_________________
(١) نبذة تاريخية: كلمة المرجئة من أرجأ أي أمهل وأخر وقد ذكر أن أصل هذه الفرقة هم الجماعة الذين امتنعوا من الدخول في الفتن بين عثمان وصحبه وبين علي ومعاوية ﵃ ثم تطورت بعد ذلك إلى القول في أصل الإيمان والكفر وسائر الاعتقادات وكانت لهم أقوال خالفوا بها الشيعة والخوارج، وكانوا بها على الطرف الآخر من الإفراط وكان مؤدى قولهم شيوع الفساد والمجاهرة بالمعاصي بين العامة. يقول المودودي: "بدأت هذه الفرقة أيضًا تبني لرأيها نظريات دينية مستقلة خلاصتها: الإيمان هو الاعتراف بالله والرسول ﷺ فحسب، والعمل ليس ضروريًا للإيمان وعلى هذا فالمرء يبقى مؤمنًا حتى لو كان تاركًا للفرائض مرتكبًا للكبائر. أن أساس النجاة هو الإيمان فحسب وأي معصية – مع وجود الإيمان – لا تلحق بالمرء ضرًا ولا أذى وزاد بعض المرجئة على ذلك فقالوا: إن الكبائر التي هي دون الشرك مغفورة لا محالة، ووصل البعض الآخر إلى أكثر من هذا إذ قالوا إذا كان المرء يؤمن بقلبه وأعلن الكفر بلسانه حتى في دار الإسلام حيث لا خوف من أحد أو عبد الأصنام أو تهود أو تنصر فهو كامل الإيمان وولي الله من أهل الجنة، فشجعت هذه الأفكار على إرتكاب المعاصي والفسق والفجور والظلم والجور. وجعلت الناس يجرؤون على مقارفة الذنوب وارتكاب الكبائر معتمدين على غفران الله" راجع "الخلافة والملك" للمودودي ص ١٤٥ و"الملل والنحل" لابن حزم جـ٤ ص ٢٠٤. أما عن خلف هؤلاء فهم أقرب ما يكون منهم، وإن لم يلزم تطابقهم مع سلفهم في كل قول فإن اسم الفرقة ينسحب على عدد من الآراء المتعددة المنضوية تحت أصل واحد لاتحاد مواردها ومشاربها. ومن أهم النقاط التي اتفقوا فيها مع سلفهم هو أنه لا يمكن الحكم على شخص بالكفر ولو أتى بأعمال الكفر كلها استنادًا إلى أنه لم يجحد، فالإيمان عندهم التصديق، والكفر هو التكذيب، وما لم يكذب فلا يكفر بعمل أيا كان بل يكون عمله كفر عملي لا يخرج من الملة! فتأمل.
[ ٧٧ ]
الفصل الأول
مجمل أقوال المرجئة
تدور مفاهيم الأرجاء – قديمًا وحديثًا – حول ثلاث نقاط رئيسية ليس لهم عليها دليل، وإنما هو التناقض في فهم الكتاب والسُّنَّة، وانحراف مناهج الاستدلال (١) كما ذكرنا من قبل.
وسنورد إن شاء الله تعالى هذه النقاط، ثم نعقبها بالرد ما تيسر لنا ذلك.
النقطة الأولى:
وهي تدور حول مفهوم الإيمان، فقد انقسموا إلى ثلاثة أقوال على الجملة:
أن الإيمان مجرد ما في القلب – أي قول القلب – ثم منهم من يدخل فيه أعمال القلب ومنهم من لا يدخلها.
_________________
(١) وأما عن مناهج استدلالهم فسيأتي بيانها في مبحثنا التالي إن شاء الله تعالى عن "أصول الفكر والنظر عند أهل السنة والجماعة" وسنعرض فيه بإذن الله تعالى إلى مآخذ كل من المرجئة والخوارج في طرق استدلالهم، وحجياتهم التي يقيمون عليها مذاهبهم في فهم نصوص الكتاب والسنة، ومنها ما أخذه المرجئة من أنه ليس للعموم صيغ بالمرة تدل على الاستغراق، وأن هذه الصيغ – مثل الجمع المعرف بأل، ومن في معرض الشرط والفكرة في سياق النفي، ولفظ كل وجميع وأمثال ذلك من صيغ العموم – لا تدل على الاستغراق لغة وشرعًا، وما اتبع ذلك من استدلال على مذهبهم المنقوض.. إلى غير ذلك من طرق استدلالهم سواء في اللغة ودلالاتها أو في القواعد الأصولية اللغوية أو الشرعية أو في اعتبار الدليل الشرعي والدليل العقلي وعلاقة كل منهما بالآخر.
