الثَّانِيَةُ: أَنَّ الله لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدُ فِي عِبَادَتِهِ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نبي مرسل
ــ
العرب: كلأ وبيل وطعام وبيل، أي: ثقيل رديء العقبى، والطعام الذي يستمرأ تهضمه المعدة براحة وفي وقت قصير، أما إذا كان الطعام لا يستمرأ فإن المعدة لا تهضمه بسهولة وتحتاج إلى وقت أطول، وقد يكون له عواقب وخيمة، وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: "الحق ثقيل مري والباطل خفيف وبي"١، يعني: عاقبته وخيمة أما الحق فإنه وإن كان الإنسان يحسب أنه ثقيل عليه فهو مري خفيف، عاقبته حميدة، فالله تعالى أخذ فرعون أخذا شديدًا مهلكًا؛ وذلك بإغراقه وجنوده في البحر فلم يفلت منهم أحد، ثم بعد ذلك في عذاب البرزخ إلى يوم القيامة ثم عذاب النار، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٢.
قوله المصنف ﵀: "الثَّانِيَةُ: أَنَّ الله لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدُ فِي عِبَادَتِهِ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نبي مرسل" هذه المسألة الثانية هو في توحيد الألوهية، والمعنى: أن الله جل وعلا يوجب على المكلفين إفراده بالعبادة؛ لأنه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ لأنه ﷾ هو الخالق الرازق له الملك والأمر، فلا يرضى ﷾ أن يشرك معه أحد مهما بلغ هذا الشخص من الطهارة والعلو والرفعة، لا ملك مقرب
_________________
(١) ١ "حلية الأولياء": ١/١٣٤"، وانظر: لسان العرب "١/١٩٠". ٢ سورة غافر، الآية: ٤٦.
[ ٣٤ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ .
ــ
ولا نبي مرسل، وإذا كان الله تعالى لا يرضى أن يشرك معه لا ملك مقرب وهو المقربون إلى الله تعالى ولا نبي مرسل وقد اصطفاهم الله ﷾ فإن غيرهم من الخليقة من باب أولى؛ لأن العبادة لا تصلح إلا لله تعالى، وصرفها لغير الله ظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١، والله جل وعلا لا يرضى لعباده الكفر، وإنما يرضى لهم الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ﴾ ٣.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٤" المساجد جمع مسجد، وهو كل موضع بني للصلاة والعبادة وذكر الله تعالى، والدليل على هذا المعنى قول النبي ﷺ في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد: "إن هذا المسجد لا يصلح لشيء من ذلك إنما بني لذكر الله تعالى وللصلاة"٥، وهذه وظيفة المساجد، وهذه الإضافة في الآية إضافة تشريف وتخصيص، ويكون المعنى على التخصيص: أنكم إذا دخلتم المساجد للعبادة فلا تدعوا فيها مع الله أحدًا لأنها بيوت الله فكيف تدخل بيته وتدعو معه غيره؟ وقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، ﴿أَحَدًا﴾ نكرة، والنكرة في سياق النهي تفيد العموم، أي: فلا تدعوا مع الله أحدًا كائنًا من كان، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، وما دون ذلك من باب أولى كما تقدم.
_________________
(١) ١ سورة لقمان، الآية: ١٣. ٢ سورة المائدة، الآية: ٣. ٣ سورة الزمر، الآية: ٧. ٤ سورة الجن، الآية: ١٨. ٥ أخرجه البخاري: "رقم٢٢١"، ومسلم: "رقم٢٨٥".
[ ٣٥ ]