وهذا يشمل البدعة الفعلية والبدعة التركية، أي أن البدعة تكون بفعل غير المشروع، كما تكون بترك ما هو مباح أو مشروع، أو بعبارة أخرى فعل ما تركه الشارع وترك ما شرعه، أو ما أباحه تقربا ً وديانة ً
فأما فعل غير المشروع فواضح، وأمثلته كثيرة، ومن أدلته: «من عمل عملا ً ليس عليه أمرنا فهو رد» .
فإذا فعل المكلف ما تركه رسول الله ﷺ مع وجود الداعي لذلك، وانتفاء الموانع فقد ابتدع، وأمثلة ذلك:
الجهر بالنية في الصلاة، والأذان في العيدين، والاجتماع على صلاة معينة في أول رجب، أو أول جمعة فيه، وأو في ليلة النصف من شعبان، ونحو ذلك.
وأما ترك المشروع فهو: أن يترك المكلف ما فعله رسول الله ﷺ أو شرعه أو أباحه تدينًا.
ومثال ذلك ما رواه الترمذي، عن ابن عباس - ﵄ -: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت النساء، وأخذتني شهوة فحرمت علي اللحم، فأنزل الله تعالى:
[ ١ / ٢٩٨ ]
«يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»، ومثال ذلك أيضًا قصة الثلاثة الذين حرموا على أنفسهم ما أباحه الله بقصد المبالغة في التعبد لله.
ومن ذلك ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس - ﵄ - قال: (بينما النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا أبو سرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ: مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه) .
ومن ذلك ما رواه البخاري عن قيس بن أبي حازم، قال: (دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، قال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل
[ ١ / ٢٩٩ ]
الجاهلية، فتكلمت فقالت: من أنت، قال: امرؤ من المهاجرين ) الخبر. قال الحافظ ابن حجر: (والصمت المنهي عنه ترك الكلام في الحق لمن يستطيعه، وكذا المباح المستوي الطرفين) .
قال شيخ الإسلام بعد ذكر هذا الحديث: ( فيدخل في هذا، كل ما اتخذ عبادة مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام - إلى أن قال - فاتخاذ هذا قربة وطاعة من عمل الجاهلية الذي لم يشرع في الإسلام) .
وقال ﵀: ( فالتكلم بالخير، خير من السكوت عنه، والصمت عن الشر خير من التكلم به، فأما الصمت الدائم فبدعة ٌ منهي عنها، وكذلك الامتناع عن أكل الخبر واللحم، وشرب الماء، فذلك من البدع المذمومة أيضا ً ) .
وهناك أمثلة عديدة للترك الذي يعد بدعة، بيد أنه يجب التأمل في المتروك من جهة قصد المكلف، ومن جهة اعتبار الشارع: (فإذا كان الترك: لأمر يعتبر مثله شرعا ً، كالذي يمنع نفسه من الطعام الفلاني، لأنه يضره في جسمه فإن قلنا بأن التداوي مطلوب شرعا ً، اعتبر هذا الترك مطلوبا ً، وإن قلنا بإباحة التداوي فالترك مباح.
وإذا كان الترك: للشيء الذي لا بأس به، حذرا ً من الشيء الذي به بأس وهو المتشابه ليستبرئ لدينه وعرضه، فهذا من أوصاف المتقين، وإذا كان الترك لأمر غير معتبر في الشرع، فيأتي هنا اعتبار قصد المكلف، فإن كان الترك تدينًا
[ ١ / ٣٠٠ ]
فهو الابتداع.
وإن لم يكن بقصد الترك فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك ولا يسمى هذا الترك بدعة ) .
ومما يلحق بهذا الفصل: ما سكت عنه الشارع، ولم ينص عليه بشيء ٍ يفيد إباحته أو تحريمه، وهذا من الأبواب الكبيرة التي دخل منها المبتدعة لترويج بدعهم.
ويمكن ضبط المسكوت عنه بما يلي:
أولا ً: أن (الأًصل في العبادات البطلان، حتى يقوم دليل على الأمر والأصل في العقود والمعاملات الصحة، حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم) .
ثانيا ً: أن السنة كما أنها تكون بفعله ﷺ، وتقريره، فإنها تكون بسكوته كذلك، وهذا ما يسمى بالسنة التركية، وهي: (أن يسكت الرسول ﷺ عن الفعل غير الجبلي مع قيام المقتضي وعدم المانع) .
فسكوته ﵊ هو المعتبر بشرط ألا يكون فعلا ًجبليا ً، فإن ترك الفعل الجبلي لا يعتبر سنة تركية، وبشرط أن يكون المقتضي للفعل موجودا ً والمانع مفقودا ً، وهذا يتصور في كل أمر عبادي يراد به القربة من الله تعالى، فإن تركه النبي ﷺ ولم يعمل به فإن ذلك دليل ٌ على أن تركه هو السنة، وفعله هو البدعة؛ لأن المقتضي موجود وهو التقرب من الله، والوقت وقت تشريع،
[ ١ / ٣٠١ ]
والنبي ﷺ معصوم من الكتمان، فتركه ﷺ مع وجود كل هذه المقتضيات وانتفاء الموانع دليل ٌ على أن المشروع هو الترك.
وبناء ً على ما سبق يتضح لنا ما يلي:
أن ترك النبي ﷺ للفعل مع وجود الداعي إليه وانتفاء المانع منه يعتبر قسما ً من أقسام السنة؛ لأنه ﷺ مشرع، ولا يجوز أن يترك ما شرعه الله، لأن ذلك يعتبر تقصيرا ً في البيان، وتأخيرًا له عن وقت الحاجة، وهذا ما عصم منه النبي ﷺ، وعلى هذا فلا بد أن يكون لسكوت النبي ﷺ دلالة ولتركه معنى، وهو أنه لا زيادة ولا نقصان على ما صدر منه وأن السنة ترك ما تركه ﵊.
قال شيخ الإسلام: (ترك رسول الله ﷺ مع وجود ما يعتقد مقتضيا ً وزوال المانع سنة، كما أن فعله سنة ) .
ويشترط لاعتبار الترك سنة مواظبة النبي ﷺ على الترك.