قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾.
دلَّت الآية أنَ المتشابه من شأنه أن يتَّبعه الزَّائغون؛ ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله.
ومن المعقول أنَّ الآية التي تتشابه معانيها يتَّبعها الزَّائغ ابتغاء الفتنة؛ ليحملها على المعنى الذي يوافق هواه، ولكنّ قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ يدلُّ أنَّ ابتغاء تأويل المتشابه زيغٌ.
فإن قيل: إنَّما يكون زيغًا في حقِّ الزَّائغين؛ لأنَّهم يبتغون الفتنة.
قلتُ: لا أرى هذا شيئًا؛ إذ لو كان كذلك لكان المدار على ابتغاء الفتنة، ولَمَا ظهر معنًى لزيادة ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، بل ولا تخصيص المتشابه؛ لأنَّ مبتغي الفتنة يبتغيها في كل آية من القرآن، وإن كان ابتغاؤه إيَّاها فيما تشابهت معانيه أكثر.
فإن قيل: فإنَّما يكون ابتغاء تأويله زيغًا في حقِّ هؤلاء؛ لأنَّهم غير راسخين في العلم.
قلتُ: لا أراه كذلك؛ لأنَّ مَن ليس براسخٍ في العلم قد يخطئُ في فهم المحكم أيضًا.
وأوضح من هذا كلِّه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، فقصر علم تأويل المتشابه على الله ﷿.
فإن قلتَ: فقد قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؟
[ ٦ / ٥٢ ]
قلتُ: ليس هذا عطفًا ألبتَّة، وإنَّما هو معادل قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، فكأنه قال: (وأما الراسخون في العلم ).
فالآية كقولك: أمّا زيدٌ ففي المسجد وعمرو ذهب إلى السوق، اختار هذا المعنى ابن هشام في "المغني" (^١)، وهو المختار؛ لأنَّ "أمَّا" للتَّفصيل، وذِكْرُ القسمين أو الأقسام بعدها هو الأصل، والحذف خلاف الأصل. فلمّا كان قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ يحتمل أنَّه القسم الثاني، ويحتمل خلافه، فحمله على أنَّه القسم الثاني هو الظَّاهر حتمًا.
ويؤيِّد ذلك أنَّ القائلين بالعطف قالوا: إنَّ قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هم يقولون، ولا يخفى أنَّ الأمر إذا دار بين الإضمار وعدمه فالأصل عدمُهُ.
ومنهم مَن جَوَّز أن يكون حالًا، وهو باطل؛ لأنَّ الحال قيدٌ في عاملها، فيصير المعنى: "وما يعلم تأويله في حال قول الراسخين كذا وكذا إلَّا الله والراسخون"، فيُفْهَم منه أنَّ غير الله والراسخين قد يعلم تأويله في غير تلك الحال! ولا وجه لهذا.
وإن قُدِّرَ أنَّه حالٌ من ضميرٍ محذوفٍ، والتَّقدير: "هم يعلمونه حال كونهم يقولون" [فـ]ـتعسُّفٌ بتكثير الإضمار، ولزوم أنَّ الله والرَّاسخين لا يعلمون تأويله إلَّا في تلك الحال! وهذا محالٌ.
فإن حُمِلَ قولنا: "هم يعلمونه" على الرّاسخين وحدهم، فكذلك يلزم منه أنَّهم لا يعلمونه إلَّا في تلك الحال!
_________________
(١) "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" (ص ٨١ - ٨٢).
[ ٦ / ٥٣ ]
وهناك مصارعات ومقارعات، انظرها في: "روح المعاني" (^١) إنْ
أحببت.
وأوضح من هذا كلِّه: أنّه صحَّ ــ كما في "المستدرك" وغيره (^٢) ــ عن ابن عباس ــ وهو المَدْعوُّ له بتعلُّم التأويل (^٣) ــ كان يقرأ: (وما يعلم تأويله إلَّا الله ويقول الراسخون ..).
وحُكيَ مثله عن أُبيِّ بن كعب (^٤). وقد صحَّ عن النبي - ﵌ - قوله: "أقرؤكم أُبيّ" (^٥). وجاء عن ابن مسعود ــ وهو هو ــ أنه كان يقرأ: (وإن
_________________
(١) للآلوسي (٣/ ٨٣ ــ ٨٧).
