١- ما رواه أبو داود بسنده عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: (إن من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك أن يقول قائل: ما للناس لايتبعوني؟ وقد قرأن القرآن وما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع؛ فإن ما ابتدع ضلالة واحذروا زيفة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق) .
٢- وعن حذيفة - ﵁ - قال: (يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا أو شمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا..
٣- وروى الآجري بسنده عن أبي العالية قوله: (تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام ولا تحرفوا عن الصراط يمينًا ولا شمالًا، وعليكم بسنة نبيكم - ﷺ - والذي عليه أصحابه، فإنا قد قرأنا القرآن من قبل أن يفعلوا الذي فعلوه خمس عشرة سنة، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء، فحدثت به الحسن فقال: صدق ونصح..) .
٤- وعن ابن عباس - ﵄ - قال: (عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع) .
[ ١ / ٧٣ ]
٥- وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم كل ضلالة) .
٦- وروى الإمام أحمد في الزهد بسنده عن الحسن البصري أنه قال: (اعرفوا المهاجرين بفضلهم، واتبعوا آثارهم وإياكم ما أحدث الناس في دينهم، فإن شر الأمور المحدثات) .
٧- وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أحد ولاته: (أما بعدن أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه - ﷺ - وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكفوا مؤنته فعليك بلزوم السنة؛ فإنها لك بإذن الله عصمة ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها، فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كفوا، وهم على كشف الأمور كانوا اقوي، وبفضل ما كانوا فيه أولى فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه.. ولئن قلتم: ٠إنما حدث بعدهم) ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون فقد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر وما فوقهم من محسر وقد قصر قوم دونهم فجفوا وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم..)
[ ١ / ٧٤ ]
٨- وقال أيوب السختياني: (ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا إلا ازداد من الله بعدًا) .
٩- وقال أبو قلابة: (ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف) .
١٠- وقال حسان بن عطية - كما روى ذلك الأوزاعي عنه: (ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ولا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة.
١١- قال رجل لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله أوصني، قال: إياك والأهواء، وإياك والخصومة، وإياك والسلطان) .
[ ١ / ٧٥ ]
وهذه بعض أقوال العلماء في ذم البدع:
جاءت الشريعة الإسلامية بمصالح الأنام في معاشهم ومعادهم وسلكت لأجل ذلك أوضح المسالك وأعطت كل دارج عليها نوره لتهدي وحذرته من مغبة التنكب المقيت؛ لأنه الضلال والفساد والمهالك.
والقلوب كالأبدان، لها غذاء ودواء وبلاء فـ ( الشرائع أغذية القلوب فمتى اغتذت بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث.
بل بمنزلة من تعاطى السموم المهلكة واتخذ الدواء من أنياب الأفاعي لأن فاعل البدع: (.. يناقض الاعتقادات الواجبة، وينازع الرسل ما جاءوا به.. وحينئذ.. تورث القلب نفاقًا.. فمن تدبر هذا علم يقينًا ما في حشوة البدع من السموم المضعفة للإيمان ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر..) .
لأن الجامع بينها هو مشاقة أمر الله - ﷾ - والخروج عن الطريق المستقيم القاصد، إلى الطريق الجائز.
وهذا هو الجامع أيضًا بين البدع والمعاصي، بيد أن البدع في عمومها أشر من المعاصي، وأشد إثمًا، كما قرر ذلك شيخ الإسلام حين قال:
(.. والبدعة شر من المعصية كما قال سفيان الثوري: والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها) .
واستدل - ﵀ - على أن البدع شر من المعاصي بحديث الرجل الذي
[ ١ / ٧٦ ]
كان يدعى (حمارًا) وكان يضحك النبي - ﷺ -، وكان يكثر من شرب الخمر فحده النبي - ﵇ -، فلعنه أحد الصحابة فقال: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله".
وشرب الخمر معصية، ولكنه لما كان صحيح الاعتقاد، محبًا لله ورسوله شهد له النبي - ﵇ - بذلك ونهى عن لعنه.
واستدل على غلظ البدعة وعظم خطرها بحديث الرجل الذي قال للنبي - ﷺ -: (هذه قسمة ما أريد بها وجه الله) فقال النبي - ﷺ: "يخرج من ضئضيء هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم.. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية".
ولكون البدع أشر من المعاصي صار (أئمة أهل البدع أضر على الأمة من أهل الذنوب.. ولهذا أمر النبي - ﷺ - بقتل الخوارج ونهى عن قتال الولاة الظلمة..) .
