من بعثته - ﷺ - حتى عام ٣٥ هـ.
فيها بعث المصطفى - ﵇ - فنشر الإسلام، وأقام على طريق الجنة المعالم بسيرته وسنته، وبه اقتدى ذلك الرهط الكريم.
وشعت أنوار النبوة، فزهق الباطل، وتراجع حزب الشيطان مذؤومًا مدحورًا، وأقيم صرح الملة الحنيفية، وتزلزل كيان الوثنية.
وتحرر الإنسان من ربقة العبوديات المتفرقة، ونجا من نيران الشهوات
[ ١ / ٨٨ ]
والشبهات المحرقة، ليصبح عبدًا للإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، ثم ليكون بعد ذلك في نور التوحيد معتصمًا بالعروة الوثقى لا انفصام لها.
وفي فترة حياة الرسول - ﵇ - كان ينزل الوحي الكريم، فكان منه ري القلوب، وشبع العقول، وطمأنينة الأرواح، وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - يجدون فيه أمنهم وأمانهم، وإسلامهم وإيمانهم، فمنه كانوا ينهلون وعليه كانوا في أقوالهم وأعمالهم واعتقادهم يعتمدون.
استناروا بنوره فلم يضلوا، وتمسكوا بقوته فلم يذلوا، آمنوا بغيبه وعملوا بشرعه، فخافوا من وعيده واطمأنوا لوعده، حفظوه من بعد أن وعته قلوبهم، وفهمته عقولهم، وطبقته جوارحهم.
وكان الوحي الطريق الوحيد لاعتقادهم، والسبيل الفريد لأعمالهم، فلم تجرفهم الشبهات، ولم تلعب بهم الأهواء، فكانوا على هدى من الله وفي صراط مستقيم، قدوتهم نبيهم، يبلغهم عن ربهم، فيصل الأرض بالسماء ويربط الدنيا بالآخرة.. وبه كانوا يقتدون، وعلى سنته يسيرون، أفعاله وأقواله وأحواله - ﵇ - محط أنظارهم، ومجال تنافسهم، وقرة أعينهم وبهجة أفئدتهم، فكانوا لذلك خير أمة أخرجت للناس، وكانوا خير القرون.. أهم ما يشغلهم تطبيق هذا الدين، واتباع الرسول الأمين، والحذر من مخالفته بالتقصير عنه، أو الاستدراك فيه، أو الإفراط بالغلو والتعمق والتنطع، أو التفريط بالتكاسل والتهاون، فكانوا بذلك أمة وسطًا وكانوا على عقيدة واحدة؛ لإدراكهم زمن الوحي، وحيازتهم شرف صحبة النبي - ﷺ - وشدة تمسكهم بالمأثور، ونفورهم من الابتداع والافتراق، وإن كان قد حصل بينهم تنازع في مسائل الاجتهاد؛ فذلك لسعة هذا الباب، وارتفاع الملام عن كلا المتنازعين باجتهاد.
إلا أن الصحابة الكرام لم يتنازعوا في مسألة من قواعد هذا الدين أو كلية من كلياته، أو أصل من أصوله.
[ ١ / ٨٩ ]
كما قال ابن القيم - ﵀ -: (.. أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام، ولا يخرجون بذلك عن الإيمان، وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين، وأكمل الأمة إيمانًا.. ولكن - بحمد الله - لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء، والصفات، والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلًا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلًا ولم يبدوا لشيء منها إبطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوها في صدورها، وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها، وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوا بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرًا واحدًا، وأجروها على سنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع، حيث جعلوها عضين، وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها، من غير فرقان مبين..) .
هكذا كان عصر خيرة أمة محمد - ﷺ -: اتباع عن طواعية ومحبة، وبعد عن البدع والجدل والخصومات، والمشكلات والمشتبهات، وكل ما فيه مغبة، وانتصار للحق الذي يؤمنون به، ودعوة إلى الله وجهاد في سبيله.
وإن كان قد حدث بعض الميل عن هذا الخط العام، والصراط الواضح، فإنما كان ذلك من بعضهم - عليهم رضوان الله - وكان بمثابة قزعة صغيرة من السحاب، في ليلة بدر ساطعة، لاحت ثم راحت، وأطلت ثم اضمحلت، فمن ذلك ما أراده النفر الثلاثة - عليهم رضوان الله - حين سألوا عن عبادة الرسول - ﷺ - فكأنهم استقلوها، فقال أحدهم: أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: لا أتزوج النساء، وقال الثالث: لا آكل اللحم، فنهى النبي - ﷺ - عن ذلك، وأخبرهم بالسنة، فانتهوا - عليهم الرضوان.
وحين تكلم بعض الصحابة في القدر، فخرج عليهم رسول الله - ﷺ - فنهاهم عن ذلك الصنيع فانتهوا، ومنعهم من هذا ومثله فامتنعوا.
[ ١ / ٩٠ ]
ففي مسند الإمام أحمد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن نفرًا كانوا جلوسًا بباب النبي - ﷺ - فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله - ﷺ - فخرج، فكأنما فقيء في وجهه حب الرمان، فقال: "بهذا أمرتم، أو بهذا بعثتم، أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما ههنا في شيء، انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا) .
