الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ وَوَحَّدَ اللهَ لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ ورسوله.
ــ
قول المصنف ﵀: "الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ وَوَحَّدَ اللهَ لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ ورسوله".
هذه المسألة الثالثة وموضوعها الولاء والبراء، والمعنى: أن من أطاع الرسول فيما أمر، واجتنب ما عنه نهى وزجر، ووحد الله سبحانه، فهذه هي العقيدة الإسلامية، ومن أصول هذه العقيدة: أن يوالي أهلها، ويبغض أهل الشرك ويعاديهم، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ١، وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أوثق على الإيمان: الحب في الله والبغض في الله" ٢.
فالحب في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله: من مقتضيات ملة إبراهيم ﵊، ومن لوازم دين محمد ﷺ، والدليل على هذا –أي: على الثاني- قول الله تعالى كما ذكر المصنف ﵀: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ٣ الآية.
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة، الآية: ٤. ٢ أخرجه الطبراني في "الكبير": "رقم ١٠٣٥٧،١٠٥٣١"، والحديث حسنه الألباني في تعليقه على كتاب "الإيمان" لابن أبي شيبة: "ص٤٥". ٣ سورة المجادلة، الآية:٢٢.
[ ٣٦ ]
وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا
_________________
(١) ومعنى قول المؤلف ﵀: "ولا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ" أي: عادى الله ورسوله هذا معنى المحادة. وأصل المحادة في اللغة: أن تكون في جانب، والشخص الذي تعاديه في جانب آخر، ولا ريب أن من لم يطع الله ورسوله فإنه يصدق عليه أنه محاد لله ورسوله، كأنه بتصرفه هذا في جانب، والله –سبحانه- ورسوله ﷺ في جانب آخر. والموالاة معناها: المصادقة والموادة والمحبة، وهي تشعر بالقرب والدنو من الشيء. وقوله: "ولو كان أقرب قريب"، أي: الولد والوالد؛ لأنهما أقرب قريب للإنسان، إما الأصل وإما الفرع، ثم يأتي بعد هذا الإخوان-وهم الأعوان- ثم بعد هذا تأتي بقية القرابة. لكن في باب الموالاة، وفي باب المعاداة لا قيمة للنسب، فأخوك في العقيدة هو أخوك الحقيقي، وعدوك الحقيقي هو عدوك في العقيدة، فأخوك الحق هو أخوك في العقيدة ولو كان في أقصى الدنيا، وعدوك الحق هو عدوك في العقيدة ولو كان أقرب قريب؛ إذ ليس هناك اعتبار للأنساب في ميزان الإسلام إنما الاعتبار بهذه العقيدة ولهذا أكد الله تعالى هذا المعنى وضرب الأمثلة ببعض القرابة. فقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾، والفعل "لا تجد" بضم الدال، وإذا كانت مضمومة فهذا نفي، ويقول علماء البلاغة: إن النفي أبلغ من النهي؛ لأن النهي متعلق بالمستقبل، والنفي متعلق بالماضي والمستقبل، فيكون المعنى: لا تجد في أي وقت من الأوقات قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حاد الله ورسوله.
[ ٣٧ ]
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ
ــ
ومعنى ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، أي: يؤمنون الإيمان الصحيح الذي يتوافق فيه الظاهر مع الباطن، وهذا يفيد أن المعيار الصحيح لمعاداة الكفار هو الإيمان بالله واليوم الآخر، وهذا يوجب على الإنسان أن يتفقد إيمانه، فإن حصل عنده ميل أو ركن لمن يحاد الله ورسوله؛ فعليه أن يراجع نفسه ويتأمل في إيمانه؛ لأن موالاتهم قد تكون دليلًا عل فقد الإيمان بالكلية أو على ضعفه على حسب ما يقوم بالقلب، وعلى أي حال فموالاتهم أمرها حطير؛ لأن الله جل وعلا نفى اجتماع الإيمان مع موادتهم فقال سبحانه ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأخبر أنك لا تجد مؤمنًا يواد المحادين لله ورسوله، فإن نفس الإيمان ينافي موادته، كما ينفي أحد الضدين الآخر، فإذا وجد الإيمان انتفى ضده وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه كان ذلك دليلًا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب"١.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ أي: لا يوادون من حاد الله ولو كانوا الأقربين، وقوله: ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾، قال الراغب: "العشيرة: اسم لكل جماعة من
_________________
(١) ١ "الإيمان": "ص١٣".
