وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ راضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ الله.
ــ
قول المصنف: "والطواغيت كثيرون" يعنى: باعتبار التعريف الذي ذكره ابن القيم فإنه يتبين منه أن الطواغيت كثيرة؛ لأن كل من عبد أو اتبع أو أطيع فيصدق عليه طاغوت، وهؤلاء كثيرون، ولكن رؤوسهم بالتتبع والاستقراء خمسة وما عدا هذه الخمسة فهو متفرع عنها.
قوله: "ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله"؛ لأنه الداعي إلى عبادة غير الله تعالى فهو أول الطواغيت. قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ١، والمراد بعبادة الشيطان: طاعته؛ فيدخل في ذلك جميع أنواع الكفر والمعاصي؛ لأنها كلها طاعة للشيطان وعبادة له.
قوله: "ومن عبد وهو راضٍ" هذا الثاني، والمعنى: من علم أن الناس يعبدونه ويتوسلون به ويصرفون له شيئًا من أنواع العبادة فرضي بهذه العبادة فهو طاغوت كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
قوله: "ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه" هذا الثالث. وهو الذي يدعو الناس إلى عبادته وتعظيمه، وهذا ينطبق على بعض مشايخ الضلال من
_________________
(١) ١ سورة يس، الآية: ٦٠. ٢ سورة الأنبياء، الآية: ٢٩.
[ ٢٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصوفية وغيرهم الذين يقرون بالغلو ويفرحون بتعظيم الناس لهم.
قوله: "ومن ادعى شيئًا من علم الغيب" هذا الرابع. وذلك كالمنجمين والعرافين والرمالين الذين يدعون شيئًا من علم الغيب والله جل وعلا يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ ٢ فعلم الغيب لا يكون إلا لله تعالى إلا من شاء الله تعالى من أنبيائه ورسله أن يطلعه على شيء من علم الغيب.
وقوله: "ومن حكم بغير ما أنزل الله" هذا الخامس؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣، وفي الآية الأخرى: ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤، وفي الآية الثالثة: ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٥، وهل هذه أوصاف متعددة لموصوف واحد؟ أو أنها لموصوفين مختلفين؟ من أهل العلم من قال: إنها أوصاف لموصوف واحد، يعني: أن الحاكم بغير ما أنزل الله باعتبار أنه جحود للشريعة يكون كفرًا، وباعتبار أنه مجاوزة لحق الإنسان واعتداء على حق الله تعالى في التشريع يكون
_________________
(١) ١ سورة الجن، الآيات: ٢٦، ٢٧. ٢ سورة الأنعام، الآية: ٥٩. ٣ سورة المائدة، الآية: ٤٤. ٤ سورة المائدة، الآية: ٤٥. ٥ سورة المائدة، الآية: ٤٧.
[ ٢٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ظلمًا؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه. ومن حيث إنه خروج عن شرع الله تعالى يكون فسقًا؛ لأن الفسق معناه: الخروج. ولا مانع أن الأوصاف هذه تنطبق على ذات واحدة؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١ يعني: الكافر يوصف بأنه ظالم. وقال تعالى: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٢ فوصفوا مع الكفر بالفسق. فقد يكون الشخص كافرًا ظالمًا فاسقًا؛ لأن الله تعالى وصف الكافرين بالظلم ووصفهم بالفسق.
ومن العلماء من قال: إن هذه الأوصاف تتنزل على موصوفين بحسب الحامل على الحكم بغير ما أنزل الله، فإذا حكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن حكمه أصلح أو أنه مثل حكم الله تعالى فهذا كافر كفرًا يخرج من الملة. أما إذا لم يحكم بما أنزل الله ولم يستخف به ولم يعتقد أن غير حكم الله أحسن فهذا يكون ظالمًا. أما إذا حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن حكم الله أنفع وأصلح وأن غيره لا خير في ولكنه حكم من أجل مجاراة للمحكوم له من أجل رشوة أو نحو ذلك فهذا يكون فاسقًا. فعلى هذا القول تنزل الأوصاف على حسب الحامل لهذا الحاكم٣.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢٥٤. ٢ سورة التوبة، الآية: ٨٤. ٣ انظر: "تحكيم القوانين" للشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، و"مدارج السالكين": "٢/٢٦٦"، و"القول المفيد": "٢/٢٦٦".
