فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بآياته ومخلوقاته،
ــ
قوله: "فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ " هذا السؤال الثاني بعد السؤال الأول: من ربك؟ أي: بم استدللت على معرفتك ربك؟ "فقل: بآياته ومخلوقاته" فهذا هو الدليل على أنه هو الذي خلقني وهو الذي رزقني وهو معبودي ليس لي معبود سواه. والآية في اللغة لها معان كثيرة، منها: البرهان والدليل. وآيات الله نوعان:
١- آيات شرعية، ويراد بها: الوحي الذي جاءت به الرسل فهو آية من آيات الله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ١، فإن قيل: كيف كان الوحي دليلًا وبرهانًا على الله تعالى؟ فالجواب:
أولًا: أن هذا الوحي الذي جاءت به الرسل جاء وحيًا متكاملًا منتظمًا لا تناقض فيه ولا اضطراب، قال تعالى عن القرآن: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٢، فالقرآن الكريم دليل على وجود الرب العظيم، وهو دليل من الآيات الشرعية.
ثانيًا: أن هذه الآيات الشرعية قامت بمصالح العباد، وهي كفيلة بسعادتهم في دينهم ودنياهم. وأوضح مثال شريعة محمد ﷺ، فإن الله جل وعلا قد شرع لنا في هذا القرآن الكريم وعلى لسان رسوله ﷺ ما هو كفيل بمصالحنا. وما من مشكلة أو معضلة إلا في الشريعة حل لها سواء كان عن طريق الكليات أو عن طريق الجنايات.
_________________
(١) ١ سورة الحديد، الآية: ٩. ٢ سورة النساء، الآية: ٨٢.
[ ٥٧ ]
وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مخلوقاته السموات السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا.
_________________
(١) آيات كونية: والآيات الكونية هي المخلوقات، مثل: السماوات والأرض والإنسان والحيوان والنبات وغير ذلك. والمصنف ﵀ يقول: "فقل: بآياته ومخلوقاته" فإذا فسرنا الآيات: بالآيات الشرعية والكونية؛ فإنه يدخل قوله "ومخلوقاته" تحت قوله "بآياته"؛ لأن المخلوقات هي الآيات الكونية، فيكون كلام المصنف ﵀ من باب عطف الخاص على العام على سبيل الاهتمام بالخاص، فإنه أفرد المخلوقات مع أنها داخلة في الآيات للاهتمام بها؛ لأنها مرئية يدركها العالم وغير العالم. أما إذا فسرنا الآيات بالآيات الشرعية فقط فإننا نفسر المخلوقات بالآيات الكونية ويصير من باب عطف المغاير. وظاهر كلام الشيخ ﵀ يدل على أنه ما قصد الآيات الشرعية بل أراد بالآيات والمخلوقات: الكونية منها بدليل أنه قال: "وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مخلوقاته السموات السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا" ويكون خص الآيات الكونية بالذكر؛ لأن دلالتها يشترك فيها العالم والجاهل كما تقدم. قوله: "ومن آياته الليل والنهار"، أي: ومن الأدلة والبراهين على وجود الباري تعالى وتفرده بالربوبية والإلهية وجود الليل والنهار. وذلك من وجوه: أولًا: تعاقبهما، فهذا يذهب، وهذا يأتي بعده بانتظام كامل وتنساق بديع.
[ ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ثانيًا: اختلافهما بالطول والقصر، فإن هذا من آيات الله. ولو فرض أن الليل ما يزيد أبدًا والنهار ما يزيد أبدًا من آيات الله أيضًا، ولكن كون الليل يزيد في الشتاء ويقصر النهار، والنهار يزيد في الصيف ويقصر الليل، هذا أيضًاَ من آيات ﷾. والليل والنهار من نعم الباري على عباده، فلو كان الليل سرمدًا لتعطلت مصالح العباد ولو كان في أنوار؛ لأن جهد الإنسان يصل إلى درجة قليلة في الليل، فلا تتحقق مصالح العباد ولا تقوم إلا بالنهار، ولو لم يوجد ليل لمات كثير ممن انهمكوا في الدنيا؛ لأنه لا يوجد ليل يطرحهم فينامون. لكن هذا الليل نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على العباد؛ لأن الناس يأوون إلى منازلهم وينامون ويستريحون فإذا قاموا من الغد قاموا إلى نهار جديد وبجهد جديد. والحاصل أن هذه آيات عظيمة من آيات الله تعالى، ولكن الإنسان غافل عن تدبرها، ولهذا فإن الله قدر كرر هذه الآيات في سور من القرآن الكريم يذكر الليل والنهار والشمس والقمر وخلق السموات والأرض؛ لأجل أن الإنسان يصطحب الذكر فلا يغفل ولا ينسى والله المستعان. قوله: "والشمس والقمر"، أي: ومن آيات الله الدالة على وجوده سبحانه تفرده بالربوبية والإلهية: الشمس والقمر، وذلك من وجوه: أولًا: جريانهما باستمرار منذ أن خلق تعالى الشمس والقمر إلى أن يأذن الله تعالى بخراب هذا الكون، والشمس والقمر يجريان باستمرار كما
[ ٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ ١، وفي قراءة ﴿لا مستقر لها﴾ ٢، أي: أن الشمس ليس لها مستقر إنما هي دائمًا تسير إلى أن يأذن الله تعالى بخراب الدنيا ولهذا إذا غربت على أناس طلعت على آخرين، وهذا لا ينافي ما ورد في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: " إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقر تحت العرش فتخر ساجدة الحديث" ٣؛ لأنه يمكن أنها إذا غربت عن أناس تسجد تحت العرش بالنسبة لغروبها عنهم وهي مستمرة في جريانها٤.
ثانيًا: الانتظام البديع، فالشمس تسير في فلكها في مدة سنة، وهي في كل يوم تطلع وتغرب بسير سخرها له خالقها لا تتعداه ولا تقصر عنه.
والقمر يبديه الله كالخيط ثم يتزايد نوره ويتكامل حتى ينتهي إلى إبداره، وكماله ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى، قال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٥، أي: لا يمكن أن توجد الشمس في الليل فتدرك القمر،
_________________
(١) ١ سورة يس، الآيتان: ٣٧، ٣٨. ٢ انظر: "تفسير ابن كثير": "٦/٥٦٢". ٣ أخرجه البخاري: "٨/٥٤١-فتح"، ومسلم: "رقم١٥٩". ٤ انظر: "شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري" للشيخ عبد الله الغنيمان: "١/٤٠٨". وانظر: "شرح السنة" للبغوي: ١٥/٩٥". ٥ سورة يس، الآية: ٤٠.
[ ٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا الليل سابق النهار فيدخل عليه قبل انقضاء سلطانه، ﴿وَكُلٌّ﴾ من الشمس والقمر والنجوم ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، أي: يترددون على الدوام فهذا دليل على عظمة الخالق وقدرته وحكمته.
ثالثًا: ما فيهما من المنافع العظيمة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ ١، وفي الشمس منافع عظيمة للعلويات: فإن القمر يستمد نوره من الشمس، وللسفليات: من الإنسان والحيوان والنبات والبحار وغير ذلك، ولولا طلوع الشمس وغروبها لما عرف الليل والنهار ولأطبق الظلام على العالم أو الضياء. وفي سير القمر تظهر مواقيت العباد في معاشهم وعبادتهم ومناسكهم. فتميزت به الأشهر والسنون وقام حساب العالم مع ما في ذلك من الحكم والآيات التي لا يحصيها إلا الله تعالى٢.
قوله: "ومن مخلوقاته السموات السبع"، أي: ومن أعظم مخلوقات الله تعالى الدالة على عظمته ووحدانيته: السموات السبع، وعلوها وسعتها واستدارتها، وعظم حلقها وبناؤها.
