اختلفت عبارات الناس سلفا ً وخلفا ً في تعريف البدعة الشرعية، تبعًا لاختلاف تصورهم لماهية البدعة المنهي عنها، وتنوع مشاربهم، فالذي تلبس ببدعة
[ ١ / ٢٥٢ ]
عملية أو اعتقادية يحاول أن يضع تعريفا ً للبدعة يتلاءم مع مسلكه وهناك من التبس عليه فهم بعض النصوص الواردة في السنة والبدعة فوضع تعريفا ً ملتبسا ً، وسيأتي تفصيل هذا - إن شاء الله - في الفصلين التاليين.
والذي سأورده هنا التعريف الاصطلاحي الذي تدل على صحته نصوص الشريعة، وأحوال السلف وأقوالهم، ثم أورد بعض الأقوال القديمة والحديثة التي تتناسق مع هذا التعريف المختار كليا ً أو جزئيا ً.
وهذا المعنى الاصطلاحي الذي أختاره كحد جامع مانع للبدعة المنهي عنها شرعًا يلخص لنا ما ورد من نصوص شرعية، وأقوال مأثورة عن السلف في حوادث جزئية وحالات مفردة، أو بصيغ عامة، وأقوال مطلقة، مجملة أو مفصلة.
ومن هذه النصوص والأقوال يمكن أن يجتمع لنا معنى ً تركيبيا ً جامعًا مانعا ً يغني عن المعنى الإفرادي، فإن المعنى الإفرادي قد لا يعبأ به إذا كان المعنى التركيبي مُفهما ً مؤديا ًللغرض، ولا يلتفت للمعنى الإفرادي إلا من حيث إنه يشكل مع غيره من المعاني المنفردة المبثوثة تركيبا ً كليا ً، أو يشكل كل واحد منها دليلا ً على كلية أو جزئية في المعنى الكلي التركيبي الجامع.
ومثال ذلك ما ورد في الحوادث المفردة من نصوص دالة على بدعيتها، كترك النكاح، وترك أكل اللحم تعبدا ً، أو تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، وغير ذلك من الجزئيات التي جاء الحكم عليها المحدث فيها بالابتداع.
وكذلك ما يرد من أقوال للعلماء في تعريف البدعة، وهذه الأقوال تتناول جانبا ً واحدًا من جوانب المعنى الشرعي للبدعة، كقول القائل: البدعة مالم يشرعه الله ورسوله، أو قوله: البدعة ما ليس له أصل في الدين ونحو ذلك من الأقوال التي لا تشمل كل جوانب المعنى الشرعي للبدعة.
فكل هذه النصوص والأقوال تشكل بمجموعها معنى ً تركيبيا ً كليا ً جامعا ً
[ ١ / ٢٥٣ ]
يغني عن المعنى الإفرادي لكل واحد من النصوص أو الأقوال.
ومن هذه التعريفات الكلية الجامعة: ما ذكره الإمام الشاطبي - ﵀ - في كتاب الاعتصام، حيث بوب لتعريف البدعة بابا ً مستقلا ً ذكر فيه معناها الاصطلاحي، وشرح التعريف وذكر محترزاته، وقد عرف البدعة بتعريفين:
أحداهما: على رأي من يقول بعدم دخول الابتداع في العادات والمعاملات، وإنما يخصه بالعبادات، فقال فيه: ( فالبدعة عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه) .
الثاني: على رأي من يقول بدخول الابتداع في الأمور العادية، كدخوله في الأمور العبادية، فقال فيه:
(البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية) .
وسيتبين الرأي الراجح في قضية دخول الابتداع في الأمور العادية أو عدم دخوله، من خلال محترزات التعريف، وبالتالي يتبين التعريف الراجح، مع العلم أن الفصل الرابع من الباب الثاني مخصوص بهذه المسألة.
شرح التعريف وبيان محترزاته:
قوله: طريقة: يقصد بها السبيل والسنة، وكل ما رُسم للسلوك عليه أو اتخذ للتعبد به، سواء ً كان في المسائل العليمة أو المسائل العملية.
قوله: في الدين: تقييد للطريقة المسلوكة بأنها في الدين؛ لأنها فيه تخترع وإليه تنسب، وبه يلصقها مخترعها، فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على
[ ١ / ٢٥٤ ]
الخصوص لم تسم بدعة.
