عاش الإمام ابن تيمية في عصر تبدلت فيه أحوال الأمة الإسلامية فكرا وسلوكا، وكان ذلك منذ أن بعدت عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وبذلك تخلفت عن الدور القيادي الذي قدره الله لها، وأمرها بأن تسير إليه على طريق الجهاد وكان أن أخذت الأمة من فكر غيرها مما لا يحكمه كتاب ولا سنة بقدر ما تركت من هذين المصدرين الرئيسين في شرعة الإسلام.
وارتفعت الصيحات المخلصة تدعو الأمة حكاما ومحكومين وعلماء وعامة إلى الأخذ بمنهج الإصلاح الذي صلحت به حال هذه الأمة من قبل، وهو العودة إلى الكتاب والسنة والاسترشاد بمفهوم السلف الصالح وتطبيقهم لما في الكتاب والسنة من المبادئ والمقومات البناءة للنهضة والإصلاح.
كان المرض لذي أصاب الأمة هو الزيف الفكري، والابتداع الزائف لشرع الله وسنة رسوله.
وقد أدى هذا الابتداع الزائف إلى صراع مرير بين دعاة الإصلاح عن طريق العودة إلى سلوك السلف من الصحابة والتابعين وبين أولئك الذين أعطوا أنفسهم حتى الإضافة والحذف كما يحلو لهم، وفيما ليس فيه حق.
واقتضى هذا الصراع ظهور مدارس متعددة تدور حول العقيدة والسلوك وهما حركة الإسلام.
وكانت أبين هذه المعارك وأظهرها صيحات شيخ الإسلام ابن تيمية في
[ ١١ ]
القرن الثامن الهجري في وجه التصوف والصوفية إذ حمله ابن تيمية تبعة كثير من مظاهر الفساد في الأفكار والابتداع في السلوك.
ولئن كان الحوار بين ابن تيمية وخصومه ساخنا وحادا ولاذعا باعتبار أن ابن تيمية كان يمثل الهجوم الذي يعني ببيان الحق ويميزه عن الباطل، ومع ذلك فلم يمنع خصومه من أن يوافقوه على هجماته على الصوفية في عصره.
ومن يدمن مطالعة مؤلفات ابن تيمية يمكن أن يدرك بسهولة أنه كان يميل إلى الزهاد الأوائل، ويمدح شيوخ التصوف المشروع، وفي الوقت نفسه كان ينعي على ابن عربي وأتباعه، ويربط بين الإشراقية والصابئة.
لقد رمي شيخ الإسلام ابن تيمية بالغلظة وتحجر القلب من جانب الصوفية
والحق أنه لم يكن غليظ القلب ولا متحجرا، ولكن طبيعة الحوار الساخن الذي دار بينه وبين خصومه وهو يدعو إلى وحدة الفكر والسلوك تحت لواء السلفية قد غطى على كثير من جوانب الرقة والروحية في شخصيته بل إنه كان يفيض رقة حين كان يأوي إلى المساجد المهجورة يناجي ربه أن يفتح عليه مغاليق الفكر في مسألة قائلا: "يا معلم إبراهيم علمني".
والحق أن ابن تيمية ركز هجومه على المدارس التي ظهر فيها إيهام الحلول والاتحاد كمدرسة ابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، والحلاج.
وقد تتبع ابن تيمية الأفكار التي أثرت في الحلاج من معاصريه أو من قريبي العهد من عصره كابن بسكويه "٣٦٩هـ" والحافظ البغدادي "٤٦٣هـ".
وأثبت باطنية الحلاج وادعاءاته الباطلة مثل فتوى إبليس، وبما جرى على لسانه من قوله: "أنا الحق" وهاجم اعتذار الصوفية عن الحلاج، وكشف أن الحلاج حاول خداعهم بمثل قوله: عليك بنفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك
[ ١٢ ]
بالباطل".
ولم يكن أن تيمية يعبر عن فكره في قضية الحلاج بل إنه حكم الشرع في أمره حيث حاول أن يسقط ركن الحج من الإسلام.
نأسف أشد الأسف لما أصاب التصوف على أيدي أهله من موبقات نرى أنها تمثل خطرا على العقيدة ذاتها، ويمكن إجمال تلك الأخطار فيما يلي:
١-فقد تطورت المصطلحات الصوفية الأساسية تطورا خطيرا نظرا للاستهواء الذي يفوح من أرجاء عالم التصوف، ونظرا لما يتبع الصفاء الروحي من شفافية قد حجبت الكثافة المادية إلى ما وراءها من المعاني كل ذلك أدى إلى تطور خطير في المصطلح ابتعد به عن أصله الصحيح إلى تفريعات باطلة لا أصل لها من دين، في الوقت الذي تنضح فيه بالابتداع.