قوله: "والأرضون"، أي: ومن مخلوقاته العظيمة الأرضون السبع. فإن الله تعالى جعل الأرض فراشًا ومهادًا وذللها لعباده، وجعل فيها سبلًا، وجعل فيها أرزاقهم ومعايشهم. وقد أكثر الله تعالى من ذكر
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية: ٥. ٢ انظر: "مفتاح دار السعادة" لابن قيم: "١/٢٠٧، وما بعدها".
[ ٦١ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
ــ
السموات والأرض في كتابه الكريم، ودعا عباده إلى النظر إليهما والتفكر في خلقها. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
قوله: "وما فيهن"، أي: من المخلوقات العظيمة التي لا يعلمها إلا الله خالقها ﷾ "وما بينهما" أيضًا من المخلوقات العظيمة.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٣"، يعني: وإن كان الشمس والقمر من المخلوقات العظيمة فإن هذا لا يقتضي أن يسجد لهما؛ لأنهما مخلوقان مدبران مسخران ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾، أي: اعبدوه وحده؛ لأنه الخالق العظيم. ودعوة عبادة ما سواه من المخلوقات وإن كبر جرمها وكثرت مصالحها، فإن ذلك ليس منها وإنما هو من خالقها ﵎: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فخصوه بالعبادة وإخلاص الدين له٤.
_________________
(١) ١ سورة الجاثية، الآية: ٣. ٢ سورة غافر، الآية: ٥٧. ٣ سورة فصلت، الآية: ٣٧. ٤ "تفسير ابن سعدي": "٤/٤٠٠".
[ ٦٢ ]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
ــ
قوله: "وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ١" هذا فيه إخبار من الله تعالى بأنه خلق هذا العالم سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام. أولها: الأحد، وآخرها الجمعة٢.
منها أربعة أيام للأرض ويومان للسماء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ثُمَّ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ٥٤. ٢ أما حديث أبي هريرة ﵁ قال: "أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، أخر الخلق في آخر ساعة من الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" فهذا حديث أخرجه مسلم: "رقم٢٧٨٩"، والنسائي في "الكبرى": "رقم ١١٠١"، وأحمد: "١٤/٨٢"، وهو حديث معلول قدح فيه أئمة الحديث كالبخاري وغيره. وقال البخاري: الصحيح أنه موقوف على كعب الأحبار. اهـ. وهو مخالف للقرآن حيث دل على أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام. وقد ذكر الألباني في "الصحيحة": "رقم١٨٣٣" هذا الحديث وبين أنه صحيح وأنه غير مخالف للقرآن وأن الأيام السبعة فيه غير الستة في القرآن، وأن الحديث يتحدث عن شيء من التفصيل الذي أجراه الله على الأرض فهو يزيد على القرآن ولا يخالفه. وقد دل على هذا الجمع حديث أخرجه النسائي في "الكبرى": "٦/٤٢٧" من طريق الأخضر بن عجلان وقد وثقه ابن معين والبخاري والنسائي وابن حيان وغيرهم. فراجع هذا الحديث وانظر: "مختصر العلو" للألباني: "ص١١١"، و"المشكاة": "رقم٥٧٣٤". وفي مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية [جامعة الكويت] العدد التاسع عشر مقال جيد عن حديث "التربة" فراجعه.
[ ٦٣ ]
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا
ــ
اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ١ ويكون معنى قوله سبحانه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾، أي في تتمة أربعة أيام لا أنها أربعة أيام مستقلة عن اليومين الأولين وإلا لكانت الأيام ثمانية٢.
والظاهر أن هذه الأيام التي نعرف؛ لأن الله تعالى ذكرها منكرة. فتحمل على ما كان معروفًا. ولو شاء تعالى لخلقها في لحظة، ولكنه ربط المسببات بأسبابها كما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى٣.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، أي: علا وارتفع. والعرش هو ذلك السقف المحيط بالمخلوقات. وفي الآية إثبات استواء الله على عرشه على ما يليق بجلاله وعظمته. وأدلة علو الله على خلقه واستوائه على عرشه أكثر من أن تحصر. وأجمع المسلمون على ذلك.
وقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، أي: يغطي كل واحد منهما الآخر فيذهب ظلام هذا بضياء هذا، وضياء هذا بظلام هذا وكل منهما يطلب الآخر طلبًا ﴿حَثِيثًا﴾، أي: سريعًا لا يتأخر عنه بل إذا ذهب جاء هذا. وإذا جاء هذا ذهب هذا.
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآيات: ٩-١٢. ٢ انظر: "التوحيد" لابن منده: ١/١٨٦"، و"تفسير ابن كثير": "٧/١٥٥" و"أضواء البيان": "٧/١١٦". ٣ انظر: "تفسير ابن كثير": "٣/٤٢٢"، و"شرح ثلاثة الأصول" لابن عثيمين: "ص٤٤".
[ ٦٤ ]
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
ــ
وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ ١ هذا معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، يعني: خلق السموات والأرض وخلق الشمس والقمر حالة كونها مسخرات، ومعنى ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾، أي: مذلالات جارية في مجاريها بتسخير الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، يعني: أن الله جل وعلا متفرد بالخلق ومتفرد بالأمر، فله الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات، وله الأمر، المتضمن للشرائع والنبوات، فالخلق يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر يتضمن أحكامه الدينية الشرعية ثم أحكام الجزاء في الدار الآخرة، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: عظم وتعالى. وكثر خيره وإحسانه، فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير فكل بركة في الكون فمن آثار رحمته ﷾.
قوله: "وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢" معنى
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية:٥٤. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢١.
[ ٦٥ ]
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء
_________________
(١) "المعبود"، أي: المستحق لأن يعبد دون سواه، وليس المراد أن من معاني الرب: المعبود وإلا لزم منه أن كل ما عبد من دون الله فهو رب وهذا ليس بصحيح. والمصنف ﵀ لم يقصد أن من معاني "الرب": المعبود، وإنما قصد أن الرب هو المستحق لأن يعبد؛ لأنه بعد أن ساق الآية من سورة البقرة ذكر كلامًا لابن كثير ﵀ وهو قوله: "الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة". والدليل على أن الرب هو المستحق للعبادة قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾، فـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذا خطاب لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم. وقوله: ﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾، أي: أطيعوا ربكم بالإيمان والامتثال للأوامر والنواهي مع المحبة والتعظيم. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أي: أوجدكم من العدم بتقدير عظيم وصنع بديع، ورباكم بأصناف النعم وخلق الذين من قبلكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أي: من أجل أن تحصلوا على التقوى، والتقوى: اتخاذ وقاية تحفظكم من عذاب الله باتباع الأوامر واجتناب النواهي. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾، أي: بساطًا مهيئًا تستقرون عليها وتنتفعون بالأبنية والزراعة والسلوك من مكان إلى مكان وغير ذلك من وجوه الانتفاع. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بِنَاء﴾، أي: وجعل السماء بناءً لمسكنكم وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم كالشمس والقمر والنجوم.
[ ٦٦ ]
وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
ــ
وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ المراد بالسماء: السحاب كما ذكره المفسرون وأطلق عليه سماه لأنه فوق، وكل ما علا وارتفع فهو سماء. والماء: هو المطر النازل من السماء هو مادة الحياة للأحياء في الأرض جميعًا، سواء أنبت الزرع مباشرة أو كون الأنهار والبحيرات العذبة، أو انساخ في طبقات الأرض فتتألف منه المياه الجوفية، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ جمع ثمرة، والثمرة هو ما تخرجه الأرض من حبوب وخضار، وما تخرجه الأشجار من فواكه ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا﴾، أي: أشباهًا ونظراء تصرفون لهم العبادة أو شيئًا منها ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: تعلمون أن هذه الأنداد ليست مماثلة لله تعالى، وتعلمون أيضًا أن الله ﷾ هو المستحق للعبادة.
فجمعت هذه الآية بين الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه. وقد ورد عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا﴾ قال: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية: ٣٠. ٢ سورة المؤمنون، الآية: ١٨.
[ ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي. ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلان فإن هذا كله به شرك١.