[ ٧٨ ]
أن الإيمان هو مجرد قول اللسان، وهو قول الكرامية (١) .
أن الإيمان تصديق القلب وقول اللسان.
يقول ابن تيمية: "والمرجئة ثلاث أصناف:
الذين يقولون الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم.
والقول الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان. وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.
والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم" (٢) .
وقال بعضهم: (٣) إن الكفر هو التكذيب لأن الإيمان عندهم مرادف للتصديق، وقد رد ابن تيمية على ذلك ردًا مفصلًا أوضح فيه مفارقة الإيمان للتصديق لفظًا ومعنى، لغة وشرعًا من عدة وجوه نذكر منها الوجه المقصود للتفرقة بين كفر التكذيب ومطلق الكفر قال:
_________________
(١) يقول الإمام ابن تيمية عن الكرامية: "وهم الذين قالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق في الظاهر فإذا فعل ذلك كان مؤمنًا وإن كان مكذبًا في الباطن، وسلموا أنه معذب مخلد في الآخرة، فنازعوا في اسمه لا في حكمه. ومن الناس من يحكي عنهم أنهم جعلوهم من أهل الجنة وهو غلط عليهم، ومع هذا فتسميتهم له مؤمنًا بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنة وإجماع السلف. وهذه البدعة الشنعاء هي التي انفرد بها الكرامية دون سائر مقالاتهم"اهـ. راجع الإيمان الأوسط ص ١٧.
(٢) "الإيمان" ص ١٦٧ وانتبه إلى أنه عد من قال إن الإيمان تصديق القلب وقول اللسان من المرجئة بصريح عبارته! وهو المشهور عند الأشاعرة.
(٣) راجع "الإيمان الأوسط" من مجموعة فتاوى ابن تيمية جـ ٧ ص ٥٤٣ وبعدها.
[ ٧٩ ]
"إن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب، كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت. ويقال صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب، له بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر يقال هو مؤمن أو كافر. والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره أعظم، فلو كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيبًا ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعًا بلا تكذيب، فلابد أن يكون الإيمان تصديقًا مع موافقة وموالاة وانقياد، ولا يكفي مجرد التصديق فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان، كما كان الامتناع عن الانقياد مع التصديق جزء مسمى الكفر، فيجب أن يكون كل مؤمن مسلمًا منقادًا للأمر، وهذا هو العمل" (١) .
وقد سبق أن بينا من قبل مركبات الإيمان كما هي عند أهل السُّنَّة وأدلتهم عليها، وشرحنا مقام الجحود في إثبات الكفر، ومقام التصديق في إثبات الإيمان فلا معنى للإعادة.
النقطة الثانية:
أن من قال لا إله إلا الله بلسانه كان مؤمنًا مسلمًا يدخل الجنة، اعتمادًا على فهم قاصر لأحاديث وردت عن رسول الله ﷺ، كقوله ﷺ: "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" (٢) وغيرها اعتقادًا منهم أن مجرد النطق بالشهادتين كاف لإثبات حقيقة الإسلام الذي ينجو به صاحبه من الخلود في النار!.
النقطة الثالثة:
أن الإيمان لا تضر معه معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والاعتماد على غفران الله سبحانه الذي وردت به الآيات التي تصف الله سبحانه بالرحمة والمغفرة وغفران الذنوب، كقوله تعالى: "إن الله غفور رحيم" (٣)
_________________
(١) "الإيمان" ص ٢٥٠.
(٢) رواه مسلم.
(٣) المائدة ٣٩.
[ ٨٠ ]
أو قوله تعالى: "إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم" (١)، إلى غير ذلك من الآيات التي تحمل نفس هذا المعنى من رحمة الله ﷿ ومغفرته.
هذه هي النقاط الثلاث التي يدور حولها فكر الإرجاء – قديمًا وحديثًا – والتي تأثر بها بعض "دعاة الإسلام" تأثرًا شديدًا دون علم بالأصول التي ينحدر منها هذا الفكر.
وسنحاول – إن شاء الله تعالى – فيما يأتي – أن نرد على هذه الشبهات – الثانية والثالثة – بعد أن بينا مذهب أهل السُّنَّة والجماعة في الأول وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وحقيقة الإيمان ومقام التصديق فيه. والله أعلم.
الفصل الثاني