كان الكفار يتذرعون بالقدر ويحتجون به لتبرير شركهم ولتسويغ أعمالهم الفاسدة المبتدعة..
ففي القرآن المجيد: (يخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الإشراك، واعتذارهم محتجين بالقدر بقولهم: (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء) .
أي: من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم ما لم ينزل به سلطانًا..
ومضمون كلامهم أنه لو كان - تعالى - كارهًا فعلنا لأنكره علينا بالعقوبة ولما مكننا منه، قال الله - تعالى - رادًا عليهم شبهتهم: (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) .. أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة: أي في كل قرية وطائفة من الناس رسولًا..".
[ ١ / ١٠٤ ]
وكان مشركوا قريش يخاصمون في القدر، ويجعلونه حجة لهم في ترك عبادة الله ووسيلة لهم في التخلي عن وحدانية الله.
فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: (جاء مشركوا قريش يخاصمون رسول الله - ﷺ - في القدر فنزلت: ٠يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر) .
وفي حياة النبي - ﷺ - تكلم بعض الصحابة في القدر فخرج عليهم النبي - ﷺ - غضبانًا ونهاهم عن ذلك وقد تقدم الحديث على ذلك.
وقد حذر النبي - ﷺ - أصحابه وأمته من القدرية وآرائهم، وأمر بهجرهم وتركهم وسماهم: مجوس هذه الأمة.
فقد روى ابن أبي عاصم بسنده في كتاب السنة عدة أحاديث في ذلك منها:
١- عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ-: "إن لكل أمة مجوسًا وإن مجوس هذه الأمة القدرية فلا تعودوهم إذا مرضوا ولا تصلوا على جنائزهم إذا ماتوا) .
ولم يظهر الكلام في القدر إلا في عهد عبد الملك بن مروان،
[ ١ / ١٠٥ ]
وكان هذا في آخر عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - وكان أول من تكلم في القدر معبد الجهني، قال الأوزاعي: (أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن كان نصرانيًا فأسلم ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد".
فكان أول من قال بها هو سوسن النصراني، وأول من أظهرها معبد الجهني، الذي قتله عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين للهجرة.
أما سوسن النصراني هذا فقد قال عنه ابن عون، كما روى اللالكائي بسنده: (أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان حتى نشأ ها هنا حقير يقال له: سنسويه البقال.. قال: فكان أول من تكلم في القدر..".
[ ١ / ١٠٦ ]
وروى اللالكائي بسنده أيضًا عن يونس بن عبيد قال: (أدركت البصرة وما بها قدري إلا سنسويه ومعبد الجهني، وآخر ملعون في بني عوافة) .
هذا هو أول بدعة القدرية (.. وأصل بدعتهم كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله، والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده. وظنوا أن ذلك ممتنع، وكانوا قد آمنوا بدين الله، وأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر، من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر، وهو يعلم أن المأمور يعصيه، ولا يطيعه، وظنوا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يعلم أنه يفسد، فلما بلغ قولهم بإنكار القدر السابق الصحابة، أنكروا إنكارًا عظيمًا وتبرأوا منهم..
ثم كثر الخوض في القدر وكان أكثر الخوض فيه بالبصرة والشام، وبعضه في المدينة، فصاروا هم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار نزاع الناس في الإرادة وخلق أفعال العباد، فصاروا في ذلك حزبين:
(النفاة) يقولون: لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد، وقابلهم الخائضون في القدر من (المجبرة) مثل الجهم بن صفوان وأمثاله فقالوا: ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا: العبد لا فعل له البتة، ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط".
ثم أخذت المعتزلة القول بالقدر على أن الله عالم بأفعال العباد قبل أن تقع، ولكن أفعال الشر ليست بمشيئته وخلقه، وإنما هي من أفعال العباد فقط، ثم تعددت فرق القدرية وتشعبت مذاهبها وكل فرقة تكفر سائرها.
[ ١ / ١٠٧ ]