بعض مماليكه فَبَلغهُ قَتله ففرح بِهِ وسر ثمَّ وجد قَاتله فَأنْكر عَلَيْهِ قَتله الْغُلَام وَقَالَ لَهُ كَيفَ تقتل غلامي بِغَيْر إذني فَقَالَ سَيِّدي وَالله مَا قتلته إِلَّا لأريحك مِنْهُ لِأَنَّك تمقته وَعلمت مرادك فِيهِ فأرحت الدُّنْيَا مِنْهُ وأرحتك من سوء فعله فَأمر بقتْله وَهَذِه عُقُوبَة قد وجدت من عَاقل حَكِيم عَادل وَهِي عُقُوبَة على ماأراده وتمناه وَمَعَ ذَلِك لم يخرج من حزب الْعُقَلَاء وَلَا عَن الْحِكْمَة ولايلومه أحد بل لَو تَركه لعرض نَفسه لخطر الْمُطَالبَة من إلهه ومالكه على ترك الْقصاص فَإِنَّهُ الَّذِي امْر بقتل النَّفس بِالنَّفسِ فَكيف بِمَالك لَا آمُر فَوْقه يَأْمُرهُ ويزجره وَيحد لَهُ الْحُدُود وهويتصرف فِي ملكه تَصرفا كليا وَلَا يخَاف مُطَالبَة وَلَا عُقُوبَة ولالوما وَلَا حجرا وَهُوَ ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَالصُّورَة الثَّانِيَة فِي ملكَيْنِ يملكَانِ الدُّنْيَا كل مِنْهَا فِي مَمْلَكَته فَخرج
أَحدهمَا على الآخر وجهز العساكر والجيوش إِلَى بِلَاد الْملك الآخر فدهمه بَغْتَة وَوصل إِلَى أَطْرَاف بِلَاده وَالْملك غافل عَنهُ فَلَمَّا صَحَّ عِنْده خَبره نَهَضَ إِلَيْهِ وَلم تكن عساكره وجيوشه مجتمعة وَخَافَ أَن يصل إِلَيْهِ فَتوجه مَعَ من حَضَره من جنده فشاهد جَيْشًا عرمرما وعساكر عَظِيمَة هائلة لَا يُطيق ملاقاته فلاطفه ولاينه بِكُل كَلَام رَقِيق وهاداه وجامله حَتَّى اسْتَحى مِنْهُ وَرجع عَن بِلَاده وَقد هادنه سنة لَا يُؤْذِيه ولايغير على بِلَاده فَلَمَّا انْصَرف عَنهُ عَائِدًا إِلَى بِلَاده ومملكته رجعت عَسَاكِر الْملك الَّتِي كَانَت غَائِبَة وهرعت إِلَيْهِ من كل فج عميق فَرَأى مَا أعجبه فتمنى أَن لَو نقض الْهُدْنَة بِأَمْر يحدث ليجد السَّبِيل إِلَى نقض الْعَهْد وَفسخ الْهُدْنَة الَّتِي بَينه وَبَينه فاتفق أَن غُلَاما لهَذَا الْملك خَالف عَلَيْهِ ونافق وَخرج عَلَيْهِ ثائرا فَسمع بِهِ ذَلِك الْملك الآخر فَجهز إِلَيْهِ جَيْشًا يتنصح بقتْله إِلَى الْملك فَلَقِيَهُ الْجَيْش فَقتل الْغُلَام فوصل الْخَبَر إِلَى الْملك بقتل غُلَامه الثائر عَلَيْهِ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ جَيش ذَلِك الْجَيْش الْعَظِيم إِلَى الْملك وَتَقَدَّمت رسائله إِلَيْهِ تَقول لَهُ فسخت مَا بيني وَبَيْنك بقتل غلامي فَبعث إِلَيْهِ مَا قتلته إِلَّا فِي طَاعَتك فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا مَا أَمرتك بقتْله ولابد من لقائك واستبيح بلادك وقتلك فَلم يشْعر ذَلِك الْملك حَتَّى وطيء بِلَاده
[ ٤٤ ]
وَقَتله وَملك بِلَاده وَوجد السَّبِيل إِلَى ذَلِك كُله بقتل الْغُلَام الَّذِي كَانَ يتَمَنَّى قَتله قبلغ مناه ونال مَا تمناه وَمَعَ ذَلِك حسن عِنْد الْعُقَلَاء النهوض إِلَيْهِ وَقَتله وَلم يلم عَلَيْهِ ولاذم فِي فعله بل أَتَتْهُ الْوُفُود من الْخَلَائق يهنونه بالظفر بذلك الْملك وببلاده وَلم يخرج عَن الْحِكْمَة وَلَا عد سَفِيها فِي فعله ولتعرض فعله الْآن على عقلك وعَلى عقل جَمِيع الْعُقَلَاء فَافْهَم هَذِه الْأَمْثِلَة تتَصَوَّر عنْدك كَيْفيَّة إِجْرَاء أقدار الله فِي خلقه وَيَنْقَطِع عَنْك شغب الخالين عَن الْعلم فَلَيْسَ من جهل كمن علم وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿قل هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى لنَبيه ﵇ ﴿وَقل رب زِدْنِي علما﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾
بل مَا خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرضين وَمَا بَينهمَا إِلَّا لأجل الْعلم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿الله الَّذِي خلق سبع سماوات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ يتنزل الْأَمر بَينهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَن الله على كل شَيْء قدير﴾ لَا على رَأْي الْقَدَرِيَّة الَّذين يَقُولُونَ إِن الله تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ قَادر على أَفعاله دون أَفعَال خلقه سددك الله وأرشدك
[ ٤٥ ]