فمثلا مصطلح "المريد". وهو من الإرادة: والإرادة في المصطلح العلمي السلوكي الذي يمكن أن نسميه بالمصطلح الصوفي هي عملية تسبق النية في العمل، إذ يحدد العامل إرادته من عمله، لماذا يعمل هذا العمل، وحينما يحدد إرادة الله يبدأ في تصفية إرادة الله من كل شائبة ومن كل خاطر يختلط بتلك الإرادة فيفسدها.
هذا التحديد هو الإرادة، وفاعله هو المريد. ولكن هذا المصطلح تطور فأصبح المريد هو مريد الطريقة، ثم تطور فأصبح المريد هو مريد شيخ بعينه..فمن إرادة الله إلى الشيخ كانت بلايا لا يعرف مداها إلا الله والراسخون في العلم.
٢-وترتب على فساد المصطلح هكذا عدوان على العقيدة ذاتها. فالشيخ الجاهل قد استهواه اجتماع مريديه من حوله، وأصبح مشغولا بالحفاظ على المجد الدنيوي الذي يجمع الناس من حوله طائعين لأمره، مبجلين،
[ ١٣ ]
خاضعين لسلكانه ومن ثم ابتدعت تعليمات وقواعد لآداب المريد شيخه منها:
أ-ألاّ يسيء الظن بشيخه ولو رآه على كبيرة من الكبائر!!؟ وهنا اختلفت التعليلات.
فمن قائل: إن الشيخ له حال مع الله لا يعلمها إلا الله فلا يجوز الاعتراض عليه.
ومن قائل إن الشيخ مرشد وليس بمعصوم
ولكننا في كلا الحالتين لا ندري علة شرعية لتعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولأصل النصح لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم.
وكيف يمتنع الاعتراض على شيخ مرتكب للكبيرة، ولم يمتنع الاعتراض على رسوله ﷺ من عمر حين ذهب للصلاة على زعيم المنافقين ومنه ومن غيره في صلح الحديبية.
ب-ألا يجلس على سجادته ولا يأكل في حضرته ولا يستعمل ما يستعمله الشيخ من وسائل الحياة لئلا يلحقه المقت من الله!!؟
وعللوا هذا بأن حال الشيخ في سجادته فربما كان حالا لا يطيقه المريد فيضطرب أمره!!؟
وتلك فرية ما علمنا لها أصل من شرع الله ولا في سنة رسوله أبدا.
ج-أن يصور شيخه بين عينيه حين الذكر ولا يدع صورته أبدا حتى يغيب في الذكر وهذا شرك واضح لا يحتاج إلى بيان.
د-أن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله لا يتحرك ولا يتكلم!!؟
هـ-أن يطيع شيخه طاعة عمياء ولو لم يعلم لأمره إياه حكمة ظاهرة!!؟
[ ١٤ ]
وغير هذا كثير مدون في آداب المريد مع شيخه في كتب السلوك الصوفي خلاصتها "عبادة الفرد" أو إذلال المسلم والحجر على فكره ولو كان أمرًا بمعروف أو نهيا عن منكر.
تلك بعض البلايا التي تطور إليها السلوك الصوفي، والتي كان بعضها أو كلها موجودا في عصر ابن تيمية، مما يعطي هذا الإمام حقه كاملا في الدفاع عن الإسلام، وفي شجب كل ما يهدده من الأوهام من قريب أو من بعيد سدا للذريعة، منعا للجريمة قبل وقوعها
ومع كل ذلك فلم نعلم التصوف قد تطور في عصرنا الحاضر إلى شيء نافع للإسلام والمسلمين اللهم إلا حشد من جهلاء المشايخ ضاع بينهم المخلصون وطقوس وثنية من الطبل والزمر والبكاء والتعرية أثناء ذكر الله..ثم الرقص والشبع، ثم الاختلاط المزري بين الجنسين، ثم دنيا المجاذيب بما فيها من الأحوال المزعومة التي لا يجوز الاعتراض عليها من مخلوق وإلا حاقت بالمعترض لعنة الله!!؟
نسأل الله ﵎ السلامة في ديننا ودنيانا، المغفرة من كل ذنب، والعصمة من كل أمر.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
[ ١٥ ]