والسبب في أن البدع أسوأ حالًا ومآلًا من المعاصي ما بينه سفيان الثوري، - ﵀ - في الكلام المنقول عنه آنفًا، يضاف إلى ذلك أمور هي
[ ١ / ٧٧ ]
من أسباب اعتبار البدع أضخم في الإثم والذم من المعاصي، وهي في ذات الوقت ذم للبدع فمن ذلك:
١- أن المبتدع بلسان حاله يتهم الرسول - ﷺ - بالخيانة في أداء الأمانة والرسالة، وذلك بكونه يحدث من العبادات والاعتقادات والأقوال والأعمال ما يعتقد أنه قربه إلى الله - تعالى -، ولو كان كذلك لأخبرنا به نبينا - محمد ﷺ - لأنه ما ترك خيرًا إلا دلنا عليهن ولا شرًا إلا نهانا عنه، وهذا المبتدع كأنه يقول بفعله: هذه طريقة حسنة، وعبادة تقرب إلى الله وتنيل الثواب الوفير، وهذا اتهام للمبلغ الأمين - عليه أفضل الصلاة والتسليم-، كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس - عليه رحمة الله-: (من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله - ﷺ - خان الرسالة، لأن الله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا) .
٢- أن البدع مضادة للشريعة ومتهمة لها، إذ تستدرك على الشرع بزيادة أو نقصان، أو تغيير للأصل الصحيح الذي هو الصراط المستقيم، فالبدع عمومًا: (.. مضادة للشارع، ومراغمة له حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفي بما حد له) .
٣- وعلة ذلك أن المبتدع: (.. المخالف للسنة يرد بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -، أو يعارض قول الرسول بما يجعله نظيرًا له من رأي أو كشف أو نحو ذلك.
[ ١ / ٧٨ ]
ولأن أهل البدع عمومًا أصلوا أصولًا توافق أهواءهم، وتناقض الحق الذي أمر الله به، فلم يهتدوا إلى الحق، بل جعلوا ما أصلوه مقدمًا على الشرع الحنيف، بل إنهم جعلوا كلامهم هو المحكم، وكلام الشارع هو المجمل المتشابه.. وهذا هو عين المضادة والمراغمة التي تقود إلى الاعتقادات الباطلة، والأعمال والأحوال الفاسدة، والخروج عن الشريعة والمنهاج الذي بعث به الرسول - ﷺ - إلينا.
٤- إن الشيطان الرجيم في تدرجه المشين لإضلال بني آدم بشروره واستحواذهن يسعى أولًا إلى إدخال الإنسان في الكفر والشرك، وهذه غاية أمانيه، فإذا لم يستطع ذلك انتقل (.. إلى المرتبة الثانية من الشر، وهي البدعة، وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في نفس الدين، وهو ضرر متعد، وهي ذنب لا يتاب منه وهي مخالفة لدعوة الرسل، ودعاء إلى خلاف ما جاءوا به، وهي باب الكفر والشرك فإذا نال منه البدعة، وجعله من أهلها بقي أيضًا نائبه، وداعيًا من ذاته، فإن أعجزه من هذه المرتبة، وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة، ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر، وهي الكبائر على اختلاف أنواعها.
ومن هذا الباب يخشى على المبتدع أن يكون كافرًا، ويخاف عليه من سوء الخاتمة - نعوذ بالله -.
ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر.
[ ١ / ٧٩ ]
وبسبب خطورة البدع، حذر العلماء الأجلاء من مجالسة ومخاطبة أهل البدع، والصلاة خلفهم، والرواية عنهم، والتحدث معهم؛ إلا لمن كان قادرًا على كف شرهم عن نفسه، بالرسوخ في العلم، وعلاج ما هم فيه من البلاء بالحرص على إنقاذهم، ودعوتهم إلى الحق بالرفق والحكمة.
فهذا إمام أهل السنة أحمد بن حنبل - عليه رحمة الله - كان يغشى مجلسه عبد الرحمن بن صالح الأزدي - وكان رافضيًا - فيقربه الإمام أحمد ويدنيه، فقيل له فيهن فقال: (سبحان الله! رجل أحب قومًا من أهل بيت النبي - ﷺ -..) .
وكان عبد الرحمن هذا يحدث بمثالب الصحابة، وأمهات المؤمنين، ولكن الإمام أحمد - بفقهه، وعلمه بمقاصد هذا الدين، ورسوخه في علم الكتاب والسنة، وحرصه على إنقاذ هذا الرجل - الذي أخبر الإمام بحاله - كان يقربه ويدنيه، لعله يزيل عن قلبه غشاوة البدعة، وعن بصره ضلالة الهوى، ليعود إلى الحق المبين، كما فعل - ﵀ - مع موسى بن حزام شيخ البخاري والترمذي، والنسائي، حيث (.. كان في أول أمره ينتحل الإرجاء ثم أعانه الله - تعالى - بأحمد بن حنبل، فانتحل السنة وذب عنها، وقمع من خالفها، مع لزوم الدين حتى مات.
