فحكمه حكم المرفوع على أحد قولي العلماء؛ لأن مخالفته للقياس يدل على أنه توقيف عن النبي - ﷺ -.
وهو قول الحنفية وجمهور الحنابلة، وقد نص الإمام أحمد على حجيته في مواضع وهو قول الشافعي في القديم والجديد.
وأمثلة ذلك ما أورده أبو الخطاب الحنبلي في التمهيد:
قول عمر ﵁ فيمن فقأ عين نفسه على عاقلته دين العين.
وقول ابن عباس ﵄: فيمن نذر ذبح ولده يذبح شاة.
[ ١ / ٣١٧ ]
الحالة الثانية:
أن يقول الصحابي قولًا يمكن تعليله بعلة معقولة، وهو ما كان للرأي فيه مجال:
وهو على نوعين:
١- النوع الأول:
فتوى مستندة إلى نص صريح، أو ظاهر من الكتاب أو السنة، مثال ذلك ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يرى الجد أبًا، ويتأول هذه الآية: [واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق]، فان ينزل الجد منزلة الأب في الميراث عند فقد الأب، وهذا أمر مدرك بالرأي.
٢- النوع الثاني:
فتوى اجتهادية مستندة إلى حكم ثبت عن طريق القياس أو المصلحة أو سد الذرائع.
ومثال ذلك ما رواه عبد الرزاق في مصنفه أن عمر ﵁ كان
[ ١ / ٣١٨ ]
يشك في قود القتيل الذي اشترك في قتله جماعة، فقال له علي ﵁: (يا أمير المؤمنين أرأيت أن نفرًا اشتركوا في سرقة جزور فأخذ هذا عضوًا وهذا عضوًا أكنت قاطعهم؟ قال: نعم، فقال: فكذلك) .
فقد قاس القتل على السرقة بجامع أن كلًا منهما اعتداء على محرم شرعًا وهذا أمر مدرك بالرأي.
وهناك أمثلة للمصلحة ولسد الذرائع كلها من باب المدرك بالعقل، وقول الصحابي، وفعله، وفتواه، ومذهبه، وقضاؤه، ينقسم من حيث انتشاره وشيوعه، ووقع الخلاف في بينهم إلى أقسام:
القسم الأول:
إذا شاع القول أو الفعل بين الصحابة، ولم ينقل
[ ١ / ٣١٩ ]
خلاف فيه بينهم فهذا إجماع سكوتي يشترط في الاحتجاج به انتفاء موانع الإنكار.
القسم الثاني:
إذا قال الصحابي قولًا في مسألة تعم بها البلوى، ولم ينقل فيها خلاف أحد من الصحابة فهو بمنزلة الإجماع السكوتي؛ لأن المسالة إذا كانت مما تعم بها البلوى تستلزم انتشار القول واشتهاره.
القسم الثالث:
إذغ صدر عن الصحابي قول أو فعل ولم ينتشر بين الصحابة ولم ينقل خلاف فيه بينهم، وهذا محل نزاع بين العلماء في حجيته على غير الصحابي، أما على الصحابي فقد حكى الآمدي الإجماع على كونه غير حجة عليه وسيأتي الحديث عن حجيته قول الصحابي والأدلة.
القسم الرابع:
إذا اختلف الصحابة في مسألة، فإنه يسلك سبيل الترجيح بين أقوالهم، وقد ذكر العلماء مسالك الترجيح بين أقوالهم بتفصيل ليس هذا مكانه.