واختلط الأمر على أمِّها ونسائها، فتارةً يقُلْنَ: إنَّه سِحْرٌ، وتارة يقُلْنَ: إنَّه من الشيطان، وتارة يقُلْنَ: مرضٌ. أمَّا أنا فلم أشك أنَّه مرض، ولكنِّي جوَّزت أن يكون الشيطان ربَّما يَعْرِض للمريض فيخيِّل له ويسوِّل، كما يَعْرِض لمن يقع سببٌ يُغْضِبه فينفخ فيه ويزيد في إشعال غَضَبه.
وأرى أنَّ ما اشتهر عن جماعة من الصَّالحين قبلنا أنَّهم كانوا يرقون المصروع ونحوه فيفيق= أنَّ ذلك حقٌّ، وأنَّ ما يقع للمُعَزِّمين من معالجة المصروع ونحوه بالأعمال المحظورة شرعًا فيفيق= أمر واقع.
وإنَّما الفرق: أنَّ الصالحين عندهم من الإيمان واليقين ما يستجاب به دعاؤهم فيُطْرَد الشيطان، وأنَّ المُعَزِّمين يُرْضُون الشيطان بالأعمال المحظورة فيفارق المريض، وإذا فارق الشيطان المريض خَفَّت وطأة المرض.
لا أرى أنَّ الصَّرَع من أصله من فعل الشَّيطان، بل أرى أنَّ الشيطان يَعْرِض لمن يعتريه ما يُضْعِف عقله فتتضاعف عليه عوارض المرض.
وجوَّزت أن يكون اقترنت بالمرض عينٌ خبيثة؛ لأنَّه كانت قُبَيْل المرض في بيتي دعوة، وكانت المريضة تكرِّر في هذيانها طلب الشكوى من عدم إعطائها من الأطعمة التي طُبِخَت للدَّعوة، مع أنَّ الأطعمة كانت تحت يدها، وكان يظهر من بعض كلامها أنَّها تتخيَّل امرأةً تؤذيها.
فقلت: العين حق، ويمكن أن تكون مرَّت على الباب امرأة فشاهدت الأطعمة ولم تُعْطَ منها فبَقِيَتْ نفسُها متعلِّقة بها.
وعلى كلِّ حالٍ فقد كنتُ أعالج زوجتي بالأدوية التي يشير بها الطبيب، وأرقيها بالرقية النبوية وغيرها من الآيات والأدعية، وألحَّت أمها ونساؤها
[ ٦ / ١٠٣ ]
في أن نذهب بها إلى بعض من عُرِف بالرُّقية، فتطييبًا لنفوسهنَّ قلتُ: على شرط أنَّه إذا أشار بذبحٍ أو تقريبٍ أو فعل شيء لا ينفَّذ ذلك، فإنِّي أخشى أن يكون في ذلك ضررٌ أكبر من هذا الضَّرر.
فمِن لطف الله تعالى بي أنَّ ذلك الرجل لم يُشِر بشيء من ذلك، وإنَّما أعطاهم تميمةً لا أدري ما كُتِب فيها، وأشار بِشمِّ الحِلْتِيت (^١) ونحوه.
فأمَّا شمُّ الحِلْتِيت ونحوه فقد أشار به الأطباء، وأمَّا التَّميمة فإنَّهنَّ رَمَيْنَ بها لمَّا رأينَ أنَّ المرض زاد بعد تعليقها.
ثم قال لي بعض أصحابي: إنَّ هاهنا رجلًا صالحًا يرقي من هذه الأمراض، وقد انتفع به كثير، حتى إنَّه إذا وصل قريب البيت الذي فيه المريض يصيح الجنِّي بلسان المريض: سأخرج ولا أعود، لا تحرقني، وأشباه ذلك.
فقلتُ له: وما رقيته؟ قال: يقرأ شيئًا من كتاب الله والأدعية، ثم بعد أن يفيق المريض يعطيه سِوارًا من صُفْر قد نُقِش عليه أسماء.
فقلتُ: أمَّا السِّوار الصُفْر فلا يجوز، وأمَّا الرقية بالقرآن والدعاء فلا بأس. فذهب صاحبي ليدعو ذلك الرَّاقي، ثم بدا لي فأرسلت إلى صاحبي أن لا يَدْعُوه، فلم يدْعُهُ، ولكنَّه أخذ منه تميمة وكانت مكشوفة، فأخذتها منه فإذا فيها أسماء وأدعية وآيات، ولكنها في جداول، وبعضها بحروفٍ مقطَّعةٍ، وبعضها بالأرقام الهندية، والكتابة كأنَّها بليفة الزَّعفران، فأحَرْقْتُها.
_________________
(١) الحِلْتِيت: صمغ يستخرج من نبات يسمَّى الأنجدان، له خواص علاجية عديدة. يُنْظَر: "التَّذكرة" لداود الأنطاكي (ص ١٣٠)، و"الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" لابن البيطار (١/ ٢٨٣)، و"معجم الأعشاب المصوَّر" لمحسن عقيل (٢/ ١٦٣).
[ ٦ / ١٠٤ ]