فدل تفسير ابن عباس ﵄ على وجوب تجنب الألفاظ الشركية ولو لم يقصد الإنسان. وأن الشرك الأصغر خفي جدًا، وفل من يتنبه له. ولما قال الصحابة ﵃ للنبي ﷺ كيف نتقيه؟ قال: قولوا: "اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه" ٢.
وقوله: "وهذا كله شرك"، أي: أصفر أو أكبر حسب ما يكون في قلب المتكلم بمثل هذه الألفاظ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن حاتم في "تفسيره": "١/٦٢"، قال في "تيسير العزيز الحميد" "ص٥٨٧": "سنده جيد" اهـ. وقوله: "لا تجعل فيها فلان" لعله جاء على لغة ربيعة الذين يقفون على المنصوب بالسكون. ٢ أخرجه أحمد: "٤/٤٠٣"، والطبراني في "الأوسط" و"الكبير" كما في "المجمع": "١٠/٢٢٣" من طريق أبي علي الكاهلي عن أبي موسى ﵁ قال المنذري "١/٧٦": "ورواته إلى أبي علي محتج بهم في "الصحيح". وأبو على وثقه ابن حبان ولم أر أحدًا جرحه" اهـ. ومثله في "مجمع الزوائد". ٣ انظر: "القول المفيد": "٢/٣٢٣".
[ ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذه الآية هي أحد البراهين العقلية التي أبطل الله بها اتخاذ المشركين للآلهة، فإن القرآن الكريم ذكر برهانين عقليين على إبطال الشرك والتنديد بالمشركين الذين عبدوا مع الله غيره.
البرهان الأول: إذا كنتم تقرون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لهذا الكون فيلزمكم أن تعترفوا بوحدانيته. فإن من كانت هذه صفته فهو الإله المستحق للعبادة وما عداه هو مربوب مألوه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١، وهذا من التناقض الذي وقع فيه المشركون إذ كانوا يعترفون بأن هذه الأمور من خصائص الله تعالى، وهذا يعني أن يقروا بالعبادة؛ لأن غيره مما عبد معه ليست لهم هذه الخصائص.
البرهان الثاني: أن هذه الآلهة المعبودة من دون الله تعالى ليس لها ما يخولها لأن تعبد فإنها كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ ٢، وقد تقدم شيء من ذلك.
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية: ٣١. ٢ سورة الفرقان، الآية: ٣. وانظر: "تفسير ابن سعدي": "١/٤٣"، "ونبذة في العقيدة الإسلامية": "ص٢١".
[ ٦٩ ]
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الخَالِقُ لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.
ــ
قوله: "قال ابن كثير رحمه الله تعالى" ابن كثير هو العلامة الحافظ المحدث المفسر المؤرخ إسماعيل بن عمر بن كثير، أبو الفداء، ولد سنة ٧٠٠هـ أو بعدها بيسير في دمشق ونشأ يتيمًا، ورزق حافظة نادرة، فاشتغل بالحديث ودرس الفقه، وألف فيه، وأخذ عن شيخ الإسلام ابن تيمية وأحبه وأثنى عليه١. له كتاب التفسير المشهور و"البداية والنهاية" في التاريخ، و"جامع المسانيد والسنن"، و"إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه"، وكلها مطبوعة. مات ﵀ سنة ٧٧٤هـ٢.
قوله: "الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة"، أي: قال ابن كثير ﵀ هذه العبارة عند تفسير الآية السابقة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ولفظ ابن كثير في "تفسيره" مغاير لما ذكره الشيخ ﵀ والمعنى واحد. وهو أن الآيات المذكورة دلت على أن الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره؛ لأن كل من سواه تعالى وتقدس مخلوق، مربوب، متصرف فيه.
_________________
(١) ١ انظر: "البداية والنهاية": "١٤/١٣٥، وما بعدها". ٢ انظر: "البداية والنهاية": "١٤/٣١"، وانظر: "فهرس البداية والنهاية" تأليف محمد الأشقر: "ص٥٢"، و"البدر الطالع": "١/١٥٣".
[ ٧٠ ]