مأخوذ من "عصم" وهو في أصل الاستعمال العربي ( يدل على إمساك ومنع وملازمة والمعنى في ذلك كله معنى واحد ) . ومن أصل الاستعمال يمكن معرفة الانتقال من الأصل اللغوي إلى الاصطلاح الشرعي
فأما أن أصلها: الإمساك:
فـ (تقول العرب: اعتصمت فلانًا، أي هيأت له شيئًا يعتصم بما نالته يده أي يلتجئ به ويتمسك به.
و(الاعتصام: الإمساك بالشيء
وأعصم بالفرس: أي امتسك بعرفة، وكذلك البعير إذا امتسك بحبل من حباله
وأعصم إذا تشدد واستمسك بشيء من أن يصرعه، فرسه أو راحلته.
أصل العصمة: الحبل وكل ما أمسك شيئًا فقد عصمه ) .
وهذا الأصل ينطبق على الاستعمال الشرعي الذي سمي بـ (الاعتصام) بالكتاب والسنة) .
قال ابن حجر - ﵀ - في شرحه لقول البخاري - ﵀ - في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة:
(وقال الكرماني: هذه الترجمة منتزعة من قوله -: (وأعتصموا
[ ١ / ٥٠ ]
بحبل الله جميعًا)، لأن المراد بالحبل: الكتاب والسنة على سبيل الاستعارة والجامع كونهما سببًا للمقصود وهو الثواب، والنجاة من العذاب، كما أن الحبل سبب لحصول المقصود به من السقي وغيره ) .
وقال أبو السعود في تفسيره لقوله - تعالى -:
(ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم):
(أي: ومن يتمسك بدينه الحق الذي بينه وبآياته، على لسان رسوله - ﵊ - وهو الإسلام والتوحيد ) .
وقال في تفسير قوله - تعالى -: (وأعتصموا بحبل الله ) .
( تمثيل للحالة الحاصلة من استظهارهم به، ووثوقهم بحمايته بالحالة الحاصلة من تمسك المتدلي من مكان رفيع بجبل وثيق مأمون الانقطاع ) .
ومن هذا الباب قوله - تعالى - لنبيه محمد - ﷺ -: (فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم) .
[ ١ / ٥١ ]
وقوله - جل وعلا -: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) .
وقوله - سبحانه -: (ومن يسلم وجهه - إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الامور) .
قال ابن كثير:
(أي أخلص له العمل وانقاذا لأمره واتبع شرعه ) .
وهذا الاستمساك هو عين الاعتصام، وهو عين العمل المقبول عند الله سبحانه.
والعروة الوثقى التي في الآيتين الكريمتين هي الإسلام وهي الشرع، وهي الكتاب الكريم، وهي السنة المطهرة، من اعتصم وتمسك بها نجا وفاز، كما دل على ذلك حديث عبد الله بن سلام - ﵁ - قال: (رأيت كأني في روضة، ووسط الروضة عمود، في أعلى العمود عروة فقيل: أرقة قلت: لا أستطيع، فأتاني وصيف، فرفع ثيابي، فرقيت فاستمسكت بالعروة، فانتبهت وأنا مستمسك بها، فقصصتها على النبي - ﷺ - فقال: " تلك الروضة الإسلام، وذلك عمود الإسلام، وتلك العروة، العروة الوثقى لا تزال مستمسكًا بالإسلام حتى تموت ".
[ ١ / ٥٢ ]
وفي الترمذي عن زيد بن أرقم - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من المساء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ".
وفي الدارمي بسنده، عند عبد الله بن مسعود قال: (إن هذا الصراط محتضر، تحضره الشياطين، ينادون يا عبد الله: هذا الطريق فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله القرآن) .
· وأما أن أصل الاعتصام (المنع) فإن العصية في كلام العرب المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه، عصمه يعصمه عصمًا: منعه ووقاه ) .
والعرب تقول: (عصمة الطعام: منعه من الجوع) .
ويقال: ( اعتصم فلان بالله إذا امتنع به واعتصمت بالله إذا امتنعت بالطفة من المعيصة ) .
وعلى هذا المعنى قوله - تعالى - لنبيه - ﷺ -:
[ ١ / ٥٣ ]
(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس) .
قالت عائشة: (كان النبي - ﷺ - يحرس حتى نزلت هذه الآية: (والله يعصمك من الناس) فأخرج النبي - ﷺ - رأسه من القبة فقال لهم: " أيها الناس: انصرفوا فقد عصمني الله ". وعليه قوله - ﵇ -: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ". ومنه قوله - تعالى: (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا) .