[ ٣٨ ]
أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
ــ
أقارب الرجل الذين يتكثر بهم"١ا. هـ. وقال الألوسي: "وليس المراد بمن ذكر خصوصهم، وإنما المراد الأقارب مطلقًا، وقدم الآباء لأنه يجب على أبناء طاعتهم ومصاحبتهم في الدنيا بالمعروف، وثنى بالأبناء؛ لأنهم أعلق بهم لكونهم أكبادهم، وثلث بالإخوان؛ لأنهم الناصرون لهم.. وختم بالعشيرة؛ لأن الاعتماد عليهم والتناصر بهم بعد الإخوان غالبًا"٢.
ثم ذكر سبحانه أنه جازاهم بخمسة أشياء، وبدأ تعالى بألطافه الدنيوية فقال جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ﴾، أي: جمعه في قلوبهم وثبته وأرساه، فهي قلوب مؤمنة مخلصة لا تؤثر فيها الشبه ولا الشكوك ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، أي: قواهم ﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، أي بنور وهدى ومدد إلهي، وإحسان رباني، وسماه الله روحًا؛ لأنه للحياة الطيبة. ثم ذكر آثار رحمته الأخروية فقال سبحانه: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وهي دار كرامته فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿﵃﴾ هذا استئناف جرى مجرى التعليل، والمعنى: أن الله يحل عليهم رضوانه بطاعتهم إياه في الدنيا ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ في الآخرة
_________________
(١) ١ "المفردات في غريب القرآن" للراغب الأصفهاني: "ص٣٣٥" ٢ "روح المعاني": "٢٨/٣٦".
[ ٣٩ ]
أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
ــ
بإدخالهم الجنة وما فيها من الكرامات، وهذا أعلى مراتب النعيم. قال ابن كثير ﵀: "وفيه سر بديع وهو أنهم لما أسخطوا الأقارب والعشائر في الله عوضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز والفضل العميم"١.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ إضافة تشريف ببيان اختصاصهم به تعالى ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفلاح هو الفوز والظفر بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة. وذكرت كلمة ﴿حِزْبَ اللَّهِ﴾ في الأول لبيان اختصاصهم به تعالى كما مر، والثانية لبيان اختصاصهم بسعادة الدارين.
وموالاة الكفار لها مظاهر متعددة يكثر ظهورها من زمن إلى زمن آخر ولنذكر أهم هذه المظاهر فمتى تلبس بها أو بشيء منها إنسان مسلم فعليه أن يعلم أنه قدر والاهم بقدر ما قام به من هذه المظاهر.
فال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٢، فمن هذه المظاهر:
أولًا: الرضا بكفر الكافرين وعدم تكفيرهم، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة.
ثانيًا: التشبه بعاداتهم وأخلاقهم وتقاليدهم؛ لأنه ما تشبه بهم إلا لأنه معجب والنبي ﷺ يقول: "من تشبه بقوم فهو منهم" ٣.
_________________
(١) ١ "تفسير ابن كثير": ٨/٢٨٠". ٢ سورة المائدة، الآية: ٥١. ٣ أخرجه أبو داود: "رقم ٤٠٣١"، وأحمد: "٩/١٢٣" وغيرهما والحديث له طرق، وشواهد، يتقوى بها.
[ ٤٠ ]
اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدين.
ــ
ثالثًا: الاستعانة بهم، والثقة بهم، واتخاذهم أعوانًا وأنصارًا.
رابعًا: معاونتهم ومناصرتهم.
خامسًا: مشاركتهم في أعيادهم بإعانتهم إما بالحضور أو بالتهنئة.