وفيه بالسند نفسه أنه - ﷺ - خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، هذا ينزع آية، وهذا ينزع بآية، فذكر الحديث.
وهذا الذي حدث بين بعض الصحابة - عليهم رضوان الله - شذوذ يؤكد القاعدة ولا ينفيها، وأمر عارض اقتضته الحكمة الإلهية، ليكون منه التأديب والتعليم، والتشريع إلى قيام الساعة.. ولذلك فإننا نرى أن الصحابة - عليهم رضوان الله - لما قامت فتنة القدرية، كانوا مصابيح الهداية في ظلمات الشبهات، التي علقت بأذهان بعض الناس.
وفي العهد النبوي بعد الهجرة، ظهرت بعض البذور الخبيثة لبعض البدع لكنها لم تكن ظاهرة على السطح، أو بارزة للعيان، ولم تكن قد اتخذت مسارًا فكريًا أو عمليًا واضحًا.. وإنما كانت بمثابة اعتراضات سطحية جانبية لم تشكل عمقًا، ولم تكن ذات بال، ولولا أن الرسول - ﷺ - أخبر بأنها
[ ١ / ٩١ ]
بذرة لفرقة تخرج فيما بعد، لما التفت لها إلا كما التفت إلى اعتراضات المنافقين أو اليهود، وذلك أن نور النبوة الساطع كان هو الأعم الأغلب، ومثل هذه النتوءات الضئيلة ما كانت لتحجب ضوء الرسالة الصافي.
(والنبي - ﷺ - إنما ذكر الخوارج الحرورية لأنهم أول صنف من أهل البدع خرجوا بعده، بل أولهم خرج في حياته فذكرهم لقربهم من زمانه..) .
قال شيخ الإسلام في المعنى الذي قررناه آنفًا:
(ومعلوم أنه كلما ظهر نور النبوة كانت البدعة المخالفة أضعف، فلهذا كانت البدعة الأولى أخف من الثانية، والمتأخرة تتضمن من جنس ما تضمنته الأولى وزيادة عليها، كما أن السنة كلما كان أصلها أقرب إلى النبي - ﷺ - كانت أفضل، فالسنن ضد البدع، فكل ما قرب منه - ﷺ - مثل سيرة أبي بكر وعمر كان أفضل مما تأخر كسيرة عثمان وعلي، والبدع بالضد كلما بعد عنه كان شرًا مما قرب منه، وأقربها من زمن الخوارج فإن التكلم ببدعتهم ظهر في زمانه، ولكن لم يجتمعوا وتصير لهم قوة إلا في خلافة أمير المؤمنين علي - ﵁-) .
ويشير شيخ الإسلام بقوله: (إن التكلم ببدعتهم ظهر في زمانه - ﷺ - إلى قصة ذي الخويصرة المروية في الصحيح عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: (بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - وهو يقسم قسمًا أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله:
[ ١ / ٩٢ ]
اعدل، فقال رسول الله - ﷺ -: "فمن يعدل إذا لم أعدل.."، فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال رسول الله - ﷺ -: "دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر أحدهم إلى نصله، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل البضعة تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس.. قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله - ﷺ - وأشهد أن علي ابن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله - ﷺ - الذي نعت) .
وهذه البدعة التي فاح شيء من نتنها في عهد النبوة المبارك، لم تكن سوى ومضة تشبه ارتداد الطرف، في ضحًا أشرق بالسنا النبوي وأضاء بسراج الرسالة المحمدي، فلم يكن لها أن تطمس شيئًا من ذلك وأتي لها؟ بيد أن هذه البدعة كانت نواة بدع ضخام كبرى فيما بعد، ومن هذا الباب عد العلماء الفضلاء بدعة الخوارج أول البدع ظهورًا، وعدوها كذلك البدعة التي حدثت في عهد رسول الله - ﷺ-.
ولا تناقض بين قول هؤلاء وقول الذين قالوا بأنه لم يكن في عهد النبي - ﷺ - شيء من البدع والأهواء فإن كلا القولين صحيح من جهة، فأما قول الأولين فإنهم قصدوا أن جذور بدعة الخوارج وجدت منذ أن اعترض ذو الخويصرة على حكم الرسول - ﵇ -، ودليلهم في ذلك قوله - ﷺ -: " إن من ضئضيء هذا قومًا يقرأون القرآن ولا يجاوز
[ ١ / ٩٣ ]
حناجرهم".
والضئضيء بالهمز: الأصل، والمراد يخرج من صلبه ونسله وهذا ما حدث في آخر العهد الراشد.
وبهذا الاعتبار عدت هذه أول بدعة في الإسلام حدثت في مدة حياة الرسول - ﷺ-.
لأن هذه معارضة للشرع بالهوى، ومعاندة للنص بالرأي الباطل، فمن هنا كانت أولى البدع.
