وحديث
الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها".
ثم ذكر أنَّ بعض الرُّواة أدرج هذا الكلام، فجعله من قول أم كلثوم بلفظ: "وقالت: ولم أسمعه يرخِّص ".
وبيَّن الحافظ في "الفتح" أنَّ الذي أدْرَجَه في الحديث وَهِم، والصواب أنَّه من قول الزُّهري، ونقل الحُكْمَ بالإدراج عن النسائي وموسى بن هارون وغيرهما، ثم قال: "قال الطَّبري: ذهبت طائفةٌ إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، وقالوا: إنّ الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم إنّما هو فيما (^١) فيه مضرَّة، أو ما ليس فيه مصلحة. وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيءٍ مطلقًا، وحملوا الكذب المراد هنا على التَّورية والتَّعريض، كَمَن يقول للظالم: دَعَوْتُ لك أمس، وهو يريد قوله: اللهم اغفر للمسلمين ".
ثم قال الحافظ: " واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو قصد ظالمٌ قتل رجل ــ وهو مختفٍ عنده ــ فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك، ولا يأثم، والله أعلم".
أقول: مهما خلا الكذب عن المفسدة، فلا يكاد يخلو عن إفقاد صاحبِهِ ثقةَ الناسِ بكلامه، وحرمانِهِم الاستفادة من خَبَرِه بقيَّة عُمره، فهو يستفيد من أخبارهم، ولا يثقون به فيستفيدوا من خبره.
ولعل سقوط ثقتهم بخَبَرِه يوقعُهُم في مضارَّ، ويصرف عنهم مصالح ممَّا يُخبرهم به صادقًا فلا يصدِّقونه.
ولو أبيح الكذب في الإصلاح، فكَذَبَ المصلحُ لأَوْشَكَ أن يُعْرَف كذبه فتسقط الثقة به.
_________________
(١) في الأصل: "ما". والتصويب من "الفتح" (٥/ ٣٠٠).
[ ٦ / ١٥ ]
وافرض أنَّه عُلِم عُذْرُه، فإنَّها على ذلك تسقط الثِّقة به في الإصلاح، فإذا قال خيرًا أو نَمَى خيرًا بعد ذلك لم يُصَدَّق، وإن كان صادقًا؛ لأنّه قد عُرِف استحلاله الكذب في ذلك، ومع هذا فإنها تَتَزَلْزَل (^١) الثقة بخبره في غير الإصلاح أيضًا، إذ يقول الناس: لعلَّه يَرَى في خبره هذا إصلاحًا، فيستحلّ الكذب فيه!
وقريبٌ مِنْ هذا: حالُ الكذب في الحرب، وكذبُ كلٍّ من الزوجين على الآخر.
وأنا نفسي كانت إذا سألتني زوجتي ما لا أريد أقول لها: أفعل إن شاء الله! قاصدًا التَّعليق، فلمَّا قلتُ ذلك ثلاث مرَّاتٍ أو أزْيَدَ فَطِنَت للقضَّية! فصارَت لا تثق بوعدي إذا قلتُ: سأفعل إن شاء الله، فوقعتُ في مشكلةٍ؛ لأنّني أحتاج إلى أن أقول: "إن شاء الله" في كل وعدٍ وإن أردت الوفاء به؛ للأمر الشرعي بذلك (^٢).
وقولك لظالمٍ: "دعوتُ لك أمس" فيه مفاسد؛ لأنَّه إن كان يُحْسِن الظَّن بك، وحَمَل قولَك على ظاهره جَرَّأَه ذلك على الظُّلم، قائلًا: إنّ دعاء هذا الصَّالح لي يدلُّ على أنَّه يراني من أهل الخير، وأنَّ ما يخطر لي من التأويل في هذه الأمور التي يزعم الناس أنَّها ظلمٌ هو تأويلٌ صحيحٌ! وما من ظالمٍ إلَّا والشيطان يوسوسُ له بتأويلٍ ما يبرِّر به صنيعه.
_________________
(١) كذا في الأصل، والضمير للقصة.
(٢) يعني لأمر الشارع في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
[ ٦ / ١٦ ]