وهذا الشرط متعلق بالعمل سواء كان عمل القلب، وهو ما يسمى
[ ١ / ٤٢ ]
بالاعتقاد أو عمل بالجوارح.
وهذا هما مدار العبادة، ومحل الإيمان الذي هو: اعتقاد بالجنان، ونطلق باللسان، وعمل بالأركان، فلا بد من متابعة الشرع والانقياد له في أعمال القلوب كالحب والبغض، وفي أعمال الجوارح، التي يتعبد بها الإنسان، وسوف أذكر بعض الأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة، وكلام السلف وسيأتي الحديث عن هذا الأصل بتوسع في مبحث (الاعتصام بالسنة) قريبًا إن شاء الله.
أما الدلالة من القرآن الكريم فكثير منها:
قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصالكم به لعلكم تتقون) .
وقوله - سبحانه -: (اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم بالإسلام دينًا) .
قوله - جل وعلا -: (قل إن منتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) .
وقوله - تعالى: (ومن أحسن دينًا ممن أسمل وجهه لله وهو محسن وابتع ملة إبراهيم حنيفًا ) .
وقوله - سبحانه -: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإنه له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى) .
[ ١ / ٤٣ ]
وقوله - جل وعلا -: (قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربي ) .
وقوله - جل وعلا -: (اتبع ما أوحى إليكم من ربك لا إله غلا هو وأعرض عن المشركين) .
وقوله تعالى: (المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكرون) .
ومن السنة:
قوله - ﷺ -: " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله ".
وقوله - ﷺ -: " أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الامور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ".
زاد النسائي: " وكل ضلالة في النار ".
[ ١ / ٤٤ ]
وقوله - ﷺ -: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ".
وقال - ﷺ -: " من رغب عن سنتي فليس مين ".
وعن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنارها لا يزيع بعدي عنها إلا هالك ".
ومن كلام السلف عليهم رضوان الله:
ما رواه البخاري بسنده، عن أنس بن مالك، أنه سمع عمر الغد، حين بايع المسلمون أبا بكر، واستوى على منبر رسول الله - ﷺ - تشهد قبل أبي بكر، فقال: (أما بعد: فاختار الله لرسوله - ﷺ - الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم، فخذوا به تهتدوا، إنما به رسوله) .
[ ١ / ٤٥ ]
وما أورده اللالكاني بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال: (إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأمر) .
وذكره بسنده إلى أبي العالية أنه قال: (تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام ولا تحرفوا الإسلام يمينًا ولا شمالًا، وعليكم بسنة أبيكم، والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء ) .
وفي مشكاة المصابيح، عن ابن عباس قال: (من تعلم كتاب الله، ثم اتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب) .
وأورد اللالكاني والدامي كل بسنده، عن محمد بن سيرين قال: (كانوا يرون أنهم على الطريق، ما كانوا على الأثر) .
وذكر اللالكاني بسنده عن شاذ بن يحيى قوله: (ليس طريق أقصر إلى
[ ١ / ٤٦ ]
الجنة من طريق من سلك الآثار) .
ولسنده أيضًا عن سفيان الثوري، إنه قال: (وجدت الأمر الاتباع) .
وذكر الآجري بسنده، أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: (إن ناسًا يجادلونكم بشبه القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله ﷿ -) .
وبسنده أيضًا، عن مطرف بن عبد الله يقول: (سمعت أنس بن مالك - إذا ذكر عنده الزائغون في الدين - يقول: قال عمر بن عبد العزيز - ﵁ -: (سن رسول الله - ﷺ - وولاة الامر بعده سننًا، الأخذ بها إتباع لكتاب الله ﷿، واستكمال لطاعة الله ﷿، وقوة دين الله - ﵎ -، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، ومن اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله - تعالى - ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا) .
وقد ورد عن السلف من هذا القبيل كثير وفي هذا القبيل الذي ذكرناه ما يسد حاجة الاستدلال هنا، وسيأتي بعون الله في الأبواب القادمة، الأحاديث
[ ١ / ٤٧ ]
والآثار على هذا المنوال.
وبعد ذكر شرطي العبادة المقبولة عند الله - ﷾ - يتبين ( دين الإسلام مبني على أصلين: أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نعبده بما شرعه من الدين، وهو ما أمرت به الرسل) .
وهذان الأصلان هما من حقيقة كلمة التوحيد، والركن الأول من هذا الدين، كما قرر ذلك شيخ الإسلام حين قال: ودين الإسلام مبني على أصلين وهما: تحقيق شهادة أن لا إله الله، وأن محمدًا رسول الله، وأول ذلك أن لا تجعل مع الله إلهًا آخرا
الأصل الثاني: (أن نعبده بما شرع على ألسن رسله) (وبالجملة، فمعناه أصلان عظيمان أحدهما: ألا نعبد إلا الله. والثاني: أن لا نعبده غلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة) .
[ ١ / ٤٨ ]