قوله: تضاهي الشرعية: يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها، سواء ً كانت المضاهاة بالإلزام أو المنع، كمن يلزم نفسه بعمل لم يلزمه الشرع به، أو يمنع نفسه من شيء لم يمنعه الشرع منه، على وجه القربة والديانة، وتكون المضاهاة بالإلزام أو المنع، كما تكون بقصد القربة، وتخصيص زمان أو مكان أو هيئة بصفة أو عمل لم يخصصها الشرع، وتكون بإلحاق حكم شرعي بالعمل المحدث، من غير أن يكون له ذلك الحكم، وغير ذلك من أنواع المضاهاة، فإن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهي بها السنة، أو تكون هي مما تلبس عليه بالسنة، ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيّل التشريع، بل كل خارج عن السنة بشيء من الابتداع لا بدله من تكلف الاستدلال بأدلة السنة على خصوص هذه المسألة المبتدعة، وإلا لكذَّب إطّراحه للدليل صدق دعواه ونقض تركه للسنة، ما يدعيه من الدخول فيها والكون من أهلها.
وإلى هذه الجملة من التعريف يتفق تعريف من خص البدعة بالدخول على العبادات، وتعريف من لم يخصها بالعبادات بل جعل العادات داخلة في التعريف.
فقال في التعريف على رأي من خصها بالعبادات:
(يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى) .
وقال في شرح هذا: ( وذلك أن أصل الدخول فيها [يعني البدعة] يحث على الانقطاع إلى العبادة، والترغيب في ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)
فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ، - إلى أن قال - وأيضا ً فإن النفوس قد
[ ١ / ٢٥٥ ]
تمل وتسأم من الدوام على العبادات المرتبة، فإذا جدد لها أمر لا تعهده حصل لها نشاط ٌ آخر، لا يكون لها مع البقاء على الأمر الأول، ولذلك قالوا: (لكل جديد لذة) بحكم هذا المعنى - إلى أن قال - وفي حديث معاذ بن جبل ﵁: (فيوشك قائل أن يقول
وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات ) .
وقال في التعريف الثاني: الذي لا يختص بالعبادات بل يدخل معها العادات: (يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية) .
وعند شرحه لهذا قال: (ومعناه أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم، لتأتيهم في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته، فإن تعلقت بالعبادات فإنما أريد بها أن يأتي العبد على أبلغ ما يكون في زعمه؛ ليفوز بأهم المراتب في الآخرة في ظنه، وإن تعلقت بالعادات فكذلك؛ لأنه إنما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها) .
وقد رجح الشاطبي هذا التعريف، الذي يقول بدخول البدع في العادات والمعاملات، وهذا الترجيح هو الصحيح الموافق لأدلة الشريعة، والمتفق مع أصولها وقواعدها، والمطابق لمقاصدها، وقد لخص ﵀ رأيه في هذه المسألة، وبين معنى القيد السابق بصورة أوضح حين قال:
(ثبت في الأصول الشرعية أنه لا بد في كل عادي من شائبة التعبد؛ لأن ما يُعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد التعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي، فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع
[ ١ / ٢٥٦ ]
والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات كلها عادي، لأن أحكامها معقولة المعنى، ولا بد فيها من التعبد، إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها - إلى أن قال - فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه صح دخوله في العاديات كالعبادات وإلا فلا) .
ولا أريد الإطناب في هذا المعنى فسيأتي فيه بعض التفصيل في الفصل الثاني من هذا الباب، وزيادة تفصيل في الفصل الثالث من الباب الثاني إن شاء الله.
وقد اعترض الدكتور عزت علي عطية في كتابه البدعة على شرط المضاهاة في البدعة، حين تعرض لكلام الشاطبي في ذم البدع وتقبيحها، فقبل عموم الذم والتقبيح، ثم قال: (ولكنه غير مقبول من ناحية تخصيص البدعة بما ضاهى الدين من المحدثات المخالفة له) .
وقال: ( فلا دلالة لوصف البدعة بالضلالة على تخصيصها بما قصد به مضاهاة الشريعة، على أن كثيرا ً من الأمور التي وصفها السلف بأنها بدعة، لا تتسق مع قصد مضاهاة الشرع بها)
ثم ضرب لهذا القول مثلا ً بالأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وأن ذلك منهم تساهلا ً وتشاغلًا، وهو معصية يعلمون حرمتها، ولم يحدثوا ذلك على أن يكون دينا ً لله، ومع ذلك سماها النبي ﷺ بدعة، وقد
[ ١ / ٢٥٧ ]
نقل الدكتور عزت عطية هذا الاستدلال من غيره مشيرا ً إلى ذلك.
وهذا الاستدلال منقوض من عدة وجوه:
الأول: إن الحديث يدل بلفظه على أن هؤلاء الأمراء يقومون بأعمال مخالفة لأمر الله، وهذه الأعمال مختلفة فمنها إخفاء السنة، ومنها العمل بالبدعة، ومنها تأخير الصلاة عن مواقيتها.
الثاني: أنه لا دليل من لفظ الحديث على أن تأخير الصلاة بدعة وإلا لما عطف بين هذه الأعمال المخالفة بالواو، التي من معانيها المغايرة.