(٢) "المستدرك" (٢/ ٢٨٩)، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ١١٦) ومن طريقه ابن أبي داود في "المصاحف" (١/ ٣٤٨)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٢١٨)، وأخرجه ابن الأنباري في "الأضداد" (ص ٤٢٦) وغيرهم، من طريق معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس ﵁ به.
(٣) تقدم ذكره (ص ٨ - ٩) من هذه الرسالة.
(٤) أخرجه الطبري (٥/ ٢١٩) وابن أبي حاتم (٢/ ٥٩٩) من طريق ابن وهب عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أُبَيٍّ ﵁ بنحوه.
(٥) أخرجه أحمد (٣/ ١٨٤) والترمذي (٣٧٩١) وابن ماجه (١٥٤) وابن حبان (٧١٣١، ٧١٣٧، ٧٢٥٢) والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٤٢٢) وغيرهم، من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس ﵁ بلفظ: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر " وفيه: "وأقرؤهم لكتاب الله أُبي بن كعب". قال الترمذي عقِبه: "حسنٌ صحيحٌ"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة؛ وإنَّما اتفقا بإسناده هذا على ذكر أبي عبيدة فقط، وقد ذكرتُ علَّته في كتاب التلخيص". وصحَّح إسناده ابن حجر في "الفتح" (٧/ ٩٣)، وقال: "إلَّا أنَّ الحفَّاظ قالوا: إنَّ الصَّواب في أوَّله الإرسال، والموصول ما اقتصر عليه البخاري". وقال في "التلخيص الحبير" (٣/ ٧٩ ــ ٨٠): "أُعِلَّ بالإرسال، وسماع أبي قلابة من أنسٍ صحيحٌ؛ إلَّا أنه قيل: لم يسمع منه هذا، وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على أبي قلابةً في "العِلل"، ورجَّح هو وغيره ــ كالبيهقي والخطيب في "المدرج" ــ أنَّ الموصول منه ذكرُ أبي عبيدة، والباقي مرسلٌ. ورجَّح ابن الموَّاق وغيره رواية المرسل" ثم ذكر طرقًا للحديث لا يخلو شيءٌ منها من ضعفٍ. وصحَّح الألباني الحديث في "الصحيحة" (١٢٢٤) متصلًا، واستغرب إعلاله بالإرسال. تنبيه: الحديث الذي اقتصر عليه البخاري هو ما أخرجه (٣٧٤٤) ومسلم (٢٤١٩)، بلفظ: "لكل أمةٍ أمينٌ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرَّاح".
[ ٦ / ٥٤ ]
تأويله
إلَّا عند الله والراسخون في العلم) (^١).
فلو كان المعنى على العطف لقال: "والراسخين"، كما لا يخفى.
وقد رُوِيَت عن النَّبي - ﵌ - وأصحابه آثارٌ كثيرة تصرِّح بأنَّ المتشابه لا يعلمه إلَّا الله تعالى وحده. انظرها في "الدُّر المنثور" (^٢).
وسياق الآيات يدلُّ على ذلك؛ فإنّ قول الراسخين: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ظاهرٌ في عدم علمهم بتأويله، وإنَّما علموا أنَّه حقٌّ لأنَّه من عند ربهم، فكأنَّهم قالوا: أمَّا ما عَلِمْنَا تأويله فقد عَلِمْنَا أنَّه حقٌّ بعِلْمِنَا بتأويله، وأمَّا المتشابه فإنَّنا نؤمن به؛ لأنَّه أيضًا من عند ربِّنا، فهو حقٌّ وإن لم نعلم تأويله.
_________________
(١) ينظر: "كتاب المصاحف" لابن أبي داود (١/ ٣٠٩) ولفظه فيه: "قراءة عبد الله: (وإنْ حقيقة تأويله إلَّا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ). وذكره الطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٢١) بلفظ المؤلف.
(٢) (٣/ ٤٥٩ ــ ٤٦١).
[ ٦ / ٥٥ ]