ذكرنا فيما مضى أن القدرية بعد أن نشأت على يد معبد الجهني وغيلان الدمشقي، على أن الله لم يكن عالمًا بشيء قبل وقوعه، وأنه لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد، تحولت بعض هذه الآراء إلى المعتزلة، وحصل في بعضها تبدل، وذلك حين أخذ واصل بن عطاء قول معبد الجهني في القدر، غير أنه قال بعلم الله سبحانه بالأشياء قبل وقوعها، خلافًا لمعبد وغيلان اللذين كانا يقولان الأمر أنف، ووافقهم واصل الذي يعتبر رأس مذهب الإعتزال، في أن أفعال الشر الواقعة من العباد ليست بإرادته ولا مشئيته، وليست من خلقه - ﷾ - وفي هذه الفترة التي نحن بصد الحديث عنها، لم يكن للقدرية فرقة مستقلة كالخوارج والشيعة، بل إن بدع القدرية توزعت بين فرق أخرى، فلأخذت الشيعة منها: كقول الكيسانية بالبداء على الله - ﷾ -
[ ١ / ١٤٢ ]
زكقول هشام بن الحكم - الذي يعتبر بمثابة المؤسس الكلامي لمذهب الشيعة الإثنا عشرية - أن الله عليم بالأشياء بعد أن لم يكن عالمًا بها.
وأخذ بعض فرق الخوارج من أقوال القدرية كفرقة (الميمونية)، الذين قالوا في باب القدر والاستطاعة والإرادة بقول القدرية والمعتزلة، وكفرقة (الحمزية) إذ قال زعيمهم حمزة بن أكرك بقول القدرية، وممن قال بأقوال القدرية من الخوارج، فرقة (الحارثية) من الإباضية، ومن الخوارج غير الإباضية الفرقة التي تسمى (أصحاب طاعةٍ لا يراد الله بها) .
وكذلك فقد أخذ بعض فرق المرجئه بأقوال القدرية، وهم الذين يطلق عليهم في كتب الفرق " المرجئه القدرية ".
بل لقد تأثر ببدعة القدرية بعض الأئمة الذين أخرج لهم البخاري ومسلم، ونذكر هنا بعضهم - على سبيل المثال - ممن عاش خلال هذه الفترة التي يجري الحديث عنها وهي من ١٧٨هـ إلى ٣٠٠هـ فمنهم:
عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وكهمس بن المنهال، ومحمد بن سواء
[ ١ / ١٤٣ ]
العنبري، وغيرهم من الثقات الذين روي لهم في غير الصحيحين.
ولكن الفرقة التي أخذت أقوال القدرية، وتولت كِبر هذه البدعة، وتفننت فيها، ووسعت القول البدعي فيها، ووضعت لها الأسس والأصول الفلسفية، هي فرقة المعتزلة، وسيأتي الحديث عنها قريبًا بعون الله.