الثالث: أنه لو كان المراد في الحديث وصف تأخير الصلاة بالبدعية، لقال: (ويعملون البدعة حين يؤخرون الصلاة)، أو لقال: (يؤخرون الصلاة وذلك بدعة)، أو غير ذلك من التراكيب الدالة على نعت تأخير الصلاة بالبدعية.
الرابع: على افتراض أن تأخير الصلاة من الأمراء وُصف في لفظ الحديث بالبدعية، فذلك لا ينفي وصف المضاهاة عن البدعة؛ الأمراء أخروا الصلاة عن وقتها إنما فعلوا ذلك مضاهاة للشريعة إذ علموا من نصوصها وجوب طاعة ولي الأمر المسلم، فاتخذوا ذلك ذريعة لبدعة تأخير الصلاة عن وقتها، بل بدعوا من خالفوا في بدعتهم هذه كما فعل الوليد بن عقبة مع ابن مسعود عندما أقام الصلاة وصلى بالناس حينما تأخر الوليد، فقال له: (أجاءك أمر من أمير المؤمنين أو ابتدعت؟)، فرميه ابن مسعود بالبدعة واتهامه بها مبني على أنه ظن أن من حقه أن
[ ١ / ٢٥٨ ]
يؤخر الصلاة عن وقتها، وأن ذلك لكونه من أمراء المسلمين الذين تجب طاعتهم، وهذا فيه مضاهاة للشرع بإبطال التخصيص الزماني المشروع للصلاة، وإيجاد وقت آخر يوافق هواه المبني على النصوص الموجبة لطاعة ولي الأمر ( فالمبتدع من هذه الأمة إنما ضل في أدلتها حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة، لا مأخذ الانقياد لحكم الله) .
وقد احتج الدكتور عزت عطية على نفي صفة المضاهاة عن البدعة بقوله:
(وعلى فرض أن هذه الصفات بمجموعها جعلت للبدعة سمة خاصة تميزها عن مجرد المخالفة الحادثة، فلماذا جعلت هذه الخاصية هي مضاهاة الشارع، ولماذا لا تكون تلك السمة الخاصة هي وقوع الذنب موقع الاقتداء، حيث يعامل مرتكبه معاملة من سنه، ويتحمل وزره ووزر من تابعه عليه ) .
وهذه الحجة أيضا ً منقوضة بما يلي:
١- البدعة من جنس المعاصي، كما قال الشاطبي: (ولا شك أن البدع من جملة المعاصي على مقتضى الأدلة المتقدمة، ونوع من أنواعها) .
ولكن البدعة تزيد في إثمها وضررها عن المعصية التي ليست ببدعة، (لأن المبتدع مع كونه مصرًا على ما نهي عنه يزيد على المصر بأنه معارض للشريعة بعقله، غير مسلم لها في تحصيل أمره، معتقدا ً في المعصية أنها طاعة حيث حسن ما قبحه الشارع) .
٢- أما لماذا لا تكون السمة الخاصة للبدعة كونها ذنبا ً واقعًا موقع الاقتداء، فهذا الوصف لا يصح أن يكون سمة خاصة للبدعة؛ ذلك أن البدعة قد تكون فردية مسرا ً بها صاحبها غير داعٍ إليها، وغير مجاهرٍ بها، ومع ذلك فلا تخرج
[ ١ / ٢٥٩ ]
عن مسمى البدعة ولا مسمى الضلالة، وإن كان الحكم على المبتدع يختلف باختلاف حاله من حيث الجهر والإستتار، والاستتار، والدعوة وعدمها كما سيأتي.
ويا للعجب كيف ينفي وصف المضاهاة عن البدعة، وهو وصف معلوم بالاستقراء من الأدلة، وأحوال المبتدعة، ويضيف إليها وصف الاقتداء الذي ليس بلازم لها، فكأنه يقول: إذا لم تكن البدعة في موضع اقتداء فليست ببدعة.
٣- أما وقوع الذنب موقع الاقتداء، فلا شك أن ذلك مما تشترك فيه المعاصي والبدع، من حيث وقوع الوزر على من سن السنة السيئة، لقوله تعالى:
«ليحملوا أوزارهم كاملة ً يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم» .
قال الشاطبي ﵀: (وإذا اقتدي بصاحب البدعة الصغيرة، كبرت بالنسبة إليه، لإن كل من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، فعلى حسب كثرة الأتباع يعظم الزور، وهذا بعينه موجود في صغائر المعاصي ) .
على هذا لا يصح أن يكون وصف الاقتداء خاصًا بالبدعة، أما المضاهاة فتصح أن تكون وصفا ً خاصًا بالبدعة الشرعية.
