وتبدأ هذه الفترة من بداية ولاية أمير المؤمنين علي - ﵁ - وقد اختلفت آراء الناس، وتفرقت أمورهم، وزاد ابن سبأ اليهودي أمور الفتنة بما كان يصنعه في السر بين الناس، حتى اقتتلوا وكانت وقعة الجمل سنة ست وثلاثين، وقد أثار فتنتها ابن سبأ ومن معه من السفهاء صباح ذلك اليوم، بعد
[ ١ / ٩٧ ]
أن تم في اليوم الأول ما يشبه الصلح بين الناس..
وفي سنة سبع وثلاثين وقعت موقعة صفين، وفيها رفع أهل الشام المصاحف، ودعوا إلى الحكم بما في كتاب الله، وقبل علي ذلك مكرهًا من بعض جيشه، ثم إنهم اعترضوا على قبول التحكيم بعد ذلك فكانت فرقة الخوارج الذين كفروا عليًا - ﵁ - ثم جعلوا أن من تبرأ من عثمان وعلي وطلحة والزبير والحكام من بني أمية فهو منهم، وانحازوا بعد ذلك وكونوا قوة تقوم على مبدأ تكفير العصاة من أمة محمد - ﷺ - واعتبارهم من الخالدين في النار.
وبدأ الخروج على الإمام، وقد جهد أمير المؤمنين علي في ردهم عن غيهم وتوضيح الشبهة لهم، ولكنهم لم يقبلوا منه بل كانوا يقاطعونه ويؤذونه ويشتمونه، وانتهى بهم الأمر إلى قتاله - ﵁ -.
وظهر على إثر فتنة الخوارج فتنة الشيعة، الذين أفرطوا في محبة علي - ﵁ - كما أفرط الخوارج في بغضهم وإن كانت فكرة التشيع أسبق في عهد علي من فكرة الخوارج، فإن الناس كانوا يتعاطفون مع علي - ﵁ - وكانت الشيعة المفضلة يفضلون عليًا على عثمان من غير تجريح لأحد من الصحابة.. وبعد أن ازدادت الفتنة ووقعت المعارك، ازداد تعلق الناس بعلي - ﵁ - وقد استغل ابن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام هذه المحبة، الموجودة في قلوب الناس، فأظهر التعلق بمحبة آل البيت وخاصة علي - ﵁ - وزعم أن عليًا أوصى له بالخلافة من النبي - ﷺ -، ونشر ذلك بين الناس، ثم غالى حتى زعم أن عليًا كان نبيًا يوحى إليه، ثم غلا حتى ادعى له الألوهية من دون الله - ﷿ -.
[ ١ / ٩٨ ]
قال شيخ الإسلام: (وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فعاقب الطائفتين، أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم، وأما الشيعة فحرق غالبيتهم بالنار، وطلب قتل عبد الله ابن سبأ فهرب منه، وأمر بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر".
إلا أن الشيعة في تلك الفترة لم يكن لهم قوة ولا جماعة ولا إمام يقاتلون به المسلمين، نما كان ذلك للخوارج الذين تميزوا بدارٍ سموها دار الهجرة، وجعلوا ديار المسلمين الأخرى ديار كفر وحرب، وتميزوا كذلك بجماعة أطلقوا عليها الشراة، وجعلوا غيرهم من المسلمين كافرًا، وتميزوا كذلك بقوة وقيادة، ولهذا كان فسادهم ظاهرًا في سفك الدماء وأخذ الأموال والخروج بالسيف، وهنا ندرك حكمة الأحاديث النبوية التي جاءت بقتالهم وهي كثيرة جدًا.