في أواخر عهد الخليفة الراشد عثمان - ﵁ - نقم عليه بعض الناس أمورًا بعضها لا يثبت بدليل، والآخر مما ثبت له مجال من الاجتهاد المقبول.
وهناك أثيرت الفتن في الأقطار الإسلامية ضد الخليفة الراشد.
وسواء أكانت هذه الفتن مثارة من قبل عبد الله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالإسلام، أم أنه استغل وجود هذه الفتن لينشر أفكاره وسمومه، وهي مسألة تمسك كل فريق من المؤرخين قديمًا وحديثًا فيها بجانب.. وهذا لا يعنينا هنا، ولكن الذي يعنينا أن ابن سبأ قد فعل فعلته تلك ومعه من المؤيدين من يثير الفتنة ويذكيها، ويجمع أراذل الناس وأوباش القبائل، والهمج والرعاع والغوغاء وسفلة الناس، ويرتب لكل منهم مسؤولًا ويكاتبهم ويحرضهم، حتى اجتمعوا على قتل الخليفة - ﵁ - ووقعت الفتنة التي تموج كموج البحر، كما أخبر المصطفى - ﷺ-.
[ ١ / ١٠١ ]
وتولى علي - ﵁ - في هذه الظروف الصعبة بعد أن بقيت المدينة والأمة الإسلامية فترة بدون خليفة، وكانت لعلي - ﵁ - محبة في قلوب الناس، بما وهبه الله من علم وتقوى، وسابقة في الإسلام، وقرب من النبي - ﷺ - وقوة في الحق.
ولما تولى ازداد المعجبون به إعجابًا، وأصبحوا يعلنون على الناس آراءهم فيه ومحبتهم له، حتى وصل بهم الأمر إلى تفضيله على عثمان - ﵁ - ولا سيما بعد أن انقسم الناس بينه وبين معاوية - ﵁ - من جانب، وطلحة والزبير وعائشة - ﵃ - من جانب آخر.
وازداد تعلق هؤلاء به بعد مقتل عمار ورجوع عائشة من معركة الجمل وندمها، وفي هذه الأثناء عملت السبئية عملها مستغلة هذه العواطف، وهذه القلوب المائلة نحو أمير المؤمنين علي - ﵁ - فزادت في إذكائها، وأظهر ابن سبأ محبته لآل البيت وعلي بالذات، وغالى فيه وزعم أنه الوصي بالخلافة، ثم زعم له الرجعة، ثم زعم له الألوهية، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا..
وبهذا يتضح لنا أن المتشيعين لعلي - ﵁ - لم يكونوا على درجة واحدة منذ بداية الأمر.
فالمفضلة على قسمين: الأول من يرى أفضليته على عثمان دون أبي بكر وعمر، والثاني من يرى أفضليته على سائر الصحابة وعلى أبي بكر وعمر، من غير تكفير أو ذم لأحد منهم.
والسابة هم الذين كانوا يسبون أبا بكر وعمر، وتفرع منهم الرافضة الذين جاءوا في خلافة هشام بن عبد الملك للخروج مع زيد بن علي بن
[ ١ / ١٠٢ ]
الحسين فخرجوا عليه وتركوه لرفضه التبري من الشيخين ولترحمه عليهما، فانقسم الشيعة: الرافضة فتولى أخاه أبا جعفر محمد بن علي، والزيدية يتولون زيد بن علي.
والسبئية: وهم الذين كانوا يقولون بأنه إله وقد أحرقهم علي - ﵁ -.
وهم أصل فرق الشيعة الباطنية كالإسماعيلية والدروز والنصيرية.
ومن أهم بدع الشيعة التي تكاد سائر الطوائف الشيعية أن تتفق عليها:
١- تفضيل علي - ﵁ - على سائر الصحابة.
٢- القول بإمامته نصًا ووصية.
٣- القول بعصمته.
٤- القول بإمامة وعصمة ذريته من بعده.
مع أن بعض طوائف الشيعة تخالف في بعض هذه الأمور بزيادة فيها أو
[ ١ / ١٠٣ ]
نقصان، وبإضافات بدعية أخرى ليس هذا مجال استقصائها.
وكما نشأت بدعة التشيع متعددة، فإنها اطردت في التعدد إلى عشرات الفرق والأهواء، فكان منها: الزيدية بفرقها المتعددة، وكان منها الإمامية الإثنى عشرية، والإمامية الإسماعيلية، وسائر الفرق الباطنية.