صفةٍ مخصوصةٍ، ويتعلَّقها المَحْمُوم، فكنت أنا أكتب ذلك لِمَن به حُمَّى، فكانوا يقولون: إنَّها تنقطع الحُمَّى عنهم، حتى لقد كتبتها لرجل في تهامة فعاد إليَّ بعد مدَّةٍ، وأخبرني أنَّه علَّقَها فلم تعاوده الحُمَّى، وأنَّ رجلًا من أصحابه أصابته الحُمَّى، فأعطاه تلك التَّميمة عينها فانقطعت عنه، وأظنُّه ذكر ثالثًا، وقال: إنَّ تلك التَّميمة اشْتَهَرت في قريتهم، فصار كل من أصابته الحُمَّى يستعيرها، ثم إنِّي تدبَّرت أحكام السنة والبدعة ووقفت على ما ورد في التَّمائم فامتنعت من كتابة (بدُّوح)، حتى إنَّه يُصاب ولدي وغيره ممَّن يعزُّ عليَّ بالحُمَّى فتحدِّثُني نفسي أن أكتبها فأمتنع، أسأل الله تعالى أن يوفقني لما يحبُّه ويرضاه. وأقول كما قال النبي - ﵌ -: "يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك" (^١)، اللَّهم لا تكلني إلى نفسي، فإنَّك إن تكِلْني إلى نفسي تكلني إلى ضعفٍ وعورةٍ وعجزٍ.
والمقصود: أنَّ الاستناد إلى التَّجربة وإن كثر من المتصوِّفة ونحوهم ليس حُجَّة، ولا شِبْه حُجَّة، ولم يقل بأنَّه حُجَّة أحدٌ من سلف الأمة، ولا أحد من الأئمَّة والعلماء الرَّاسخين.
وقد رأيتُ جماعة من الناس يعتمدون في أمور دنياهم على القُرْعة
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢١٤٠)، وأحمد (٣/ ٢٥٧)، والحاكم (١/ ٥٢٦)، وغيرهم، من حديث أنس ﵁. وقد حسَّنه الترمذي، وصحَّحه الحاكم. وفي الباب حديث النواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو، وأم سلمة، وعائشة، وغيرهم ﵃. ويُنْظَر: "السلسلة الصَّحيحة" للألباني (٢٠٩١).
[ ٦ / ٩٨ ]
والفأل، إمَّا بالنَّظر في المصحف أو كتاب آخر، وإمَّا بالسُّبحة ونحوها.
ويمكن أن يغلو بعضهم فيعتمد مثل ذلك في إثبات الأحكام الدينية، وذلك جهل وضلال.
وقد حُكِي أنَّ بعض الطُّغاة ــ وكان اسمه الوليد ــ تفاءَلَ في المصحف يومًا، فوقع على قول الله ﷿: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، فمزَّق المصحف ورمى به، وقال:
تُهَدِّدُني بجبَّارٍ عنيدٍ فَهَا أنَا ذاكَ جَبَّارٌ عنيدُ
إذا ما جئتَ ربَّك يوم حَشْرٍ فقل: يا ربِّ مزَّقني الوليدُ (^١)
وهذه الطريقة التي اعتادها الناس في التَّفاؤل قبيحة جدًّا، فإنَّه ربَّما يريد شراء دار ــ مثلًا ــ فيتفاءل، فيَظْهَر الفألُ بما يراه أمرًا بالشراء، ثم يظهر له بالدلائل العادية أنَّ شراءها ضررٌ عليه في دينه ودنياه، فإن غلا بعضهم واستعمل مثل هذا في الأمور الدِّينية كالحج، بأن يستخبر الفأل، أَيَحجُّ أم لا؟ فربَّما خرج الفأل [ينهى] (^٢) عن الحج.
_________________
(١) الطاغية المقصود هو: الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، أحد ملوك بني أميَّة، قتل سنة ١٢٦ هـ. والخبر في: "المنتظم" لابن الجوزي (٧/ ٢٤١)، و"الكامل" لابن الأثير (٤/ ٤٨٦)، و"الأغاني" للأصفهاني (٦/ ١٢١)، و"نهاية الأرب" للنويري (٢١/ ٢٩٤)، وغيرها من مصادر التاريخ والأدب بنحو سياق المؤلِّف، وفيها: أنَّه نصب المصحف ثم رماه بسهمٍ، ثم أنشد البيتين. ولفظهما في بعضها: "أَتُوْعِدني" بدل "تهددني"، و"خرَّقني" بدل "مزَّقني".
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٦ / ٩٩ ]