كما قال الإمام أحمد في وصف المبتدعة:
(.. عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما
[ ١ / ١٧٥ ]
يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين".
فشعار المبتدعة ترك الآثار، وشعار أهل السنة مثل ما قال محمد بن سيرين - ﵀ -: (كانوا يرون أنهم على الطريق ما كانوا على الأثر) .
ولذلك فإن أهل السنة أتباع الحق والهدى، يسمون أهل الحديث تارة، وأهل الأثر تارة، كما قال هارون الرشيد: (طلبت أربعة فوجدتها في أربعة: طلبت الكفر فوجدته في الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة، وطلبت الكذب فوجدته في الرافضة، وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث".
فانظر كيف فرق بين اتباع الهدى أصحاب الاتباع، وأتباع الردى ذوي الابتداع؛ لأن الله عصم أولئك بمسلكهم خلف رسول الله - ﷺ - كما قال وكيع بن الجراح: (لو أن الرجل لم يصب في الحديث شيئًا إلا أن يمنعه من الهوى كان قد أصاب فيه) .
وأساس علوم الإسلام كتاب الله وسنة رسوله، وقد أخبر المصطفى - ﵇ - عن ذهاب العلم فقال: ".. إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس ولكن قبض العلم قبض العلماء، فإذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا فيسألون، فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) .
[ ١ / ١٧٦ ]
ولقلة علمهم اتبعوا المتشابه، وتركوا المحكم، كما قال عمر بن الخطاب - ﵁ - (سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله - ﷿ -) .
وقد وصف الصادق - ﷺ - الخوارج بصفات منها: ما رواه علي - ﵁ - حيث قال: (.. وإني سمعت النبي - ﷺ - يقوم: "سيخرج قوم في آخر الزمان، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة".
وهم على عكس أهل السنة الذين من صفاتهم الرسوخ في العلم ورد المحكم إلى المتشابه، إذ من صفات المبتدعة الزيغ، وقلة العلم، وابتاع المتشابه، فمن جهة الجهل بالشرع حصل لهم الزيغ، فتركوا الأدلة المحكمة واتبعوا المتشابه فقادهم ذلك إلى الابتداع.