قال ابن كثير: (قل من ذا الذي يعصمكم من الله): أي يمنعكم) .
ومنه قوله: (ما لكم من الله من عاصم) .
قال ابن كثير: (لا مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه) .
وهذا المعنى يوجد كذلك فيما نحن بصدده من كون الاعتصام مانعًاَ من حصول غضب الله ومقته، بسبب الترك، ومانعًا من حصول الضلال في الأعمال
[ ١ / ٥٤ ]
بالبدع والمخالفات، ومانعًا من حصول العذاب المرتب على ذلك. في الدنيا وفي الآخرة قال - تعالى: (واعتصموا بالله هو مولاكم) .
وقال الشوكاني في تفسيرها: (أي اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون - والتجئوا إليه في جميع أموركم) .
وفي الدارمي عن ابن مسعود - ﵁ - قال: (إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، والنور، والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه ) .
ومن ذلك قول سفيان بن عبد الله الثقفي لرسول الله ﷺ -: حدثني بأمر اعتصم به، قال: " قل ربي الله ثم استقم ".
فيصح أن يكون المعنى: حدثني بأمر امتنع به من الزلل والعذاب، ويصحح كذلك أن يكون مغناه: حدثني بأمر اتمسك به.
· وأما أن أصل الاعتصام (الملازمة) فإنه: ( يقال: اعصم به وأخلد إذا لزمه) .
· و(أعصم الرجل بصاحبه إذا لزمه ) .
[ ١ / ٥٥ ]
· و(العصم: جمع عصام، وهو رباط كل شيء ) .
· و(من الباب عصام المحمل شكاله وفيده الذي يشد به عارضاه، وعصام القربة عقال نحو ذراعين ) .
· والمزادة على البعير شدها على البعير يسمى عصامًا، واعصمة: القلادة) .
وعلى هذا المعنى قوله - تعالى -: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) .
قال ابن كثير: (تحريم من الله - ﷿ - على عباده المؤمنين، نكاح المشركات والاستمرار معهن) .
قال الشوكاني: (والعصم جمع عصمة، وهي ما يعتصم به، والمراد هنا عصمة عقد النكاح) .
ومعنى الملازمة هذا يتوجه مباشرة إلى الأوامر الشرعية الواردة في القرآن والسنة، بالحث على الاعتصام والأمر به.
فكما أن الاعتصام يعني التمسك بدلالة التضمن، ويعني المنع بدلالة الالتزام، فإنه يعني الملازمة بدلالة المطابقة.
يدل على هذا بوضوح قوله تعالى: (وأعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا ) .
وقوله: (فأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة واعتصموا بالله هو
[ ١ / ٥٦ ]
مولاكم) .
قال أبو مسعود: (وأعتصموا بالله أي: لقوا به في مجامع أموركم، ولا تطلبوا الإعانة والنصر إلا منه) .
قال ابن كثير: (أي اعتضدوا بالله وأستعينوا به، وتوكلوا عليه، وتأيدوا به) .
وهذه الملازمة على التمسك بشرع الله هي الاستقامة التي أمر الله بها رسول الله ﷺ - ومن كان على سبيله حيث قال في محكم كلامه: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعلمون بصير) .
وقال - جل في علاه -: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل ءأمنت بما أنزل الله من كتاب ) .
قال ابن كثير: (واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله - تعالى، كما أمرك الله ﷿) .
وهذه الإستقامة هي عين الملازمة، وهي الاعتصام بدين الله وشرعه وسنة نبيه - ﷺ -.
ولهذا قال - ﷺ - لمن سأله عن الأمر عن الأمر الذي يعتصم به: " وقل آمنت بالله ثم استقم ".
والتمسك بالشرع والملازمة عليه والمداومة على الإعتصام به هي إرادة الله
[ ١ / ٥٧ ]
الشرعية التي رضيها لنا - سبحانه - كما أخبرنا عنه ونبيه وحبيبه - محمد ﷺ - إذ قال:
" إن الله كره لكم ثلاثًا ورضى لكم ثلاثًا، رضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تنصحوا لولاة الأمر وكره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السوال".
وهي وصيته - ﵇ - حين قال:
" أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا فإنه يعش منكم فسيرى الله اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالتواجذ، وإياكم ومحدثات الامور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ".
وقال ﵇ - في خطبه الوداع: " وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله ".
[ ١ / ٥٨ ]