وهذا أصل أصيل عند أهل السنة، يفرقون به بين الفعل الذي يكون بدعة والفعل الذي يكون معصية فقط، وإن كانت البدعة معصية لله ﷾ إلا أنها تفوق المعصية في الإثم والحكم.
فالمعصية في أصل وقوعها من حيث العمل والاعتقاد تختلف عن البدعة من جهة ما يقترن بكل ٍ منهما
فالعاصي لا يعتقد أنه بمعصيته يُرضي الله بخلاف المبتدع فإنه يعتقد في عمله المحدث القربة إلى الله، وهذا هو وجه المفارقة.
ووجه ٌ آخر: هو ما تؤول إليه البدعة من مفاسدٍ حالية ومآلية في الدنيا والآخرة، وذلك باعتقاد المشروعية أو الجواز فيما ليس له أصل، وما يترتب على هذا الاعتقاد من شيوع وانتشار، حتى ينشأ عليها الصغير ويموت عليها الكبير بخلاف المعصية أو المخالفة.
ومن هنا نفهم أن قول سفيان الثوري - ﵀ - حين قال: (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها) .
والسبب في عدم توبة المبتدع أنه يرجو بعمله أو قوله أو اعتقاده المحدث القرب من الله، فلا ينفك من ملازمة العمل.
وبسبب كون البدع أشر من المعاصي، وأهلها أضر من أهل الذنوب أمر النبي ﷺ بقتال الخوارج، ونهى عن قتال الولاة الظلمة.
ومما جاء عن السلف في اعتبار أن البدعة أشد ضررا ً من المعاصي، ما رواه ابن وضاح بسنده عن أبي بكر بن عياش قال: (كان عندنا فتى ً يقاتل
[ ١ / ٢٩١ ]
ويشرب وذكر أشياء من الفسق، ثم أنه تقرَّأ فدخل في التشيع، فسمعت حبيب بن أبي ثابت، وهو يقول: لأنت يوم كنت تقاتل وتفعل ما تفعل خير منك اليوم) .
والدليل على اختصاص البدعة بوصف قصد القربة، ما ورد في الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أخبروا كأنهم تقالَّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ً، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء الرسول ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) .
وفي لفظ مسلم: ( فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش ) الحديث.
قال الحافظ ابن حجر: (قوله: " فمن رغب سنتي فليس مني " المراد بالسنة الطريقة - إلى أن قال -: والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد، كما وصفهم الله تعالى - ثم قال - وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فيفطر
[ ١ / ٢٩٢ ]
ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس وتكثير النسل) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ينكر على من يتقرب إلى الله بترك جنس الملذات، كما قال النبي ﷺ للذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، - ثم ذكر الحديث - ) .
فالإنكار إنما توجه إليهم بسبب قصد القربة بهذا الترك.
ومثل هذا حديث سعد بن أبي وقاص قال: (رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا)، قال النووي: (قال العلماء: التبتل هو الانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعًا إلى عبادة الله.. .)
ومن هنا تتقرر هذه القاعدة التي نص عليها الشاطبي -﵀ - حيث قال:
(ولا معنى للبدعة إلا أن يكون الفعل في اعتقاد المبتدع مشروعا ً، وليس بمشروع) .
فالفعل الذي يقترن به أصل التشريع بإلحاق حكم شرعي له، كالاستحباب أو الوجوب يكون بدعة، فإن لم يقترن به هذا القصد فهو منهي عنه؛ لكونه معصية أو هو عفو.
وباعتبار وصف القربة في البدعة جاء تعريف شيخ الإسلام للبدعة، بأنها
[ ١ / ٢٩٣ ]
الدين الذي لم يأمر به الله، ولا يخفى ما في هذا النعت من اعتبار قصد القربة في العمل المحدث ليكون بدعة.
قال - ﵀ -: (وقد قررنا في القواعد في قاعدة السنة والبدعة، أن البدعة: هي الدين الذي لم يأمر الله به ورسوله، فمن دان دينا ً لم يأمر الله ورسوله به فهو مبتدع بذلك، وهذا معنى قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) .
وقال: ( فإن البدعة ما لم يشرعه الله من الدين، فكل من دان بشيء لم يشرعه الله فذاك بدعة، وإن كان متأولا ً فيه) .
وقال أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث: (البدعة التي يظن الناس أنها قربة، وهي بخلاف ذلك - ثم قال - فهذا الذي وضعت الكتاب لأجله ) .
وقال الشيخ عثمان بن فودي في إجياء السنة وإخماد البدعة عند ذكر حديث رسول الله ﷺ: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» قال: (وقد بين العلماء ﵃ أن المعنى في الحديث المذكور راجع لتغيير الحكم باعتقاد ما ليس بقربة قربة، لا مطلق الإحداث إذا تناولته الشريعة بأصولها، فيكون راجعا ً إليها) .
وقصد القربة يراد به: إلحاق حكم شرعي بعمل محدث كالندب والاستحباب والإيجاب، أو الكراهة والتحريم، قال شيخ الإسلام:
(فمن ندب إلى شيءٍ يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله، من غير أن يشرعه الله فقد
[ ١ / ٢٩٤ ]
شرع من الدين ما لم يأذن به الله) .
ويراد به كذلك استحسان الفعل المحدث، وإن لم يلحق به حكما ً شرعيا ً، وإن كان ذلك غير متصور؛ لأن من لوازم استحسانه إلحاق وصف شرعي به، وإلصاق حكم تشريعي بالبدعة.
