في هذه الفترة تبلورت كثير من البدع وتداخل بعضها في بعض، وأصبح لبعض المبتدعة قوة وسلطانًا، ولبعض البدع مدارس ومناهج.
وفي هذه الفترة توسعت الترجمة عن كتب الفرس، والهند، واليونان، وأصبح الإطلاع والتعلم من الكتب الفلسفية ميزة يحرص عليها الناس، ففُتن كثير من الناس بما يسمى (العقليات) فكانت فتنة الابتداع تترسخ ببعد الناس عن النقل، الذي هو الوحي الموافق للفطرة والعقل، وبما زُعم لهم من مسلمات عقلية وقواعد منطقية لا تقبل النقاش فضلًا عن الرد.
فأخذت الفرق المبتدعة من هذه سندًا فكريًا لها، فالصوفية أخذت فلسفة الإشراق من الهند، والمعتزلة أخذت فلسفتها العقلية من المنطق اليوناني، والشيعة والباطنية أخذت فلسفة الإمامية والعصمة والحلول والتناسخ من فلسفات الفرس وهكذا
وكما قال شيخ الإسلام عن هذه الفلسفات المعربة:
( فعُرب بعض كتب الأعاجم الفلاسفة من الروم والفرس والهند في أثناء الدولة العباسية.
ثم طُلبت كتبهم في دولة المأمون من بلاد الروم، فعُربت ودرسها الناس وظهر بسبب ذلك من البدع ما ظهر ) .
وفي هذه الفترة دخلت بعض البدع السالفة في بعض، فالمعتزلة مثلًا أخذت من القدرية والجهمية والخوارج.
والشيعة أخذت من المجسمة، والمرجئة أخذت من الجبرية، والصوفية أخذت من التشيع وهكذا
بيد أنه حصل لهذه الفرق من الشتات ما جعل كل فرقة منها تنقسم إلى
[ ١ / ١٢٦ ]
فرق عديدة، وسبل متفرقة، يلعن بعضها بعضًا، ويكفر بعضها بعضًا، كما هو حال أهل البدع في كل زمان.
وقد ورد التعيين لأصول البدع لأول مرة في هذه الفترة على لسان يوسف ابن أسباط ثم عبد الله بن المبارك (وهما إمامان جليلان من أئمة المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فقيل لابن المبارك: والجهمية؟ فأجاب: بأن أولئك ليسوا من أمة محمد) .
هذا التعيين لأصول البدع يدلنا على ضخامة كل واحدة من هذه البدع في زمانها، وأنه قد ترتب عليها بدع أخرى، وقد تكلف بعض الناس في تعيين الفرق الاثنتين والسبعين الهالكة بناء على هذا القول، فجعلوا لكل فرقة من هذه الفرق الأربع ثماني عشرة فرقة، ومن أدخل الجهمية مع الفرق الأربع جعل لكل طائفة من هذه البدع الخمس اثنتي عشرة فرقة، لكي يتم العدد الذي ذكره النبي - ﷺ - ولكن هذا التعيين لا دليل عليه، وهو تحكم بغير برهان.
والذي يهمنا هنا هو أن هذه الفرق الأربع التي جعلها ابن المبارك وابن أسباط أصل البدع، هي في الحقيقة من أمهات الفرق الضالة، ولذلك فسوف نتحدث عن كل واحدة من هذه البدع، وما حصل لها ومنها في هذه الفترة بإيجاز.