الثانية العمل به.
ــ
الدلالة، وهي الإرشاد. فالدليل هو المرشد إلى المطلوب. وهو إما سمعي: وهو ما ثبت بالوحي من كتاب أو سنة. وإما عقلي: وهو ما ثبت بالنظر والتأمل. وسيأتي شيء من ذلك في أثناء الرسالة.
وفي كلام الشيخ ﵀ إشارة إلى أن التقليد لا ينفع في باب العقائد، وأنه لابد من معرفة دين الإسلام بالأدلة من كتاب أو سنة أو إجماع.
قوله المصنف ﵀: "الثانية: العمل به"، أي: العمل بالعلم؛ لأن العلم لا يطلب إلا للعمل، وذلك بأن يتحول العلم إلى سلوك واقعي يظهر على فكر الإنسان وتصرفه، وقد وردت النصوص الشرعية في وجوب إتباع العلم بالعمل. وظهور آثار العلم على طالبه. وورد الوعيد الشديد لمن لا يعمل بعلمه. ولم يبدأ بإصلاح نفسه قبل إصلاح غيره، وهي أدلة معروفة معلومة١.
وما أحسن قول الفضيل بن عياض ﵀: "لا يزال العلم جاهلًا حتى يعمل بعلمه فإذا عمل به صار عالمًا". وهذا كلام دقيق؛ لأنه إذا كان عنده علم ولكنه لا يعمل بهذا العلم فهو جاهل؛ لأنه ليس بينه وبين الجاهل فرق إذا كان عنده علم ولكنه لا يعمل به، فلا يكون العالم عالمًا حقًا إلا إذا عمل بما علم، ثم إن العمل إضافة إلى أنه حجة للإنسان فهو أيضًا من أسباب ثبات العلم وبقائه، ولهذا تجد الذي يعمل بعلمه يستحضر علمه، أما الذي لا يعمل بعلمه، فسرعان ما يضيع علمه، قال بعض السلف: "كنا
_________________
(١) ١ انظر كتابي: "العمل بالعلم"، ط١، دار المسلم.
[ ١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نستعين على حفظ الحديث بالعمل به"١. أضف إلى هذا ما قاله بعض أهل العلم: "من عمل بما علم أورثه الله علم مالم يعلم، ومن لم يعمل بما علم أوشك الله أن يسلبه ما علم"، وهذا يذكره بعضهم على أنه حديث٢، وهذا ليس بصحيح٣، إنما هي عبارة مأثورة ذكرها شيخ الإسلام ﵀، ومعنى أورثه الله علم ما لم يعلم، أي: زاده إيمانًا ونور بصيرته وفتح عليه من العلوم أنواعًا وفروعًا؛ ولهذا تجد العالم العامل بازدياد، ويبارك الله في وقته وعلمه، ودليل هذا في كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٤، قال الشوكاني: "زادهم إيمانًا وعلمًا وبصيرة في الدين، أي: والذي اهتدوا إلى طريق الخير فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به زادهم إيمانًا وعلمًا وبصيرة في الدين"٥.
فعلى المسلم أن يدرك أهمية العمل بالعلم، وأن الإنسان الذي لا يعمل بعلمه سيكون علمه حجة عليه. كما ورد في حديث أبي برزة ﵁ قال رسول الله ﷺ: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، ومنها: وعن علمه ماذا عمل فيه" ٦، وهذا لا يخص العلماء كما قد
_________________
(١) ١ انظر: "اقتضاء العلم العمل": "ص٩٠". ٢ كالبيضاوي في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، وراجع: "حلية الأولياء" لأبي نعيم: "١٠/١٥". ٣ انظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة" للألباني: "١/٤٣٢، رقم٤٢٢". ٤ سورة محمد، الآية: ١٧. ٥ "فتح القدير": "٥/٣٥". ٦ أخرجه الترمذي: "٧/١٠١-تحفة"، وقال: حديث صحيح. وانظر "الصحيحة" للألباني: "رقم ٩٤٦"، "واقتضاء العلم العمل" للخطيب البغدادي: "ص١٦، وما بعدها"، و"صحيح الترغيب والترهيب": "١/١٢٥
[ ١٧ ]