وقصد القربة يتوجه إلى العمل الذي لا يتصور فيه غير إرادة القربة كالعبادات المحضة، وهي حق خالص لله سبحانه، فلا بد من مطابقة فعل العبد لأمر الشرع.
وكل ما فهم من الشرع أنه لا خيرة للعبد فيه، سواء ً كان له معنى ً معقول أو غير معقول، فإنه مما يعلم أن قصد الشارع فيه الوقوف عند ما حده من غير زيادة ولا نقصان.
والعبادة التي هي حق لله ﷾ لا يتصور فيها غير إرادة القربة فالإحداث فيها يسمى ابتداعا ً، سواء ً قصد القربة أو افتراض أنه لم يقصد القربة، فلو أحيا ليلة النصف من شعبان بعبادة ٍ مخصوصة كالصلاة والذكر فهو مبتدع، حتى مع افتراض عدم قصده للقربة.. مع أن هذا الافتراض تخيلي لا يمكن وقوعه.
ويتوجه قصد القربة كذلك إلى العمل الذي يحمل أوجهًا متعددة مثل الأمور الدنيوية، فينظر إلى الفعل باعتبار الوجه الغالب عليه، أو باعتبار وجه القربة إذا اتحدت أوجه الفعل الواحد، ويتضح هذا بالمثال:
فمن لبس ثوبا ً بلون ٍ معين، ولم يرد بذلك القربة فلا يوصف هذا العمل بالبدعة؛ لأنه مباح، إلا إذا ألحقته أمور منهي عنها، كالإسبال والاشتهار، فإنه يكون معصية.
[ ١ / ٢٩٥ ]
أما إذا أراد بذلك الثوب المعين، واللون المعين القربة، أو ألحق به وصف استحسان أو استحباب أو ندب أو إيجاب، فإنه يكون حينذاك بدعة، كما تفعل طوائف الصوفية التي تشترط لونا ً معينا ً لمريدي طريقتها.
والخلاصة:
أن كل ما فعل أو ترك بقصد القربة، مما ليس له أصل في الشرع بدعة
ويخرج بذلك ما فعل أو ترك لا بقصد القربة، فيكون حينئذٍ معصية أو مخالفة أو عفوا ً، ولا يطلق عليه بدعة.
مثال ما فعل أو ترك لا بقصد القربة، فيكون حينئذٍ معصية أو مخالفة أو عفوا ً، ولا يطلق عليه بدعة.
مثال ما فعل لا بقصد القربة ويكون معصية: جميع المنهيات الشرعية كالنظر إلى النساء، وسماع الغناء، فإذا كان هذا العمل بقصد القربة إلى الله فهو بدعة
ومثال ما ترك لا بقصد القربة ويكون معصية: ترك المأمور به شرعا ً كترك النكاح للقادر عليه، وكترك الدعوة إلى الله لمن وجبت عليه.
فإذا كان هذا الترك بقصد القربة إلى الله بذلك فهو بدعة، ومثال ما فعل لا بقصد القربة ويكون عفوًا: حلق الرأس في غير نسك، فإن فعل بقصد القربة فهو بدعة.
ومثال ما ترك لا بقصد القربة ويكون عفوا ً: الامتناع عن أكل اللحم للتطبب ونحوه، فإن كان الترك للحم تدينا ً فهو بدعة.
وقد ذكر شيخ الإسلام ما يشبه هذا الكلام في مواطن من كتبه، ومن ذلك ذكره للحلق الذي يكون مشروعًا والحلق الذي يكون جائزا ً والذي يكون بدعة.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وهذا الشرط - الذي هو قصد القربة - هو ما عناه الشاطبي في تعريفه للبدعة بقوله: (طريقة في الدين تضاهي الشرعية ) .
ثم شرح ذلك بقوله:
( يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية، من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة - إلى أن قال - فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعة؛ لأنها تصير من باب الأفعال العادية ) .
ومن هذه المضاهاة طلب القربة من الله ﷾، وقد حاول بعض محسني البدع إلغاء هذا الشرط، واعترض عليه بأنواع من الاعتراضات المقتضية لتحسين بعض البدع، التي قصد بها القربة، كبدعة التوسل بذوات الصالحين، وبدعة التبرك بآثارهم، وبدعة الاحتفال بالمولد النبوي.
مع أن المضاهاة من ألزم صفات البدعة؛ لأن ( البدعة لا تكون حقا ً محضا ً موافقا ً للسنة؛ إذ لو كانت كذلك لم تكن باطلا ً، ولا تكون باطلا ً محضا ً لا حق فيه؛ إذ لو كانت كذلك لما خفيت على الناس، ولكن تشتمل على حق وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل، إما مخطئا ً غالطا، وإما متعمدا ً لنفاقٍ فيه وإلحاد) .
ومن آكد أوجه المضاهاة بين البدعة والسنة قصد القربة؛ لأن (الباطل المحض الذي يظهر بطلانه لكل أحد، لا يكون قولا ً ومذهبا ً لطائفة ٍ تذب عنه، وإنما يكون باطلا ً مشوبا ً بحق، كما قال تعالى: «لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون» .
[ ١ / ٢٩٧ ]
وبهذا الاعتبار جعلت البدعة: الإحداث في الدين، وقيدت بالدين، لأنها تخترع فيه، وينسبها صاحبها إليه، ويجعلها منه فيتعبد بها ويتقرب إلى الله بفعلها.