(.. ألا ترى أن الإمام أحمد لزمه أن يجلس معه المجالس الطوال، مناقشًا له برفق وسكينة، وحكمة وموعظة حسنة، حتى استطاع صرفه عن بدعة
[ ١ / ٨٠ ]
الإرجاء، التي توهمه أن العمل ليس شرطًا في الإيمان، وإنما هو تصديق القلب فقط، ثم مجالس أخرى علمه فيها السنن، ثم مجالس أخرى بعث فيه همة عالية، استمر حتى موته بالدفاع عن السنة وقمع مخالفيها، من أهل البدع والشهوات) .
وكلام العلماء في دعوة المبتدعة وإرشادهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، واسع، له أحكامه وآدابهن ووسائلهن مما لا يتسع له الموضوع الذي نحن بصدده.
وما ورد من أقوال فضلاء هذه الأمة في التحذير من مبتدع بعينه، يتوجه إلى من كان داعيًا لبدعته، مصرًا عليها، ومن كان مظهرًا لها، وهو ممن يقتدى به، أما المسر ببدعته، والمستتر بشبهته، فالأولى عدم تعيينه بتحذير، أو تشهير أو تنفير؛ لما في ذلك من فساد، قد يؤدي إلى إصرار واستكبار، ودعوة إلى البدعة من حيث ظن أنه تنفير عنها، وجلب للفرقة والخلاف، بدلًا من الاجتماع والائتلاف، وسيأتي الحديث عن هذا مفصلًا في حكم المبتدع.
أما ما ورد عن الأئمة النبلاء، في التحذير من أهل الأهواء فكثير، اذكر منه على سبيل المثال والاستدلال، لا على سبيل الحصر، ما يلي:
أول تنبيه على هذا المعنى ما ورد عن النبي - ﷺ - في الجليس الصالح والجليس السوء، والتمثيل بحامل المسك ونافخ الكير، وإذا كان هذا الحديث في عموم المعاصي والمخالفات بين، فهو في البدع والأهواء أبين، إذ إن للسنة عبقها وعبيرها، وشذاها ونداها.. وللبدعة نتنها وعفنها، وكيرها وأذاها.
وكذلك ما روي عنه - ﷺ - أنه قال: "لا تجالسوا أهل
[ ١ / ٨١ ]
القدر ولا تفاتحوهم".
ومما يمكن أن يستدل به من كلام المصطفى - ﷺ - في هذا المعنى قوله: ".. ألا وإنه يخرج في أمتي قوم يهوون هوى، يتجارى بهم ذلك الهوى، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يدع منه عرقًا ولا مفصلًا إلا دخله".
ولهذا الحديث وجه في الاستدلال على وجوب الحذر من مجالسة ومخالطة أهل البدع.
(وبيان ذلك: أن داء الكلب فيه ما يشبه العدوى، فإن أصل الكلب واقع بالكلب، ثم إذا عض ذلك الكلب أحدًا صار مثله، ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب، إلا بالهلكة، فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله فقلما يسلم من غائلته، بل غما أن يقع معه في مذهبه، ويصير من شيعته وإما أن يثبت في قلبه شكًا، يطمع في الانفصال عنه فلا يقدر) .
وقد فهم هذا المعنى الدقيق ابن طاووس حين دخل عليه وعلى ابنه أحد المبتدعة، فجعل يتكلم في القدر، فأدخل ابن طاووس أصبعه في أذنيه وقال لابنه: (أدخل أصابعك في أذنيك، واشدد، فلا تسمع من قوله شيئًا فإن القلب ضعيف.
[ ١ / ٨٢ ]
ووعى هذا من قبل الإمام الحجة محمد بن سيرين - ﵀ - حين دخل عليه رجل من المبتدعة فقال: (يا أبا بكر، أقرأ عليك آية من كتاب الله، لا أزيد على أن أقرأها، ثم أخرج، فوضع إصبعيه في أذنيه ثم قال: أخرج عليك أن كنت مسلمًا لما خرجت من بيتي، فقال يا أبا بكر: إني لا أزيد على أن أقرأ ثم أخرج، قال: فقال بإزاره يشده عليه ويتهيأ للقيام، فأقبلنا على الجرل، فقلنا: قد حرج عليك إلا خرجت، أفيحل لك أن تخرج رجلًا من بيته؟ قال: فخرج.
فقلنا: يا أبا بكر ما عليك لو قرأ آية ثم خرج قال: إني والله لو ظننت أن قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكني خفت أن يلقي في قلبي شيئًا أجهد أن أخرجه من قلبي فلا أستطيع) .
وهذا هو حكم (سماع كلام أهل البدع، والنظر في كتبهم لمن يضره ذلك ويدعوه إلى سبيلهم) .
ولكنه ينهى في العموم عن ذلك لما يترتب عليه من مفاسد في الدين والدنيا.