[ ٢٠٣ ]
والدليل قوله تعال: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
ــ
قوله: "والدليل قوله تعال: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ١" ساق المصنف ﵀ الدليل على أن الله تعالى افترض على العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. أما تعريف الطاغوت وذكر الطواغيت فإن المصنف لم يستدل عليه هنا وقد استدل عليه في رسائل أخرى٢. ومعنى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، أي: لظهور أدلة الدين وبراهينه فلا يكره إنسان على أن يعتنق الإسلام وإنما يعتنقه الإنسان بإرادته واختياره ولا منافاة بين هذه الآية والآيات الدالة على وجوب القتال والجهاد؛ لأن هذه الأدلة مراد بها إزالة العوائق في وجه الإسلام فإذا وقف أناس في وجه الإسلام أو قوة وقفت في وجه الإسلام فإنه يشرع القتال ويجب في هذه الحالة لإزالة هذه العوائق لكن لا يُلزم الإنسان بأن يعتنق الإسلام. وهذه الآية فيها خلاف بين المفسرين، فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة بآيات القتال. وضعف هذا المحققون كابن جرير وابن العربي والشوكاني وغيرهم٣. ومنهم من قال: إن هذه الآية محكمة وأنها خاصة باليهود والنصارى والمجوس. أما
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢٥٦. ٢ انظر: "مجموعة التوحيد" الرسالة السابعة: "ص٢٦٠". ٣ انظر: "تفسير ابن جرير": "٥/٤٠٧"، و"أحكام القرآن" لابن العربي: "١/٢٣٣"، و"فتح القدير": "١/٢٧٥".
[ ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوثنيون فإنهم يكرهون على الإسلام ويلزمون بالدخول فيه. وهو اختيار ابن جرير وجمع من المحققين. وعلى أي حال فالإنسان يعتنق الإسلام بإرادته واختياره وظهور تعاليمه وأدلته وبراهينه. وأما ما جاء في آيات القتال والجهاد فهذا لا ينافي الآية بل كل من وقف في وجه الإسلام من شخص أو من قوة فإنه يقاتل. أما أنه يلزم ويكره على اعتناق الإسلام فقد يعتنقه في الظاهر ولا يعتنقه في الباطن فيكون منافقًا.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ الرشد: هو الهدى الموصل إلى سعادة الدارين. والغي معناه: الضلال المفضي بالعبد إلى الشقاء والخسران.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ هذا هو معنى التوحيد؛ لأن التوحيد –كما ذكر الشيخ قبل قليل- لابد من الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وهذا أول ما فرض على ابن آدم.
وصفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها، وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم.
ومعنى الإيمان بالله: أن تعتقد أن الله هو الإله المعبود وحده دون من سواه وتخلص له جميع أنواع العبادة وتنفيها عن كل معبود سواه وتحب أهل الإخلاص وتواليهم وتبغض أهل الشرك وتعاديهم. ١ ولهذا قال
_________________
(١) ١ انظر: "مجموعة التوحيد"، "الرسالة السابعة": "ص٢٦٠".
[ ٢٠٥ ]
وهذا مَعْنَى لا اله إِلا اللهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: "رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجهاد في سبيل الله".
ــ
﵀: "وهذا معنى لا إله إلا الله"، أي: أن هذه الآية متضمنة للنفي والإثبات فتثبت جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له، وتنفي جميع أنواع العبادة عن غير الله تعالى، وقد تقدم بيان ذلك. وقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾، أي: تمسك، واستمسك أبلغ من تمسك. قال الراغب: استمسكت بالشيء: إذا تحريت الإمساك١. وقوله: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ العروة في الأصل: موضع شد اليد. والوثقى: تأنيث الأوثق. يقال: رجل أوثق وامرأة وثقى. والوثقى، أي: القوية التي لا تنفك. والمعنى –والله أعلم- فقد استمسك بالعقد المحكم الذي لا ينفك ولا ينفصم، وفيه بيان أن الذي يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله أنه قد أخذ بالطريق إلى الجنة؛ لأنه استمسك بالعروة الوثقى.
قوله: "وَفِي الْحَدِيثِ: "رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ" أراد المصنف ﵀ بهذا الحديث الاستدلال على أن لكل شيء رأسًا وأن رأس الأمر الذي جاء به محمد ﷺ هو الإسلام.
وقد جاء تفسيره في رواية أخرى بالشهادتين فمن لم يقر بهما باطنًا وظاهرًا فليس من الإسلام في شيء٢.
