أبو حذيفة المخزومي مولاهم البصري ولد سنة ٨٠هـ بالمدينة، كان بليغًا يهجر الراء في خطبه لأنه يلثغ فيها، كان يتعلم في مجلس الحسن البصري، فأظهر قولة المبتدع في مرتكب الكبيرة، وكان ذلك في مجلس الحسن البصري حين دخل عليه رجل فقال: (يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركنًا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا؟.
فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقًا ولا كافر مطلقًا بل هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعنزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة ".
وفي رواية أخرى: أن واصل بن عطاء لما قال قولته هذه في مرتكب الكبيرة، طرده الحسن من مجلسه، فانضم إليه عمرو بن عبيد، واعتزلا حلقة الحسن، وانحاز إليه من وافق مذهبه، فسموا بالمعتزلة.
وكان هلاكه في سنة إحدى وثلاثين ومائة وقد أخذ واصل بن عطاء من البدع التي سبقته فتأثر ببعضها، كبدعة الخوارج في الفاسق الملي، وتبنى بعضها
[ ١ / ١١٧ ]
كالقول بخلق القرآن، وكان هو رأس مذهب المعتزلة ومؤسسه، وأما البدع التي دعا إليها فهي:
١) القول بالمنزلة بين المنزلتين في الفاسق من أمة محمد - ﷺ -.
٢) أخذ رأي معبد الجهني في القدر، إلا أنه قال بأن الله عالم بالأشياء قبل وقوعها ولكن أفعال البشر ليست بمشيئته وإرادته، ولا من خلقه.
٣) القول بنفي صفات الله - ﷾ -.
٤) القول بأن أحد الفريقين المتحاربين من الصحابة فاسق لا محالة، من غير تعيين له بعينه وأنه لا تقبل شهادة أحد منهم.
فكانت هذه البدع التي قال بها واصل بن عطاء، كالأساسات التي انبنى عليها مذهب المعتزلة في الاعتقاد، وقد أضيف إلى هذه البدع بدع أخرى وأصلت عند المعتزلة فيما يسمونه بالأصول الخمسة، وكانت منهم فتن كبيرة على أهل السنة، إذ حملوا الناس بالقوة على اعتقاد أن القرآن مخلوق وغير منزل.