*
فإن قِيلَ لَكَ مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته،
ــ
ما دينك؟ ديني الإسلام، ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ هو محمد عبد الله ورسوله إلخ.
فمن عرف هذه الأصول الثلاثة وعمل بمقتضاها فهو أهل لأن يوفقه الله تعالى في جوابه كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ١، وقد ذكر الأصول الثلاثة ثم بدأ في تفصيلها وهذه أيضًا من الطرق العلمية الجيدة؛ لأن النفوس إذا عرفت الشيء إجمالًا تطلعت إلى معرفة تفصيلًا، والتفصيل بعد الإجمال من مقاصد البلغاء كما في علم المعاني
قوله: "فإن قيل لك من ربك؟ " هذا هو الأصل الأول. والجواب "فقل: ربي الله الذي رباني" وأصل الرب في اللغة بمعنى: المربي، ومن هذه الكلمة تشعبت معان أخرى لكلمة الرب من المالك والمدبر والمتصرف والمتعهد. والمصنف يريد المعنى الأول؛ لأنه قال: "الذي رباني"، فانتقل إلى المعنى الأساسي للكلمة الذي هو التربية، ومعنى رباني، أي: خلقني وأوجدني ثم رباني بنعمه الظاهرة والباطنة.
وقوله: "وربى جميع العالمين" هذا تعميم، أي: رباني أنا وربى جميع العالمين، وقوله: "بنعمته"، أي: ابتداء من الغذاء الذي يصل إلي
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.
[ ٥٤ ]
وهو معبودي، ليس لي معبود سواه.
ــ
وأنا في بطن أمي إلى أن يجري علي الأرزاق بعد خروجي منه. كما ورد في الحديث الصحيح في الملك الذي يؤمر بأربع بالنسبة للجنين ومنها "بكتب رزقه"١ فالله جل وعلا ينعم على العبد منذ أن يخلقه الإنعام الذي يصل إليه في بطن أمه بدون حول منه ولا قوة، والإنعام الذي يحصل له بعد خروجه إلى الدنيا عندما يكبر ويكدح ويعيش فيجري الله ﷾ له من الأرزاق بالأسباب ما قضاه وقدره له.
وقوله: "وهو معبودي، ليس لي معبود سواه" هذا مرتب على الكلام السابق، يعني: إذا كان هو الذي رباني لا غيره وربى جميع العالمين لا غيره فيترتب على هذا أن يكون هو المستحق للعبادة ولهذا قال: "وهو معبودي، ليس لي معبود سواه"؛ لأن الذي يستحق أن يكون معبودًا هو القادر على الخلق، ومن لا يقدر على الخلق لا يستحق أن يكون معبودًا، ولهذا ذكر الله تعالى أوصاف الآلهة التي لا تصلح للعبادة في سورة الفرقان في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ ٢، فذكر الله سبحانه سبعة أوصاف كلها نقص تدل على أن هذه الأوصاف التي وجدت في الآلهة لا تصلح أن تكون الآلهة معها معبودة؛ لأن المعبود هو الذي يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ولهذا قال تعالى:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "رقم٣٢٠٨"، ومسلم: "رقم٢٦٤٣". ٢ سورة الفرقان، الآية: ٣.
[ ٥٥ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وكل ما سِوَى اللهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ العالم.
ــ
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢" هذا الدليل على أن الله تعالى هو المستحق للعبادة لكونه ﷾ مربيًا لجميع العالمين، والحمد: هو الاعتراف للمحمود بصفات الكمال مع محبته وتعظيمه، وهذا قيد أساسي، فلو اعترف بالمحامد والأوصاف وذكرها، ولكن بدون محبة ولا تعظيم فإنه لا يسمى حامدًا، وقوله: "الله" اللام هذه تسمى لام الاستحقاق، وقوله: "رب العالمين" مر أن المعنى: خالقهم ومدبر شؤونهم المتصرف بأحوالهم وأرزاقهم، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ٣، وقوله: "وكل ما سوى الله عالم" فيقال: عالم الإنسان وعالم الحيوان وعالم النبات، وسمي العالم عالمًا؛ لأنه علامة على خالقه وموجده ومالكه.. "وأنا واحد من ذلك العالم"، أي: أنا أيها الإنسان المتكلم بهذا الكلام الذي أقول: "ربي الله الذي رباني" "واحد من ذلك العالم" فأنا مربوب لله تعالى؛ لأن الله تعالى هو ربي، ومعنى "مربوب"، أي: مخلوق لله تعالى، وهو الذي رباني ﷾.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ١٩١. ٢ سورة الفاتحة، الآية: ١. ٣ سورة الأعراف، الآية ٥٤.
[ ٥٦ ]