"الرابعة" الصبر على الأذى فيه.
ــ
الإسلام وحقائق الإيمان ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، وإلانة القول وتنشيط الموعوظ.
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فيسلك كل طريق يكون أدعى للاستجابة: من الالتزام بالموضوع والبعد عن الانفعال والترفع عن المسائل الصغيرة في مقابل القضايا الكبرى حفظًا للوقت وعزة للنفس وكمالًا للمروءة١.
قوله: "الرابعة: الصبر على الأذى فيه"، أي: الرابعة من المسائل الأربع: الصبر على الأذى في الدعوة إلى الله تعالى، بأن يكون الداعية صابرًا على ما يناله من أذية الناس؛ لأن الدعاة من طبيعة البشر إلا من هدى الله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ ٢.
فيجب على الداعية أن يكون صابرًا على دعوته مستمرًا فيها، صابرًا على ما يعترض دعوته أو ما يعترضه هو من الأذى؛ لأن الداعية يطلب من الناس أن يتحرروا من شهواتهم ورغباتهم، وعادات أقوامهم، ويقفوا عند حدود الله تعالى في أوامره ونواهيه وأكثر الناس لا يؤمن بهذا المنهج.
فلهذا يقاومون الدعوة بكل قوة، ويحاربون دعاتها بكل سلاح، قال
_________________
(١) ١ انظر: "مدارج السالكين": "٢/٤٧٨"، "تفسير ابن سعدي": "٣/٩٢"، ورسالة "مفهوم الحكمة في الدعوة" للدكتور صالح بن حميد. ٢ سورة الأنعام، الآية: ٣٤.
[ ٢٠ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
ــ
تعالى عن لقمان الحكيم في وصيته لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ١.
وعلى الداعية أن يتأسى بالرسل الكرام الذين قص الله علينا أخبارهم، وما حصل لهم من مشاق الدعوة ومتاعبها من إعراض الناس عن دعوتهم وأذيتهم بالقول والفعل مع طول الطريق واستبطاء النصر، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢، وقد جعل الله تعالى العاقبة للمتقين، وكتب النصر لدعاة الحق، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ٣.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ٤"
استدل المصنف ﵀ على هذه المسائل الأربع بسورة عظيمة لا تزيد على ثلاث آيات وهي سورة العصر، فالمسألة الأولى والثانية في قوله سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فإن الإيمان لا يكون صحيحًا، والعمل لا يكون صالحًا إلا بعلم بأن يعبد الله
_________________
(١) ١ سورة لقمان، الآية: ١٧. ٢ سورة الأحقاف، الآية: ٣٥. ٣ سورة البقرة، الآية: ٢١٤. ٤ سورة العصر، الآيات: ١-٣.
[ ٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على بصيرة. والمسألة الثالثة في قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ . والرابعة في قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ هذا قسم، والعصر المراد به: الزمن الذي تقع فيه الأحداث من خير أو شر. أقسم الله به؛ لأن أفعال الناس وتصرفاتهم كلها تقع في هذا الزمن فهو ظرف يودعه العباد أعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر فهو جدير أن يقسم به. وقيل: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ما بعد العشي وهو آخر النهار، ومنه صلاة العصر، والأول هو الأظهر في معنى الآية، والله أعلم١.
وجواب القسم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، فالله تعالى يقسم بالعصر على أن الإنسان في خسر. والألف واللام للاستغراق والشمول بدليل الاستثناء بعده، أي: كل إنسان في خسر، كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٢.
والخسر: هو النقصان والهلكة؛ لأن حياة الإنسان هي رأس ماله، فإذا مات ولم يؤمن ولم يعمل صالحًا خسر كل الخسران.
ولم يبين هنا نوع الخسران في أي شيء بل أطلق ليعم، فقد يكون مطلقًا كحال من خسر الدنيا والآخرة وفاته النعيم، واستحق الجحيم وقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض.
_________________
(١) ١ انظر: "التبيان في أقسام القرآن": "ص٦١". ٢ سورة النساء، الآية: ٢٨.
[ ٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والذي يستفاد من مفهوم الآية أن الخسران قد يكون بالكفر- والعياذ بالله- قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ ٢، وقد يكون بترك العمل قال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا٤﴾، وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٥، وقد يكون الخسران بترك التواصي بالحق كلية أو التواصي بالباطل. وليس بعد الحق إلا الضلال. وقد يكون بترك الصبر كلية أو بالوقوع في الهلع والجزع، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ٦.
والمقصود أن الإنسان في خسر مهما كثر ماله وولده، وعظم قدره وشرفه إلا من اتصف بالصفات الأربع. فعلى الإنسان أن يتأمل حاله ويعلم يقينًا أنه لا نجاة للعبد من الخسران إلا بهذا الطريق الذي رسمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية: ٦٥. ٢ سورة الأنعام، الآية: ٣١. ٣ سورة المؤمنون، الآية: ١٠٣. ٤ سورة النساء، الآية: ١١٩. ٥ سورة المجادلة، الآية: ١٩. ٦ انظر: "أضواء البيان" التتمة: "٩/٤٩٥"، "تفسير ابن السعدي": "٥/٤٥٣"، والآية من سورة الحج، رقم: ١١.