وأما من قال بأنه لم يكن في عهده - ﷺ - شيء من البدع، فينصرف إلى اعتبار ظهورها وتفشيها وانتشارها، وتجمع الناس حولها، وهذا لم يحدث في زمنه - ﷺ -، وما كان ليحدث والوحي يتنزل والإسلام في زيادة، والنبي حي - عليه أفضل الصلاة والتسليم - وهو الناصح الأمين والمجاهد الجاهد في طمس كل ما لا يحبه الله.
وبدأو ببعض المخالفات التي قد تحسب في حساب البدع كقول الثلاثة، وتنازع بعض الصحابة في القدر، واعتراض ذي الخويصرة.. لا يشكل ظاهرة يشار إليها.. وإنما كان حدوث ذلك وفق حكمة الباري - ﷿ - ليكون بسببها التنبيه على خطورة البدع، والتحذير من شرها، وفي ذلك بلاغ وذكرى للمؤمنين.
وبعد وفاة المصطفى - ﵊ - ظهرت الاعتراضات كالبذور، وظهر منها الشبهات كالزروع، ولكنها كانت في أغلبها اختلافات اجتهادية، خصوصًا ما حدث بين الصحابة - عليهم رضوان الله - وكان كل قصدهم إقامة مراسم الدين وفق مناهج الشرع القويم، وحفظ الملة من كل خطأ وزلة، فكان بينهم اختلافات اجتهادية، لم تصل إلى حد البدعة والفرقة، مثل ما حدث في مرضه - ﵇ -
[ ١ / ٩٤ ]
في شأن الكتاب الذي طلب النبي - ﷺ - كتابته، وما حصل بين ابن عباس وعمر - ﵄ - في ذلك، وما حصل كذلك عند وفاته - ﵇ -، حينما اعتقد عمر أنه - ﷺ - لم يمت وإنما رفع إلى السماء.
وما حصل في موضع دفنه ﵇.
ثم ما حصل من خلاف في السقيفة بين المهاجرين والأنصار، في موضع الإمامة، ولكن الله سلم تلك الأمة المختارة من الفتنة في هذا الباب، الذي كان فيما بعد سببًا من أسباب الفتن، ومدخلًا من مداخل البدع، ثم ما حصل من اختلاف بين الصحابة في أمر فدك وفي إرث النبي - ﷺ - ثم في قتال مانعي الزكاة وأشباه هذه المسائل التي لم تكن من البدع في شيء،
[ ١ / ٩٥ ]
والحمد لله؛ بل كانت من الأمور الاجتهادية التي يؤجر فيها المصيب والمخطئ لكونها من مسائل الأحكام.
وهكذا كان عهد أبي بكر الصديق - ﵁ - هو أقرب العهود إلى العهد النبوي المبارك، وكان من أهم ما حدث في هذا العهد قتال المرتدين، ولم يعتبر العلماء أهل الردة من المبتدعة لكونهم جحدوا بعض أركان الإسلام، وأعلنوا الخروج على الدين باتباعهم للكاذبين المدعين للنبوة، وتصريح بعضهم بالكفر والردة عن الإسلام.
وفي عهد الفاروق عمر - ﵁ - حدثت حوادث مفردة وحيدة في عصر الخلافة التي هي على منهاج النبوة..
وكانت نادرة في زمان، السنة فيه هي الملتزم، والشرع هو المحترم، والوحي هو المقدم، وهذا ما حدث من (صبيغ بن عسل) الذي كان يطرح على الناس ما استشكل عليه من متشابه القرآن، فأخذه عمر وضربه، حتى زال ما كان يجد في رأسه من شبه) .
وبهذا تبددت نأمة هذه الشبهة وتلاشت نبتة هذه الفتنة، وهكذا مضى العهد العمري، فلما قُتل - ﵁ - عام ٢٤هـ انكسر الباب، ولكن
[ ١ / ٩٦ ]
الفتن والبدع لم تطل برأسها في أول عهد ذي النورين - ﵁ -، ولكنها قد فشت سرًا بين الناس عن طريق عبد الله بن سبأ، وأشياعه، حتى حاصر الناسُ عثمان - ﵁ - سنة خمس وثلاثين واقتحموا داره، وذبحوه، وهنا وقع السيف، وأسقط في أيدي كبار الصحابة، وبدت بوادر الفتنة التي حضر لها اليهودي، وإن كانت مقدمات هذه الفتنة، وما ترتب عليها فيما بعد من حروب ومشكلات، تعد من الخلافات السياسية، والأمور التي اختلفت فيها اجتهادات الصحابة - عليهم رضوان الله - إلا أنها كانت إرهاصات لبدع كبيرة هزت الأمة الإسلامية ولا تزال.
ومن خلال هذا العرض الموجز، لهذه الفترة التاريخية، يتبين لنا بالمقارنة مع الفترات الآتية صفاء هذه الفترة من المحدثات، ونقاؤها من البدع والانحرافات، وما حدث من أمور مبتدعة في هذه الفترة، لم يكن سوى نقطة سوداء صغيرة في ثوب أبيض نقي، وحالة نادرة عابرة في حياة مليئة بالحرص على السنة وتطبيقها.