فهذا هو سبيل السلف - عليهم رضوان الله - أخذوه من تأديب الرسول - ﷺ - للثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، وإن كان ذلك ليس ابتداعًا منهم، ولكنه مخالفة لأمر النبي - ﵇ -، فكان ذلك دالًا على هجر أهل البدع، وعدم السماع منهم من باب الأولى، كما بوب أبو داود السجستاني لذلك في سننه بقوله: (باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم) ثم استدل بحديث كعب ابن مالك في قصة تخلفه عن النبي - ﷺ - في غزوة تبوك.
وهذا صاحب رسول الله - ﷺ - وابن صاحبه عبد الله ابن عمر - ﵄ - لما نقل له كلام نجدة الحروري: (.. جعل لا
[ ١ / ٨٣ ]
يسمع منه كراهية أن يقع في قلبه منه شيء) .
وقد ذهب إمام دار الهجرة إلى أبعد من ذلك فجعل تلقي العلم عن المبتدع الداعي لبدعته أمرًا منهيًا عنه، وهذا من باب الأولى أيضًا فإذا كان السماع قد نهي عنه فتلقي العلم أحرى بالنهي.
قال مالك - ﵀ -: (لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به) .
هذا في سماعهم والتلقي عنهم، أما في مجادلتهم والخوض معهم فيما خاضوا فيه، فقد نبه السلف على ذلك كثيرًا، إذ جعلوا مصطلح (أهل الجدل والخصومات) مرادفًا لمصطلح (أهل البدع والأهواء) فهذا أبو قلابة يقول: ٠إياكم وأصحاب الخصومات، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.
بل قد جعل الحكم بن عتيبة الخصومات سببًا في دخول الناس في الأهواء والبدع حين سأله أحد أصحابه: (ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء أن يدخلوا فيها؟ قال: الخصومات) .
[ ١ / ٨٤ ]
ولعله يدخل في هذا ما يسلكه بعض أهل السنة، بدافع حبهم للسنة وتحذيرهم من البدعة، فيجادلون عن السنن، ويخاصمون أهل البدع، فيكون ذلك سببًا في نشر بدعة كانت نائمة، والإشارة إلى مبتدع لم يكن معروفًا، قال الفضيل ابن عياض: (لا تجادلوا أهل الخصومات، فإنهم يخوضون في آيات الله) .
وقد بوب اللالكائي - ﵀ - لهذا بابًا سماه: (سياق ما روي عن النبي - ﷺ - في النهي عن مناظرة أهل البدع، وجدالهم والمكالمة معهم، والاستماع إلى أقوالهم المحدثة وآرائهم الخبيثة) .
وهذا لا يعارض ما ذكرناه آنفًا من دعوة المبتدعة، وإرشادهم، ولا يعارض كذلك التحذير منهم وكشف شبههم والرد عليها.
بشرط أن يلتزم في ذلك بآداب الدعوة إلى الله ﷿، ومعرفة المهم والأهم، وقاعدة أخف الضررين، وأعلى المنفعتين.
وما يقال في ترك السماع من أهل البدع، وترك الخوض فيما خاضوا فيه، يقال كذلك في مجالستهم، وجامع ذلك هو الذم للمبتدع ولبدعته، والتحذير منه، فعن ابن عباس - ﵄ - قال: (لا تجالس أهل الأهواء؛ فإن مجالستهم ممرضة للقلوب) .
وعن عبد الله بن المبارك: (يكون مجلسك مع المساكين، وإياك أن تجالس صاحب بدعة) .
وعن الحسن البصري قال: (لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم) .
[ ١ / ٨٥ ]
وهذا ما يسميه العلماء: (هجر أهل البدع والأهواء) .
ولابد من التنبيه هنا إلى أن الهجر حكم شرعي، يأتي على وجه التأديب لمن أظهر المنكرات والمحدثات (.. وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدعة لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا، ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية..) .
ولابد من تنبيه آخر يناسب هذا المقام وهو: أن الذم الوارد للمبتدعة وللبدع، فإذا ثبت ذم البدع فقد ثبت ذم صاحبها، وإذا تأكد ذم مقارف البدع دل ذلك من باب الأولى على ذم ما كان سببًا في استحقاقه لهذا الذم.
وإنما تطلق هذه المعاني التي ذكرناها آنفًا في باب التحذير من البدع والتنفير من أهلها، ولهذا الباب متعلقات حكمية تفصيلية، تختلف باختلاف البدعة من حيث ضخامتها، أو ضآلتها، وكونها في الأصول أو الفروع العلمية العملية، وتختلف كذلك باختلاف أحوال المبتدع جهلًا أو علمًا، وهوى أو تأولًا، ودعوة أو استتارًا، مما ينبغي مراعاته والعناية به، وسوف يأتي تفصيله - بعون الله - في الباب الثالث.
[ ١ / ٨٦ ]