[ ٢٣ ]
قال الشافعي ﵀: لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلا هذه السورة لكفتهم.
_________________
(١) وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا هو الوصف الأول لمن يسلم من الخسار وهو وصف الإيمان، والمعنى: إلا الذين آمنوا بما أمر الله تعالى من الإيمان به، وهو الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين، وكل ما يقرب إلى الله تعالى من اعتقاد صحيح وعلم نافع. وقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ المراد بالعمل الصالح: أفعال الخير كلها سواء كانت ظاهرة أو باطنة، وسواء كانت متعلقة بحقوق الله تعالى، أو متعلقة بحقوق العباد، وسواء كانت من قبيل الواجب أو كانت من قبيل المستحب إذا خالصة صوابًا. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ المراد بالحق في هذه الآية –والله أعلم- هو ما تقدم من الإيمان بالله والعمل الصالح ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ جميع أنواع الصبر، الصبر على طاعة الله وأداء فرائضه والقيام بحقوقه وحقوق عباده فهذا يحتاج إلى صبر، والصبر عن معصية الله؛ لأن النفس أمارة بالسوء فلابد للإنسان أن يصبر لئلا يقع في المعصية. ومن الصبر أيضًا: الصبر عن البطر عند كثرة النعم، فيصبر الإنسان عن البطر والإسراف والتبذير عند وجود النعم أو كثرتها، ومن الصبر أيضًا: الصبر على المصائب وهي ما يصيب الإنسان في هذه الدنيا من مصائب وحوادث فإنه عرضة لذلك. قوله: "قال الشافعي ﵀: "لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلا هذه السورة لكفتهم" معنى قول الشافعي: لو أن الله جل وعلا ما أنزل
[ ٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للبشرية منهاجًا، ولا جهل لها طريقًا إلا هذه السورة القصيرة ذات الثلاث الآيات لكانت كافية؛ لأن هذه السورة رسمت المنهج الذي شرعه الله تعالى طريقًا للنجاة وهو الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فهذه الأمور الأربعة هي التي تحصل بها النجاة، فلو أن الله تعالى ما أنزل إلا هذه السورة لكان من أراد الله هدايته يعرف أنه لا نجاة له إلا بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وهذا من الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى، آية واحدة تبين وظيفة الأمة الإسلامية ووظيفة كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية وهي التواصي بالحق والتواصي بالصبر. بعد الإيمان والعمل الصالح فما أعظمها من سورة ولهذا فإن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما نقل كلام الشافعي قال: "هو كما قال -يعني: ما قال الإمام الشافعي هو في محله- فإن الله جل وعلا أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمنًا صالحًا ومع غيره موصيًا بالحق وموصيًا بالصبر" انتهى كلامه١.
وقد جاء في تفسير ابن كثير ما يختلف عن العبارة التي ذكرها المصنف فقد جاء فيه قال الشافعي ﵀: "لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم"، والمعنى واحد، والله أعلم.
_________________
(١) ١ "مجموع الفتاوى": "٢٨/١٥٢"، وانظر "التبيان" لابن قيم: "ص٢٦".
[ ٢٥ ]
وَقَالَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
"بَابُ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل".
ــ
قوله: "وقال البخاري رحمه الله تعالى"، يعني: في كتاب العلم من "صحيحه": "باب: العلم قبل القول والعمل".
وقوله: "باب" يقرأ بالتنوين؛ لأنه مقطوع عن الإضافة، والعلم: مبتدأ، قبل القول: خبر المبتدأ، أفادت هذه الترجمة أن قول الإنسان وعمله لا اعتبار له في ميزان الشرع إلا إذا كان قائمًا على العلم، فالعلم شرط لصحة القول والعمل.
وقوله: "والدليل" هذا من كلام البخاري، والذي في "الصحيح" أن البخاري قال: "باب: العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى"١، ولكن الشيخ ﵀ عبر بقوله "والدليل" ليكون أوضح. "قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ٢ فبدأ بالعلم قبل القول والعمل"، وهذا من كلام البخاري أيضًا، لكن ليس في "صحيحه" كلمة "قبل القول والعمل" إنما الذي فيه "فبدأ بالعلم"، فإما أن يكون قوله: "قبل القول والعمل" من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ للتوضيح، أو أنه في نسخة أخرى، وقوله تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، وهو يشمل الأمة، وهذا هو العلم.
_________________
(١) ١ انظر: "صحيح البخاري": "١/١٥٩". ٢ سورة محمد، الآية: ١٩.
[ ٢٦ ]