سادسًا: التسمي بأسمائهم.
سابعًا: السفر إلى بلادهم لغير ضرورة بل للنزهة ومتعة النفس.
ثامنًا: الاستغفار لهم والترحم عليهم إذا مات منهم ميت.
تاسعًا: مجاملتهم ومداهنتهم في الدين.
عاشرًا: استعارة قوانينهم ومناهجهم في حكم الأمة وتربية أبنائها.
فهذه بعض مظاهر موالاة الكفار، والمسألة تحتاج إلى بيان أكثر وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله١.
قول المصنف ﵀: "اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدين" هذا الكلام من المؤلف ﵀ في موضوع تقرير توحيد الألوهية، وقد بدأ هذا التقرير بالدعاء لك أيها القارئ أو السامع، فقال: "اعلم أرشدك الله لطاعته"، ومعنى أرشدك، أي: دلك وهداك إلى الرشد، والرشد: هو الاستقامة على طريق الحق وهو ضد الغي؛ لأن الغي هو الضلال الذي يفضي بصاحبه –والعياذ بالله- إلى الخسران.
والطاعة: هي موافقة أمر الشرع بفعل المأمور واجتناب المحظور.
_________________
(١) ١ راجع كتاب "الولاء والبراء" تأليف محمد بن سعيد القحطاني.
[ ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحنيفية: هي ملة إبراهيم، وملة إبراهيم هي الحنيفية، ولهذا جمع المصنف ﵀ بينهما وأصل الحنيفية مأخوذ من الحنف، والحنف معناه: الميل، فالحنيف: هو المائل عن الشرك قصدًا وإخلاصًا إلى التوحيد، والحنيف هو المقبل على الله ﷾ المعرض عن كل ما سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ ١، والقانت: هو الخاشع المطيع٢.
أما الملة: فهي بمعنى الدين، وهي اسم لكل ما شرعه الله ﷾ لعباده على ألسنة أنبيائه.
قوله: "أن تعبد الله مخلصًا له الدين" هذا بيان لحقيقة ملة إبراهيم فهو خبر "أن" في قوله: "أن الحنفية ملة إبراهيم"، فـ"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر "أن"، والتقدير: اعلم أن الحنيفية ملة إبراهيم عبادة الله تعالى وحده بإخلاص.
وأصل العبادة: التذلل والخضوع، تقول العرب: طريق معبد، أي: مذلل، مهيأ لسلوك الناس. قال العلماء: وسميت الوظائف التي طلبها الله تعالى من المكلفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها ويفعلونها متذللين خاضعين لله ﷾.
وأما معناها الذي يبين متعلقاتها، فهو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية: ١٢٠. ٢ انظر: "تفسير ابن كثير": "٤/٥٣٠".
[ ٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵀ في كتابه القيم "العبودية": "العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة"١ من الصلاة والزكاة والصيام والحج والمحبة والخوف والرجاء والتوكل والاستعانة والاستغاثة ونحو ذلك مما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
وقوله: "أن تعبد الله مخلصًا له الدين". الإخلاص: هو أن يقصد العبد بعمله رضا ربه وثوابه، لا غرضًا آخر من رئاسة أو جاه أو شيء من حطام الدنيا. فإذا قام العبد بالعبادة مريدًا ببذلك: رضا الله ﷾، الذي هو المستحق للعبادة، وقصد بذلك الحصول على الثواب تحقق الإخلاص، وقصد ثواب الله تعالى ونيل رضوانه وجنته لا يخل بالإخلاص، بل يذم من يعبد الله تعالى وهو لا يريد الثواب، وهي طريقة من طرق الصوفية، وهي مخالفة لما دلت عليه النصوص الشرعية من أن الإنسان يقصد بعبادته وجه الله تعالى والوصول إلى رضوانه وطلب ثوابه وجنته.
وللإخلاص ثمرات عظيمة:
١- أنه بتحقيق الإنسان لتوحيد ربه وإخلاصه العبودية له تكمل له الطاعة ويخرج من قلبه تأله ما يهواه.
