والثاني: على طريقة الفقهاء، والثالث: على طريقة الأصوليين، والأخير: على طريقة التأليف المعاصر ومن خلال كل واحد تتضح لنا طريقة أمثاله.
* أما كتاب البدع والنهي عنها لابن وضاح: فمعدود من الأجزاء الحديثيه وقد جمع فيه مؤلفه ما وصل إليه من أحاديث وآثار وأخبار عن الصحابة والتابعين في موضوع البدع، ويعد هذا المؤلف من أشهر الكتب المصنفة في البدع، ولذلك تجد النقل عنه في بعض الكتب المؤلفة في البدع كالحوادث للطرطوشي.. والاعتصام للشاطبي، والباعث على إنكار البدع، والحوادث لأبي شامة. وتجد ذكره في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما، بل تجد الشاطبي في الاعتصام أخذ معظم استشهادا ته من ابن وضاح واستخرج من الأحاديث والآثار التي رواها ابن وضاح، قواعد أصولية في مسألة البدعة،فأشبه حاله حال الصائغ الذي يأخذ سبيكة الذهب فيصوغ منها الحلي والدينار.
وهذا الكتاب المطبوع فيه أغلاط وتصحيفات كثيرة، وقد ذكر ذلك محققه وذكر أنه لم يجد منه سوى نسخة واحدة رديئة الخط فطبع عليها واجتهد جزاه الله خيرًا- في تخريج أحاديثه، وبيان معاني ألفاظه، والتنبيه على مواطن الغلط والتصحيف،ومع ذلك لم يخل من أغلاط.
وقد بدأ ابن وضاح بذكر الأحاديث والآثار الحاثة على إتباع السنة، وأنها محفوظة بحفظ العدول لها، وأن الله يهيئ لكل بدعة يكاد بها الإسلام،وليًا من أوليائه يذب عن السنة والدين.
ثم ذكر محبة السلف وحرصهم على رد الناس عن البدعة والتحذير من أهلها.
ثم قال: باب ما يكون بدعة، وأتى فيه ببعض الآثار التي أنكر فيها الصحابة على المبتدعين، الذي تنادوا للصلاة في جامع البلد بعد هجعة من الليل، والذين اعتزلوا بمسجد دون الناس، والذين جلسوا يسبحون بطريقة جماعية، والذين
[ ١ / ٢٠٦ ]
يصومون أيام المجوس، ثم ساق آثار عن الصحابة في الأمر بالإتباع والنهي عن الابتداع، ثم عقبها بأخبار عمليه في زجر المبتدعة، كضرب القاص وضرب أحد الصحابة لولده لما جلس مع المبتدعة، ثم ذكر كلام السلف عن القصاص ومحدثاتهم، ثم قال: باب كل محدثة بدعة، وأتى بالأحاديث والآثار على هذا المعنى ثم عطف مرة أخرى على ذكر الآثار الآمرة بالاتباع، والناهية عن الابتداع، والمحذرة من كل بدعة، وفي أثنائها ساق الآثار الواردة في توبة المبتدع.
ثم قال: باب إحداث البدع، وساق حديثًا في عقوبة من أحدث في الدين ما ليس منه، ثم آثارًا في التثبت في الفتيا والاستفهام من السائل قبل إجابته لئلا تؤدي الفتيا إلى الابتداع، ثم ذكر أثرًا في نظرة السلف نحو البدعة، ومقارنتها بالمعصية، وأن البدعة أشنع، ثم قال: باب تغير البدع، وهكذا في المطبوع، ولعل الصحيح تغيير البدع، لأن الآثار التي ساقها عن الصحابة في تبيان ضرر البدعة ووجوب تغييرها، تدل على عكس ذلك، وأورد بعد ذلك أحاديث وآثارًا في تقابل السنة والبدعة، وأن وجود واحدة منهما يرفع الأخرى.
ثم قال: باب في إتباع الآذان، هكذا في المطبوع وهو غلط بين، ولعل الصحيح إتباع الآثار، لأنه ساق مجموعة من الآثار في النهي عن تتبع الآثار المكانية التي صلى عندها النبيﷺ- أو التي بايع تحتها.
ثم قال: ما جاء في ليلة النصف من شعبان، وأورد فيها أثرين، ثم قال: كراهية اجتماع الناس عشية عرفة، وأورد خمسة أثار، ثم قال: النهي عن الجلوس مع أهل البدع، وخلطتهم، والمشي معهم، وبعد إيراد جمله من الآثار قال: باب هل لصاحب البدعة توبة؟ وساق آثارًا ختمها بقصة صبيغ العراقي مع عمر، ثم قال: باب نقص عرى الإسلام، ودفن الدين وإظهار البدع، وأتى بالأحاديث والآثار في غربة الدين وأهله وما في هذا المعنى، وأطال، ثم قال: باب فيما يدال الناس بعضهم من بعض والبقاع، وذكر فيه الآثار الواردة في دولة الحمق والسفلة على الحلماء والأشراف وارتفاع الأشرار على الأخيار، وسيادة المنافقين وتملك من ليس أهلًا، واختلاف أهواء الناس، وصدودهم عن من يعظهم ويذكرهم،
[ ١ / ٢٠٧ ]
وغير ذلك من الفتن والبليات التي هي من علامات الساعة، ثم أورد بعض أحاديث وآثار في افتراق هذه الأمة، وأحاديث وآثار في الخوارج، وفي الفتن والنفاق الذي يحصل من قراء هذه الأمة وعلمائها، ثم ساق جملة من الأحاديث والآثار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبها ختم كتابه.
هذا موجز ما في الكتاب، أما ما يتميز به، وما يؤخذ عليه فهو ما يلي:
١. جاء الكتاب في جميع أحاديثه وآثاره بالسند، ومؤلفه عاش في تدوين الحديث، وعصر أئمة الكبار، وكانت له لقيًا وتتلمذ على كبار أئمة أهل السنة كأحمد، وابن معين، وابن المديني، وسعيد بن منصور، وابن المبارك، وابن أبي شيبة، وغيرهم.
وقد جعله الذهبي من طبقة الإمام مسلم.
وعرف من مشائخه ثلاثة وثلاثون شيخًا من البغداديين، والشاميين، والمصريين، وقيل في ترجمته: عدة الرجال الذين سمع منهم ابن وضاح، مائة وخمسة وستون رجلًا.
٢. جمع الكتاب من الأحاديث والآثار ما جعله عمدة المتكلمين والمصنفين، في هذا الباب بعده.
٣. حرص مؤلفه﵀- أن تكون الأحاديث والآثار المجموعة في مكان واحد، ذات معنى واحد أو متقارب، وإن لم يطرد هذا في كل الأبواب.
٤. الكتاب مروي عن ابن وضاح، ولذلك يجد القارئ في أول السند غالبًا: حدثني محمد بن وضاح، أو حدثنا وأحيانًا تكون بداية السند باسم آخر.
٥. غالب البدع المنهي عنها في هذا الكتاب من البدع العملية.
٦. تجد تعليقات لابن وضاح على بعض الأحاديث والآثار وهي تعليقات
[ ١ / ٢٠٨ ]
قليلة وهي على قلتها تعطي صورة لفقه ابن وضاح وعلمه.