فأمّا الربُّ ﷿ فإنّه مُنَزَّهٌ عن تلك العوارض، فأمرُهُ على الاحتمال حتى يحضر وقت العمل بدون حاجة إلى ما يقوم مقام قول الإنسان: "وعندما تريد الذهاب أخبرني".
وكذلك أمرُ نبيِّه ﵊؛ لأنَّه مبلِّغ عن الربّ، والربُّ تعالى متكفِّلٌ بحفظه، أن يَعْرِض له شيء من تلك العوارض يمنع من البيان قبل وقت الحاجة.
والحاصل أنَّ النَّص على الحكم وقد بَقِيَتْ مدَّةٌ إلى حضور وقته إذا كان لذلك النص ظاهرٌ = فهو ظاهر من جهة اللفظ، ولكنّه غير ظاهر من جهة المعنى، بل هو محتمل فقط، فإذا جاء الوقت ولم يُبيَّن عُلِمَ أنّ ما ظهر من اللفظ هو المراد من جهة المعنى أيضًا.
فإذا أطلق الشارع نصًّا في حُكْمٍ لم يحضر وقته، وللنّصِّ ظاهرٌ لفظيٌّ، ثم بيَّن عند الحاجة ما يرفع ذلك الظاهر = لم يلزم من إطلاق النصّ كذبٌ ولا شُبْهَة كذبٍ، فتدَّبر وأمعِن النَّظر.
ثم نقول: معرفة صفات الأمور الطبيعية ليس لها حاجةٌ في الشريعة أصلًا، فلا مانع من ترك بيان ما يتعلق بها أصلًا، وإنَّما يظهر البيان عندما يطَّلِعُ الإنسان على صفة ذلك الشيء، فيتبيَّن له حينئذٍ المعنى المراد من النص، ولا يلزم كذبٌ ولا شُبْهَة كذبٍ إذا تبيَّن أنَّ الواقع خلاف الظاهر اللَّفظي من النَّص.
فلو قال النبي - ﵌ - لرجل: اذهب إلى فلان فستجده يأكل لحم إنسان، فذهب إليه فلم يجده يأكل لحمًا، ولكن وجده يغتاب إنسانًا، لقال: صدق الله ورسولُه، إنَّ اغتياب الإنسان كأكل لحمه.
[ ٦ / ٨١ ]
ولو قال - ﵌ - لرجل: أتحبُّ فلانًا؟ فقال: نعم! فقال: أَمَا إنّك ستقتله، فلمّا كان بعد وفاة النبي - ﵌ - سَقَطَت من الرجل كلمة كانت سببًا لقتل صاحبه، لقال: صدق الله ورسولُه، أنا قتلته بكلمتي.
وفي هذا نصٌّ واقع، وهو قول النبي - ﵌ - لأزواجه لمَّا سألْنَهُ أيتُهُنّ أسرع لحوقًا به: "أسرعكنَّ لحوقًا بي أطولُكُنَّ يدًا".
قالت عائشة: "فكُنَّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله - ﵌ - نمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أنَّ النبي - ﵌ - إنّما أراد بطول اليد الصَّدَقة، وكانت زينب امرأة صنَّاعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز وتصدَّق في سبيل الله".
هذا لفظ رواية الحاكم في "المستدرك" (^١)، كما حكاها الحافظ في "الفتح" (^٢). والحديث في "الصحيحين" (^٣)، ولكن وقع في رواية البخاري اختصار ووهمٌ، نبَّه عليه الحافظ في "الفتح" (^٤).
قال الحافظ: "وفي الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة ظاهر، وفيه جواز إطلاق اللَّفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة، وهو لفظ "أطولُكُنَّ"
_________________
(١) (٤/ ٢٥) وقال: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
(٢) "الفتح" (٣/ ٢٨٦).
(٣) البخاري (١٤٢٠)، ومسلم (٢٤٥٢) من حديث عائشة ﵂.
(٤) والوهم والاختصار الذي وقع في رواية البخاري والذي نبَّه عليه الحافظ هو لفظه الموهم أنَّ أول نسائه موتًا بعده "سودة بنت زمعة" ﵂، والصواب أنَّها "زينب بنت جحش" ﵂.
[ ٦ / ٨٢ ]
إذا لم يكن محذورٌ. قال الزين ابن المُنَيِّر: لمَّا كان السؤال عن آجالٍ مقدَّرةٍ لا تُعْلَم إلَّا بوحيٍ أجابهُنَّ بلفظٍ غير صريح، وأحالهُنَّ على ما لا يتبيَّن إلَّا بآخره، وساغ
ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفيَّة". "الفتح" ج ٣ ص ١٨٥ (^١).
وقد يقال: إنّ في الحديث قرينة، بل قرينتين:
الأولى: قوله: "أطولُكُنَّ يدًا"، ولم يقل: "أطولُكُنَّ"، مع أنَّه أخصر، ففي العدول إلى ذكر طول اليد إشارة إلى المعنى المراد.
الثاني: أنَّ سُرعة اللُّحوق به فضيلة، والفضيلة إنَّما تُدْرَك بعملٍ صالح، والطُّول الحِسِّي ليس بعمل صالح.
ويمكن أن يجاب بأنَّ الأُولى مبنيَّة على أنّ الطُّول الحسِّي في اليد ملازمٌ لطول القامة، وليس كذلك ولكنَّه الغالب، وأمَّا الثانية فليست بظاهرة؛ لأنّ الموت عند تمام الأجل، فليس بمرتبط بالفضيلة ارتباطًا ظاهرًا، إذ لا مانع من طول عمر الفاضلة وقصر عمر المفضولة.
وعلى كل حالٍ فإنّما استُنبط هذا بعد العلم بحقيقة الحال، وأمَّا قبل ذلك فقد كان الظَّاهر هو طول اليد الحِسِّي، كما فَهِمَتْهُ أمّهات المؤمنين ﵅، ولم يَزَلْنَ على ذلك حتى تبيَّن خلاف ذلك بموت زينب.
فإن قيل: كيف هذا وقد تقدَّم في كلمات خليل الله إبراهيم ﵇ (^٢) ما عَلِمتَ، وتقرَّر هناك أنَّها لا تخلو عن شيءٍ، كأنّ المراد ما
_________________
(١) "الفتح" (السَّلفية ٣/ ٢٨٧).
(٢) يعني كذباته وقد تقدم ذكرها.
[ ٦ / ٨٣ ]
يعبِّرون عنه بخلاف الأَوْلَى، وسياق الأحاديث فيها يقتضي أنّ نبينا - ﵌ - كان يتنزَّه عن مثلها، والله ﷾ أولى أن يُنزَّه.
قلتُ: يمكن أن يُجاب بأنّ كلمات الخليل ﵇ تتعلّق بوقائع عادية وَقَعَت له، وليست متعلِّقة بما هو غيب عند عامة الناس أو غالبهم، والبحث المتقدِّم إنّما هو فيما كان غيبًا مطلقًا، أو بالنظر إلى غالب الناس.
[ ٦ / ٨٤ ]