مر معنا في أثناء العرض التاريخي الموجز للبدع بعض الأسباب التي أدت لظهور البدع، ويمكن هنا أن نذكر تلك الأسباب وغيرها على سبيل الإيجاز، والأسباب على ضربين:
أحدهما: سبب قدري أزلي: وهو معنى قوله تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) فالله جل وعلا قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة، على إيمان أو على كفر، كما قال سبحانه: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا)، ولكنه سبحانه أراد كونًا لحكمة تقتضيها هذه الإرادة أن: (لا يزال في الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم.
قال عكرمة: (مختلفين في الهدى) .. قال تعالى:
(ولا يزالون مختلفين غلا من رحم ربك) .
فإن الله - سبحانه - أراد قدرًا أن يكون هذا الخلق صائرًا إلى الرحمة أو الاختلاف، وهذه هي الغاية التي غليها يصيرون، وهي مرادة بخلقه - سبحانه - وهي العاقبة الكونية التي قدرها أزلًا، بعد أن هدى الناس بالدلالة والإرشاد، إذ
[ ١ / ١٧٢ ]
أوجد الفطرة القابلة، والعقول الباصرة، وأرسل الرسل الهادية، والكتب الدالة (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) وهذا الاختلاف الوارد في الآية يقصد به: الاختلاف في أصل الملة على أديان شتى كاليهودية والنصرانية.
ويقصد به كذلك الاختلاف بين أهلة ملة الإسلام وهو على نوعين:
النوع الأول: الاختلاف في مسائل الاجتهاد، وهو اختلاف التنوع وهذا ليس بمذموم وليس أهله من أهل التفرق والعذاب.
النوع الثاني: اختلاف أهل البدع والأهواء، في القواعد الكلية والأصول الشرعية الاعتقادية والعبادية، فهذا داخل تحت هذه الآية؛ لأنه يؤدي إلى التفرق شيعًا.
فالمرحومون في هذا التفرق والخلاف هم: (.. أتباع الرسل الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين..) واتبعوا هدي الرسول الأمين، وهم الفرقة الناجية الذين أخبر عنهم - ﵇ - في حديث افتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، وما سواهم من الفرق فهو من أهل الأهواء المختلفين الموعودين بالجحيم.