٢- من أخلص في عبادة ربه صرفت عنه المعاصي والذنوب كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢،
_________________
(١) ١ "العبودية": "ص٣٨". ٢ سورة يوسف، الآية: ٢٤.
[ ٤٣ ]
وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
ــ
فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عبادة المخلصين له في عبادتهم، الذين أخلصهم الله، واختارهم، واختصهم لنفسه.
١- من أخلص في عبادة ربه في حرز من الشيطان. قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ١، وقال الشيطان: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢.
٢- ثبت في حديث عتبان أنه قال: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"٣.
قوله: "بذلك" اسم إشارة يعود إلى العبادة الخالصة، أي: بإخلاص العبادة "أمر الله جميع الناس" بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤.
قوله: "وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥"، أي: خلقهم لعبادته، وهذه الآية العظيمة بينت الحكمة من خلق الجن والإنس، وهي العبادة، فإن الله جل وعلا ما خلق إلا
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآية: ٤٢، والإسراء، الآية: ٦٥. ٢ سورة ص، الآيتان: ٨٢، ٨٣. ٣ انظر: "مجموع الفتاوى: "١٠/٢٦٠-٢٦١"، والحديث أخرجه البخاري "رقم ٤٢"، ومسلم "رقم ٣٣". ٤ سورة الأنبياء، الآية: ٢٥. ٥ سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
[ ٤٤ ]
ومعنى يعبدون يوحدوني. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأجل أن يأمرهم بالعبادة، فمنهم من أطاع وأذعن فعبد الله، ومنهم من عصى وعاند فأشرك مع الله غيره.
والجن: عالم غيبي قائم بذاته، يختلف عن الإنس؛ لأنه مخلوق من نار والإنس مخلوق من طين، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ١ سموا جنًا لاجتنانهم، أي: استتارهم عن العيون، واجتماع الجيم مع حرف النون في لغة العرب يدل على الستر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ٢.
والإنس: البشر، الواحد "إنسي" سموا بذلك لأن بعضهم يأنس ببعض، والإنس الطمأنينة٣.
قوله: "ومعنى يعبدون يوحدوني" هذا تفسير لمعنى العبادة في الآية الكريمة، فمعنى "يعبدون، أي: يفردونني بالعبادة، والإفراد بالعبادة معناه: التوحيد. وقد ورد في الحديث القدسي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال الله ﷿: يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلًا ولم أسد فقرك" ٤، فهذا حديث يدل على أن الوظيفة التي أنيطت بهذا المكلف:
_________________
(١) ١ سورة الرحمن، الآيتان: ١٤، ١٥. ٢ راجع كتاب "عالم الجن والشياطين" للدكتور عمر الأشقر، والآية من سورة الأعراف رقم٢٧. ٣ "لسان العرب": "٦/١٠". ٤ أخرجه أحمد: "١٦/٨٦٨١"، والترمذي: "٤/٢٤٦٦". وصححه أحمد شاكر. وصححه الألباني في "صحيح الترمذي": "٢/٣٠٠"، وقد وقع عند الترمذي: "ملأت يديك شغلًا"، وفي معناه حديث معقل بن يسار ﵁، أخرجه الحاكم: "٤/٣٢٦"، والطبراني: ٢٠/٥٠٠".
[ ٤٥ ]
وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ، وَهُوَ إفراد الله بالعبادة.