وقوله: "وعموده الصلاة"، أي: قوام الدين الذي لا يقوم الدين إلا به
_________________
(١) ١ "المفردات في غريب القرآن": "ص٤٦٨". ٢ انظر: "جامع العلوم والحكم" شرح الحديث: رقم "٢٩".
[ ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما يقوم الفسطاط على عموده هو الصلاة. وهذا دليل على عظم شأن الصلاة وأنها من الدين بهذا المكان العظيم. وأن مكانذها من الدين مكان العمود من الفُسطاط –وهو بيت من شعر- فهو قائم ما وجد العمود، ولو سحب العمود منه ما نفعت الأطناب وسقط البيت على الأرض. وفي هذا دليل على أن الذي يترك الصلاة لم يبق له دين ولذلك استدل الإمام أحمد ﵀ وغيره من أهل العلم الذين يقولون بأن تارك الصلاة كسلًا كافر استدلوا بهذا الحديث. ووجه الاستدلال أنه أخبر أن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة. فكما تسقط الخيمة بسقوط عمودها فكذا يذهب الإسلام بذهاب الصلاة١.
وليس في الحديث تعرض لكونه معترفًا بها أو جاهدًا لوجوبها. بل هو ظاهر في الترك مطلقًا. والله أعلم.
قوله: "وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله"، الذروة: بكسر الذال وضمها وفتحها. وذروة الشيء أعلاه. وذروة البعير سنامه وهو أعلى شيء فيه. وهذا الحديث يدل على أن الجهاد هو أعلى شيء في الدين؛ لأن الجهاد فيه بذل للنفس التي هي أغلى وأثمن شيء عند الإنسان.
وما ذكر المصنف ﵀ هو جزء من حديث معاذ بن جبل ﵁، وهو حديث طويل أوله: "قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: لقد سألت عن عظيم.. الحديث" ٢.
_________________
(١) ١ انظر: "كتاب الصلاة" لابن القيم: "ص٤٧، ٤٨". ٢ أخرجه الترمذي: "رقم٢٦١٦"، وابن ماجه: "رقم٢٩٧٣"، وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه أحمد من طرق. وانظر كلام ابن رجب عليه [الحديث التاسع والعشرون] .
[ ٢٠٧ ]
والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
ــ
قوله: "والله أعلم" ختم الشيخ رحمه لله هذه الرسالة المفيدة كغيره برد العلم إلى الله تعالى المحيط بكل شيء علمًا.
قوله: "وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم" جملة "صلى": خبرية لفظًا، إنشائية معنى؛ لأن الشيخ لا يريد مجرد الإخبار بأن الله صلى على محمد وإنما يريد الدعاء فالمعنى: اللهم صلّ والصلاة من الله تعالى على نبيه ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، أي: عند الملائكة المقربين. كما قال ذلك أبو العالية. ورواه البخاري في "صحيحه"١. وهذا أحسن ما قيل في معنى ذلك؟
وقوله: "وآله" فيهم خلاف. والأظهر أن الآل إذا ذكروا وحدهم، فالمراد: جميع أتباعه على دينه كما هنا. أما إذا قرنت بالأتباع فقيل: آله وأتباعه، فالآل: هم المؤمنون من آل بيته ﷺ.
وقوله: "وصحبه" اسم جمع صاحب، ويجمع على أصحاب، والمراد: أصحابه، وهم كل من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على ذلك، وعطفه من باب الخاص على العام.
قوله: "وسلم" معطوف على قوله "وصلى الله". وهي خبرية لفظًا إنشائية معنى، أي: اللهم سلمه، أي: من النقائص والرذائل والآفات،
_________________
(١) ١ انظر: "فتح الباري": "٨/٥٣٢"، وانظر: "فضل الصلاة على النبي ﷺ" للقاضي إسماعيل بن إسحاق الجهضمي: "ص٨٢".
[ ٢٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي الجمع بينهما سر بديع، ففي الصلاة حصول المطلوب وهو الثناء عليه، وفي السلام زوال المرهوب١.
وإلى هنا انتهى ما أردنا كتابته على هذه النبذة المفيدة نسأل الله تعالى أن يكتب الأجر لمؤلفها ومن شرحها وقرأها عاملًا بما فيها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) ١ انظر: "شرح العقيدة الواسطية" للشيخ محمد العثيمين: "١/٤٦".
[ ٢٠٩ ]