ولا يشترط أن تكون المضاهاة خاصة بالإلزام أو المنع أو التشريع الزائد فقط، بل وتكون مع ذلك بالتخصيص الزماني أو المكاني، والتخصيص بالهيئة والطريقة، ونحو ذلك من أنواع التخصيص، الذي لا يكون إلا من قبل الشرع، وتكون بالاعتماد على شبه الأدلة الشرعية، وتكون المضاهاة كذلك بقصد القربة بالعمل المبتدع، وهذا أوسع أبواب المضاهاة، فإن المبتدع إنما يريد ببدعته القرب إلى الله سبحانه والتعبد بهذا العمل المحدث، فهو يضاهي بقصده هذا وإرادته العمل المشروع.
[ ١ / ٢٦٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ( فإن البدعة لا تكون حقا ً محضا ً موافقا ً للسنة؛ إذ لو كانت كذلك لم تكن باطلًا، ولا تكون باطلًا محضا ً لا حق فيه؛ إذ لو كانت كذلك لم تخف على الناس، ولكن تشتمل على حق وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل إما مخطئا ً غالطًا، وإما متعمدًا لنفاق فيه وإلحاد) .
وهذا هو حال المبتدعة وواقعهم، فهم يستدلون بالمتشابه، وببعض الأدلة دون بعض، ولو لم يكونوا كذلك لكانوا في عداد الخارجين عن الدين حتى في تصورهم لأنفسهم، ولكنهم يعتقدون أنهم على الدين القويم " ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيّل التشريع، ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف منصبه في أهل الخير، فأنت ترى العرب في الجاهلية في تغيير ملة إبراهيم ﵇ كيف تأولوا فيما أحدثوه احتجاجا ً منهم كقولهم في أصل الإشراك (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) - إلى أن قال - فما ظنظ بمن عُدَّ أو عَدَّ نفسه من خواص أهل الملة؟ فهم أحرى بذلك وهم المخطئون وظنهم الإصابة) .
والدليل على هذا المعنى أنك لا تجد مبتدعًا ينتسب إلى الملة الإسلامية إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي ينزله على ما يوافق هواه وشهوته، وينساق مع الأدلة المتشابهة لا الواضحة.
وسبب نفي الدكتور عزت عطية لقيد المضاهاة الذي اشترطه الشاطبي في تعريف البدعة: أنه ممن يقول بحسن بعض المحدثات، ولا يعتبر أن كل بدعة ضلالة.
فهو يقسم البدع إلى حسن وقبيح، ويعتبر أن البدعة في عرف السلف
[ ١ / ٢٦١ ]
ما هو مذموم فقط فيقول: (ومن المحدثات ما لا يخالف الدين ولا يخرج عن إطاره، وهو من الدين يدور مع أصله الذي يدل عليه من النصوص، وهو مقبول، بل إن حديث (وكل بدعة ضلالة) يفيد ذلك أيضا ً فلم يرد على إطلاقه وإنما سبق هذا القول الأمر بالمحافظة على سنة الرسول ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين، ومما يشير بدقة إلى أن البدعة التي عمم الرسول ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين، ومما يشير بدقة إلى أن البدعة التي عمم الرسول ﷺ وصفها بالضلالة: هي البدعة المصادمة للسنة، المخرجة عن الإتباع وذلك لا ينفي أن من البدع ما لا يخالف السنة أو ماليس بضلالة وهو البدعة الحسنة) .
وبناء ً على نفي صفة المضاهاة، اعترض على الشاطبي حين بدَّع من اتخذ المولد النبوي عيدا ً أو من التزم عبادة معينة في وقت معين.
ويعتبر أن المبتدع هو من أبطل شرعا ً أو أسقط حكما ً أو بدل آية، أو ألزم الناس بما ألزم به نفسه.
ويعتبر البدعة المنهي عنها ما ورد فيها الذم على وجه الخصوص، فيقول: ( وقد قدمنا ما يفيد عدم اشتراط مضاهاة الدين في معنى البدعة وأن السلف لم يطلقوا لفظ البدعة إلا على ما هو في نظرهم مذموم) .
وسوف يأتي رد هذه المزاعم عند الكلام عن مفهوم البدعة عند غير أهل السنة وشبههم ومناقشتها، وقد أطنبت في الرد على من نفى المضاهاة لأهمية ذلك.
وهذا التعريف الذي اختاره الشاطبي ورجحه - أقصد التعريف الذي ينص على دخول الابتداع في العبادات والعادات يمكن شرحه تفصيليا ً بأن معناه: ما فُعل أو ترك بقصد القربة لله تعالى مما ليس له أصلٌ في الشريعة سواء ً كان ذلك في العقائد أو في الأحكام، وفي العبادات أو العادات.
[ ١ / ٢٦٢ ]