_________________
(١) هي عبادة الله والتفرغ لما خلق لأجله. قوله: "وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ، وَهُوَ إفراد الله بالعبادة" التوحيد معناه في اللغة: من وحد يوحد توحيدًا، أي: جعله واحدًا لا ثاني له، والمصنف ﵀ عرف التوحيد بأنه: إفراد الله بالعبادة، وهو يريد بهذا التوحيد الذي بعثت الرسل لتحقيقه وإلا فهو بالمعنى العام: إفراد الله بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وهذه أقسام التوحيد الثلاثة، فيكون تعريف المصنف هنا للتوحيد بأنه إفراد الله بالعبادة إنما هو لبيان التوحيد الذي حصل به النزاع والجدال، والذي بعثت لأجله الرسل وأنزلت له الكتب وشرع من اجله الجهاد، وهو توحيد الألوهية. ومعنى "إفراد الله بالعبادة"، أي: قولًا وقصدًا وفعلًا، فيفرد الله بالأقوال والأفعال والمقاصد، والمراد بالعبادة هنا في كلام المصنف: العبادة الشرعية، وهي الخضوع لأمر الله الشرعي، وأمر الله الشرعي هو القيام بالتكاليف. أما العبادة الكونية فهي الخضوع لأمر الكوني، والعبادة الكونية عامة لكل مخلوق فالذي ينقاد لأقدار الله تعالى داخل في المعنى الثاني للعبادة، وهي العبادة الكونية. والفرق بين أمر الله الكوني وأمر الله الشرعي، أن أمر الله الشرعي: ما شرعه الله لعباده من التكاليف. وأمر الله الكوني: ما يقضيه الله ﷾ ويقدره على عباده مؤمنهم
[ ٤٦ ]
وأعظم ما نهى عنه الشرك،
ــ
وكافرهم، برهم وفاجرهم، من مرض أو فقر أو فقد محبوب ونحو ذلك، والدليل على أن العبادة تكون كونية قول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ١، فهذه هي العبودية المقصودة في هذا الباب -التي هي معنى التوحيد-: هي العبادة الشرعية التي لا ينقاد لها إلا المؤمن البر.
قوله: "وأعظم ما نهى عنه الشرك" الشرك في الأصل بمعنى: النصيب، فإذا أشرك مع الله غيره، أي: جعل لغيره نصيبًا. وإنما كان الشرك أعظم ما نهى الله عنه؛ لأن أعظم الحقوق حق الله تعالى، وحق الله تعالى إفراده بالعبادة، فإذا أشرك مع الله غيره ضيع أعظم الحقوق. وقد ورد عن ابن مسعود ﵁ قال: "سألت –أو سئل- رسول الله ﷺ أي الذنب عند الله أعظم؟ -وفي لفظ: أكبر- قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك " ٢. وقال النبي ﷺ لمعاذ ﵁: "أتدري ما حق الله على عباده؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال ﷺ: "حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا " ٣، فدل هذا على أن الله ﷾ له حق العباد، فمن ضيع هذا الحق فقد وقع في تضييع أظم الحقوق.
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية: ٩٣. ٢ أخرجه البخاري: "٨/٤٩٢-فتح"، ومسلم: "رقم٨٦". ٣ أخرجه البخاري: "رقم٥٩٨٦"، ومسلم: "رقم٤٨/٣٠".
[ ٤٧ ]
وهو دعوة غيره معه.
ــ
وقوله: "وهو دعوة غيره معه" هذا تعريف الشرك، وهو أن يجعل مع الله إلها آخر ملكًا أو رسولًا أو وليًا أو حجرًا أو بشرًا يعبده كما يعبد الله، وذلك بدعائه والاستعانة به والذبح له والنذر له وغير ذلك من أنواع العبادة. وهذا هو الشرك الأكبر. وهو أربعة أنواع:
١- شرك الدعاء: وهو أن يضرع إلى غير الله تعالى من نبي أو ملك أو ولي بقربة من القرب –صلاة أو استغاثة أو استعانة- أو يدعو ميتًا أو غائبًا أو نحو ذلك مما هو من اختصاص الله تعالى. والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ١.
٢- شرك النية والإرادة والقصد: بأن يأتي بأصل العبادة رياء أو لأجل الدنيا وتحصيل أغراضها. والدليل قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
قال ابن القيم ﵀: "أما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئًا غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته "٣.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت، الآية: ٦٥. ٢ سورة هود، الآيتان: ١٥، ١٦. ٣ "الجواب الكافي": "ص١١٥".
[ ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واعتبار شرك النية والقصد من الشرك الأكبر محمول على ما ذكرنا، وهو أن يأتي بأصل العمل رياء أو لأجل الدنيا، ولم يكن مريدًا وجه الله تعالى والدار والآخرة. وهذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن. فإن المؤمن وإن كان ضعيف الإيمان لابد أن يريد الله والدار والآخرة. لكن إن تساوى القصدان أو تقاربا فهذا نقص في الإيمان والتوحيد. وعمله ناقص لفقده كمال الإخلاص. وإن عمل لله وحده وأخلص في عمله إخلاصًا تامًا وأخذ عليه جعلًا معلومًا يستعين به على العمل والدين فهذا لا يضر؛ لأن الله تعالى جعل في الأموال الشرعية كالزكوات وأموال الفيء وغيرها جزءًا كبيرًا يصرف في مصالح المسلمين١.
٣- شرك الطاعة: وهو أن يتخذ له مشرعًا سوى الله تعالى، أو يتخذ شريكًا لله تعالى في التشريع، فيرضى بحكمه، ويدين به في التحليل والتحريم عبادة وتقربًا وقضاءً وفصلًا في الخصومات. والدليل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢، ولما سمع عدي بن حاتم ﵁ النبي ﷺ يقرأ هذه الآية قال: "إنا لسنا
_________________
(١) ١ "القول السديد": "ص١٢٨". ٢ سورة التوبة، الآية: ٣١.
[ ٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: بلى: فتلك عبادتهم"١.
٤- شرك المحبة: وهو اتخاذ الأنداد من الخلق يحبهم كحب الله تعالى؛ فيقدم طاعتهم على طاعته ويلهج بذكرهم ودعائهم. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٢.
قال ابن قيم ﵀: "وهاهنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينها:
أحدها: محبة الله. ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.
الثاني: محبة ما يحبه الله. وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها.
الثالث: الحب لله وفيه، وهي من لوازم محبة ما يحبه الله. ولا يستقيم محبة ما يحبه الله إلا بالحب فيه وله.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي: "٨/٤٩٢-تحفة"، وابن جرير: "١٤/٢٠٩"، تحقيق محمود شاكر، و"البيهقي": "١٠/١١٦"، وغيرهم. وقد حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "الإيمان": "ص٦٤"، والألباني في "غاية المرام": "رقم٦"، وفي "صحيح الترمذي": "٣/٥٦"، وفي سنده غطيف بن أعين. ذكره الدارقطني في "الضعفاء" وذكره ابن حبان في "الثقات". ٢ انظر: "مجموعة التوحيد" "الرسالة الثالثة": "ص٣٤٦". والآية من سورة البقرة: ١٦٥.
[ ٥٠ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ .
ــ
الرابع: المحبة مع الله. وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئًا مع الله، لا لله ولا من أجله، ولا فيه، فقد اتخذه ندًا من دون الله، وهذه محبة المشركين"١.
وأما محبة الشرك الأصغر فهو كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركًا: كالحلف بغير الله تعالى والرياء اليسير في أفعال العبادات وأقوالها وبعض العبارات مثل: "ما شاء الله وشئت"، ونحوها مما فيه تشريك بين الله وخلقه مثل: "لولا الله وفلان"، و"ما لي إلا الله وأنت"، "وأنا متوكل على الله وعليك"، "ولولاك أنت لم يكن كذا".. وقد يكون شركًا أكبر بحسب قائله ومقصده.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٢" هذه الآية جمعت بين أمرين: الأمر بالعبادة والنهي عن الشرك، مما يدل على أن العبادة لا تتم إلا باجتناب الشرك قليله وكثيره؛ لأن "شيئًا" نكرة في سياق النهي فتفيد العموم، أي، لا شركًا أصغر ولا أكبر لا ملكًا ولا نبيًا ولا وليًا ولا غيرهم من المخلوقين. كما أنه تعالى لم يخص نوعًا من أنواع العبادة لا دعاء ولا صلاة ولا توكلًا ولا غيرها ليعم جميع أنواع العبادة.
_________________
(١) ١ "الجواب الكافي": "ص١٦٤". ٢ سورة النساء، الآية: ٣٦.
[ ٥١ ]