وإيضاح هذا: أنَّه قد علم أنَّه لو تبيَّن للظَّلَمة أنَّها امرأته لقتلوه، وإذا عرف ذلك فيبعُدُ أن يعترف بأنَّها امرأته. ومثل هذه الحال تُوْقِعُ عادةً في الكذب المَحْض؛ ولهذا لا يثق الناس بخبر مَنْ وَقَعَ في مثلها، فإذا عَرَفَوا منه التحفُّظ من الكذب قالوا: لعلَّه ورَّى، فهذا شِبْهُ قرينة.
أَوَلَا ترى الناس لا يرتابون في قول الغنيِّ لبعض المال الذي تحت يده: هذا مال امرأتي؟ ويرتابون في مثل هذا القول إذا وَقَعَ من مفلسٍ أو مُصَادَرٍ.
ومع هذا كلّه؛ فقد سمَّى الشارع هذه الثلاث الكلمات كذبات، فقال النّبي - ﵌ -: "لم يكذب إبراهيمُ إلَّا ثلاث كذباتٍ، كُلُّهنَّ في ذات الله " والحديث في "الصحيحين" (^١).
وجاء في الشرع ما يدلُّ أنَّ مثل هذا من الكذب لا يخلو من مخالفة، ففي "الصحيحين" (^٢) في حديث الشفاعة: "فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا عند ربّك ، فيقول: لست هُناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، أكلُهُ من الشَّجرة وقد نُهِيَ عنها فيأتون نوحًا، فيقول: لست هناك، ويذكر خطيئته التي أصاب، سؤاله ربه بغير علم فيأتون إبراهيم، فيقول: إنِّي لست هناكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهنَّ ".
وهناك ثلاثة أنواع دون ما ذُكِر:
أوَّلُها: الإيهام: كأَنْ يريد غزوةً جهة الشَّرق، فيسأل عن الطَّريق التي في جهة الغرب، حتى إذا كان جاسوسٌ يرى الاستعداد للغزو، يسمع ذلك
_________________
(١) البخاري (٣٣٥٨) ومسلم (٢٣٧١)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) البخاري (٤٤٧٦) ومسلم (١٩٣)، من حديث أنس ﵁ بنحوه.
[ ٦ / ١٨ ]
السؤال، فيَتَوَهَّمُ أنَّ القصد جهة الغرب، فإذا رجع إلى العدو الشرقيِّ أخبرهم بذلك، فيكفوا عن الاستعداد.
وبهذا أو نحوه فُسِّر ما جاء في "الصَّحيح" (^١) أنّ النبي - ﵌ - كان إذا أراد غزوةً وَرَّى بغيرها. وليس ذلك بكذبٍ. على أنَّ مِن شأن مَن يريد غزوةً أن يكتم قصْدَه، ويحرص على إيهام العدوِّ أنَّه لا يقصدهم، وهذا شِبْهُ قرينةٍ تُشكِّك في الإيهام المذكور.
ثانيها: الكلامُ الموجَّهُ، وهو الذي يحتمل معنيين فأكثر على السواء، وليس هذا أيضًا من الكذب في شيءٍ ألبتة.
ثالثها: أن يكون الكلام ظاهرًا في المعنى المراد، ولكنَّه صِيغَ مَصَاغًا يستخفُّ المُخَاطَب، فإذا استعجل فَهِمَ خلاف المقصود.
وقد نُقِل شيءٌ من هذا عن النبي - ﵌ -، كان ربّما تعمّده تأديبًا للمُخَاطَبِين، وتعليمًا لهم أن لا يستعجلوا في فهم الكلام قبل التروِّي فيه.
فمن ذلك: ما رُوِيَ أنَّ رجلًا سأله أن يحمِلَه على بعيرٍ، فقال - ﵌ -: "لأحملنَّك على ولد ناقةٍ"، فاستعجل الرجل وقال: وما أصنع بولد ناقةٍ؟ ! فقال: "وهل تَلِدُ الإبلَ إلَّا النُّوقُ؟ " (^٢).
_________________
(١) البخاري (٢٩٤٧) ومسلم (٢٧٦٩)، من حديث كعب بن مالك ﵁.
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢٦٧) وأبو داود (٤٩٩٨) والترمذي (١٩٩١) وغيرهم، من طرقٍ عن خالد الطحَّان عن حميد الطويل عن أنسٍ ﵁ به. وقد صحَّحه الترمذي عقبه، والألباني على شرط الشيخين في "مختصر الشمائل" للترمذي (٢٠٣) و"صحيح الأدب المفرد" (٢٠٢).
[ ٦ / ١٩ ]
العرفُ قد صيَّر الظَّاهر من قولنا: "ولد ناقةٍ"، أو "ولد بقرةٍ"، أو نحو ذلك هو الصَّغير، ولكنّ قوله: "لأَحْمِلَنَّك" قرينةٌ واضحةٌ أنَّه لم يُرِد الصَّغيرة؛ لأنَّ الصَّغير لا يُحْمَل عليه.
ومثله ما يُروَى: أنَّ امرأةً مَرَّت تسأل عن زوجها، وقد كان خرج من عندها قبل قليل؟ فقال لها - ﵌ -: "هو ذاك في عينيه بياض" (^١).
فالعُرْفُ قد جعل الظَّاهر من قولنا: "في عَيْنَي فلان بياضٌ" هو البَيَاض العارِض، ولكنَّ العادة قاضيةٌ بأنَّ البَيَاض العارض لا يَحْدُث في ساعةٍ.
ومنه ما يُروَى أنَّه قال لامرأةٍ من المسلمات قد قرأت القرآن وفهمته: "لا تدخل الجَنَّة عجوزٌ"! فلمَّا فَزِعَت قال لها: "أَمَا تقرئين القرآن: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة: ٣٥، ٣٦]؟ " (^٢).
_________________
(١) أخرجه الزبير بن بكار في "الفكاهة والمزاح" من حديث زيد بن أسلم مرسلًا، وابن أبي الدنيا من حديث عبدة بن سهم الفِهري، مع اختلاف؛ كما في "تخريج أحاديث الإحياء" للعراقي (٣/ ١٥٧٤)، وقد أورده ابن الأثير في "جامع الأصول" (١١/ ٥٥) وجعله من زوائد رزين بن معاوية في "التجريد". وينظر في الكلام على زوائد رزين في "التجريد": "سير أعلام النبلاء" (٢٠/ ٢٠٥)، و"تاريخ الإسلام" (٣٦/ ٣٧٦)، كلاهما للذهبي.
(٢) أخرجه عبد بن حميد كما في "تفسير ابن كثير" (٧/ ٥٣٢) ومن طريقه الترمذي في "الشمائل" (٢٤٠) ومن طريقه البغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٨٣) والبيهقي في "البعث والنشور" (٣٤٦) وغيرهم، من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن البصري مرسلًا. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥/ ٣٥٧) من طريق مسعدة بن اليسع عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة بنحوه مرفوعًا. وفي إسناده "مسعدة"، وهو متروك. وأخرجه البيهقي في "البعث" (٣٤٣) وأبو الشيخ في "أخلاق النبي - ﷺ -" (١٨٦) من طريق الليث عن مجاهد عن عائشة بنحوه مرفوعًا. وفيه "ليث" وهو ابن أبي سليم، ضعيف في الرواية. وقد صحَّحه الألباني في "الصحيحة" (٢٩٨٧) بعد أن كان يحسِّنه في "غاية المرام" (٣٧٥) و"مختصر الشمائل" (٢٠٥).
[ ٦ / ٢٠ ]