إن الله ﷾ بعث محمدا بالكتاب والحكمة ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ﴾ ٢.
وقال لأزواج نبيه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ٣.
والذي كان يتلوه هو رسول الله ﷺ في بيوت أزواجه: كتاب الله والحكمة.
فكتاب الله هو القرآن، والحكمة هي ما كان يذكره من كلامه، وهي سنته. فعلى المسلمين أن يتعلموا هذا وهذا.
_________________
(١) سورة آل عمران، آية ١٦٤.
(٢) سورة البقرة، آية: ٢٣١
(٣) سورة الأحزاب، آية:٣٤.
[ ٢١ ]
وفي الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وغيره عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ستكون فتنة. قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعى إليه هدى إلى صراط مستقيم ١.
وقال الله تعالى في كتابه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٢.
وقال في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٣.
فذم الذين تفرقوا فصاروا أحزابا وشيعا، وحمد الذين اتفقوا وساروا جميعا معتصمين بحبل الله الذي هو كتابه شيعة واحدة للأنبياء.
كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ٤ وإبراهيم هو إمام الأنبياء كما قال تعالى:
_________________
(١) الحديث أخرجه الترمذي في ثواب القرآن باب ١٤. والدارمي في المسند، في كتاب فضائل القرآن باب١. والإمام أحمد في المسند ٩١١١.
(٢) سورة آل عمران، آية:١٠٣.
(٣) سورة الأنعام، آية:١٥٩.
(٤) سورة الصافات، آية:٨٣.
[ ٢٢ ]
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
إلى أن قال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
وكان النبي ﷺ يعلم أمته أن يقولوا إذا أصبحوا: "أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد ﷺ وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين" ٤.
وقال النبي ﷺ: " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، فلا ألفين رجلا شبعان على أريكته يقول: بيننا وبينكم هذا القرآن، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، ما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا إني أوتيت الكتاب ومثله ومعه" ٥.
فهذا الحديث موافق لكتاب الله، فإن ذكر في كتابه أنه "ﷺ"٦
_________________
(١) سورة البقرة، آية:١٢٤.
(٢) سورة النحل، آية:١٢٠.
(٣) سورة النحل، آية:١٢٣.
(٤) أخرجه الدارمي في مسنده، كتاب الاستئذان باب ٥٤. والنسائي في سننه، كتاب السهو باب ٦٢. والإمام أحمد في المسند ١/٤، ٦٣،٣/٤٠٦،٤٠٧،٥/١٢٣.
(٥) أخرجه ابن ماجة في سننه، في المقدمة باب٢، والترمذي في العلم باب١٠، والإمام أحمد ٤/١٣٢.
(٦) مابين المعقوفتين سقطت من الأصل.
[ ٢٣ ]
يتلو الكتاب والحكمة، وهي التي أوتيها مع الكتاب.
وقد أمر في كتابه بالاعتصام بحبله جميعا، ونهى عن التفريق، الاختلاف، و"أمر"١ أن نكون شيعة واحدة، لا شيعا متفرقين، وقال الله تعالى في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٢.
فجعل المؤمنين إخوة، وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل مع وجود الاقتتال والبغي.
وقال النبي ﷺ: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" ٣.
وقال: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" ٤ وشبك بين أصابعه.
فهذه أصول الإسلام التي هي الكتاب والحكمة، والاعتصام بحبل الله جميعا "واجب" على أهل الإيمان للاستمساك بها.
_________________
(١) مابين المعقوفتين سقطت من الأصل.
(٢) سورة الحجرات، آية: ٩،١٠.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب باب ٢٧. ومسلم في صحيحه في كتاب البر حديث ٦٦-٦٧. والإمام أحمد في المسند٤/٢٦٨-٢٧٠-٢٧٤-٢٧٦-٢٧٨-٣٧٥. وأورده الإمام السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم ٨١٥٥ وعزاه إلى الإمام أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير، وأشار إلى صحته.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة باب٨٨، وفي كتاب الأدب باب٣٦،=
[ ٢٤ ]