عن جابر بن عبد الله الأنصاري: "أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهَدْي هَدْي محمد - ﵌ -، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (^١).
وسكوت السَّلَف ــ ومنهم إمامك ــ عن بيان استحباب هذا الأمر، وعدم فعلهم له كاف في الدلالة على أنَّه ليس من الدين، وأنَّ زَعْمَ أنَّه من الدِّين إحداثٌ في دين الله، وكذبٌ على الله.
على أنَّنا نرى أنَّ لهذا العالِم الذي تحتجُّ بقوله عذرًا يخرجه من زُمْرة المبتدعين الخاطئين، ويكون به من جملة المخطئين المعذورين، المأجورين إن شاء الله تعالى. وأمَّا أنت فلا عذر لك.
وإنَّما مَثَلُه مَثَل رجل عالِم تزوج امرأة، فأُهْدِيَت إليه أختها، فظنَّها زوجته فعاشرها معاشرة الأزواج حتى مضى لسبيله ولم يعلم بالحقيقة، فهذا معذور مأجور؟
ومَثَلُك مَثَل رجل أُهْديَت إليه أخت امرأته، فأُخْبِر بذلك قبل أن يقرَبَها، أو بعدما عاشرها مدَّة، فهل له بعد الإخبار أن يستمر على معاشرة أخت امرأته مقتديًا بذلك العالِم؟
وإذا لم يؤثِّر فيه هذا فقل له: إن لم يتبيّن لك الأمر فعليك الاحتياط، واعلم أنَّك إن تركت هذا الأمر كان لك أسوة بِمَن تَرَكَه، من نبي الله - ﵌ - وأصحابه، ومن بعدهم من الصدِّيقين والشهداء والصالحين إلى قرون عديدة، وحسن أولئك رفيقًا.
_________________
(١) تقدَّم تخريجه (ص ٨٧) وأنَّه عند مسلمٍ.
[ ٦ / ١٠٦ ]
وإن عَمِلْتَه لم تكن [لك] (^١) أسوة إلَّا بذلك العالِم المقلِّد، ولعلَّ له عذرًا ليس لك مثله.
وأقصى ما في هذا الأمر أنَّ الظاهر أنَّه بدعة، وهناك شُبْهَة ضعيفة بأنَّه مستحب، فما هو الأحوط؟ وقد صحَّ في الحديث [عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنةً لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: قد أرضعتُ عقبة والتي تزوَّجَ، فقال لها عقبة: ما أعلم أنكِ أرضعتِني، ولا أخبرتِني، فأرسل إلى آل أبي إهاب يسألهم، فقالوا: ما علمنا أرْضَعَتْ صاحبنا، فركب إلى النبي - ﵌ - بالمدينة، فسأله، فقال رسول الله - ﵌ -: "كيف وقد قيل؟ " ففارقها ونكحت زوجًا غيره (^٢)] (^٣).
وأمَّا تقليد من اشتهر بالصلاح وليس بمجتهد فالفتوى من حيث هي مَدَارها على العلم والعدالة، فإذا كان المشهور بالصلاح عالمًا بالعلوم الشرعية فهو بمنزلة من كان مثله في العلم من العُدُول ولم يشتهر بالصلاح، وإنَّما الإخبار عن الشرع بمنزلة الشهادة.
فكما أنَّ الشريعة قَضَت في القضاء أنَّ شهادة شاهِدَين عَدْلَين لم يشتهرا بالصلاح وشهادة شاهِدَين عَدْلَين مشهورَيْن بالصلاح والولاية سواء= فهكذا حال الفتوى.
بل لو قيل برجحان فتوى العَدْل الذي لم يشتهر بالصَّلاح لَمَا كان بعيدًا؛ لأنَّ الصالحين اشتهروا بسلامة القلب إلى حدِّ الانخداع، وتحسين
_________________
(١) في الأصل: "له".
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٤٠) وغيره.
(٣) بيَّض المؤلف للحديث، وأشار إليه في هامش الصفحة بقوله: "كيف وقد قيل"، فأكملته.
[ ٦ / ١٠٧ ]