وقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحاح من رواية أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ أن حاطب بن أبي بلتعة كاتب كفار مكة لما أراد النبي ﷺ أن يغزوهم غزوة الفتح، فبعث إليهم امرأة معها كتاب يخبرهم فيه بذلك، فجاء الوحي إلى النبي ﷺ بذلك، فبعث عليا والزبير فأحضرا الكتاب، فقال: "ما هذا يا حاطب"؟ فقال: والله يا رسول الله ما فعلت ذلك أذى ولا كفرا، ولكن كنت امرءًا ملصقا من قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من أصحابك لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأردت أن أتخذ عندهم يدا أحمي بها قرابتي، فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "إنه شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآيات٢.
_________________
(١) سورة الممتحنة، آية:١.
[ ٣١ ]
وثبت في صحيح مسلم أن غلام حاطب هذا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله والله ليدخلن حاطب النار، وكان حاطب يسيء إلى ممالكيه. فقال النبي ﷺ: "كذبت، إنه قد شهد بدرا والحديبية". وقال ﷺ: "لا يدخل النار واحد بايع تحت الشجرة" ١.
فهذا حاطب قد تجسس على رسول الله ﷺ في غزوة فتح مكة التي كان ﷺ يكتمها عن عدوه، وكتمها عن أصحابه، وهذا من الذنوب الشديدة جدا، وكان يسيء إلى مماليكيه.
وفي الحديث المرفوع. " لن يدخل الجنة سيء الملكة" ٢.
ثم مع هذا لما شهد بدرا والحديبية غفر الله له ورضي عنه، فإن الحسنات يذهبن السيئات.
فكيف بالذين هم أفضل من حاطب وأعظم إيمانا وعلما وهجرة وجهارا، فلم يذنب أحد قريبا من ذنوبه؟!
ثم إن أمير المؤمنين عليا ﵁ روى هذا الحديث في خلافته، ورواه عنه كاتبه عبيد الله بن أبي رافع، وأخبر فيه أنه هو الزبير ذهبا لطلب الكتاب من المرأة الظعينة، وأن النبي ﷺ شهد لأهل بدر مما شهد، مع علم أمير المؤمنين بما جرى، ليكف القلوب والألسنة عن أن تتكلم فيهم إلا بالحسنى، فلم يأت أحد منهم بأشد مما جاء به حاطب، بل كانوا في غالب ما يأتون به مجتهدون.
وقد قال النبي ﷺ: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد
_________________
(١) وأخرجه أيضا الترمذي في المناقب باب ٥٧-٥٨ وغيرهما.
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه في الأدب باب ١٠، والإمام أحمد بن حنبل في المسند ١/٤،٧-١٢.
[ ٣٢ ]
فأخطأ فله أجر" ١ وهذا حديث حسن مشهور.
وثبت عنه أيضا أنه لما كان في غزوة الأحزاب فرد الله الأحزاب بغيظهم لم ينالوا خيرا، وأمر بقصد بني قريظة قال لأصحابه: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة".
فأدركتهم الصلاة في الطريق، فمنهم قوم قالوا: لا نصليها إلا في نبي قريظة، ومنهم قوم قالوا: لم يرد منا تفويت الصلاة، إنما أراد المسارعة، فصلوا في الطريق، فلم يعنف النبي ﷺ واحدة من الطائفتين.
وكانت سنة رسول الله صلى الله عليه ولم هذه موافقة لما ذكره الله تعالى في كتابه حيث قال: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ٢.
فأخبر ﷾ أنه خص أحد النبيين بفهم الحكم في تلك القضية وأثنى على كل منهما بما آتاه من العلم والحكم.
فهكذا السابقون والأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه "كانوا"٣ فيما تنازعوا فيه مجتهدين طالبين للحق.
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في الاعتصام باب ٢٠-٢١ ومسلم في الأقضية حديث رقم ١٥،وأبو داود في سننه في الأقضية باب ٢، والنسائي في سننه في كتاب الأحكام باب٢، وفي القضاة باب٣، والإمام أحمد في المسند ٤/١٩٨-٢٠٤-٢٠٥.
(٢) سورة الأنبياء، آية:٧٨.
(٣) ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل.
[ ٣٣ ]