ضروريٌّ؛ لأنّ الدّين من شرع الحكيم العليم الذي أحاط بكل شيءٍ علمًا، وعقل المخلوق وعلمه محدود.
وأنت ترى عقول النّاس مختلفة، فكم من أمرٍ يجزم كثيرٌ من النّاس بأنَّه خلاف الحِكْمة فيجيء مَن هو أعقل أو أعلم منهم فيُبيِّن لهم وجه الحِكْمة، وقد قال الله ﷿: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
وكثيرٌ من الأحكام يحصل المقصود بالعمل بها، ولا يحتاج إلى العلم بوجه حِكْمتها، وقد يكون العلم بوجه الحِكْمة يفتقر إلى صَرْف مُدَّةٍ طويلةٍ من العمر.
ومثل ذلك مثل الطبيب والمريض؛ فإنَّ الطبيب يعلم من طبائع الأمراض والأدوية ما لا يعلمه المريض، ومن ذلك ما لا يُدْرَك إلَّا بعد صَرْف مُدّةٍ طويلةٍ في التعلُّم، وقد يكون المريض ضعيف الفهم لا يتهيَّأ له معرفة ذلك، ولو أتعب نفسه فيه، ففي مثل هذا ليس على الطبيب إلَّا إعطاء المريض الدَّواء المناسب، وليس عليه أن يشرح له حقيقة المرض، وأسبابه، وسبب تأثير الدَّواء؛ لأنّ هذا يطول ويُتْعِب في غير فائدة.
وبحَسْب المريض أنْ يعلم أنَّ الذي أعطاه الدواء طبيبٌ ناصحٌ، والعلم بذلك لا يحتاج إلى استقراء مستغرقٍ.
ولو قال المريض: لا آخذ الدَّواء حتى تشرح لي حقيقة المرض، وأسبابه، وحقيقة الدَّواء، وتأثيره، لعُدَّ أحمق الناس! ولطَرَدَه الطبيب قائلًا: أنا أعالجك رحمةً وشفقة، وقد قام عندك من الدَّلائل ما يكفي في عِلْمِك أنِّي طبيبٌ ناصحٌ، وتعلم أنَّ معرفة ما تريد أن أُعرِّفك به تفتقر إلى علومٍ
[ ٦ / ٢٦ ]
ليست عندك، ولعلّ
فهمك لا يبلغها، واشتغالي بذلك إضاعةٌ لوقتي ووقتك فيما لا حاجة إليه، وصرفُ الوقت في مداواة العقلاء أولى بي من التَّحامق مع الحَمْقى!
هذا كلُّه مع أنّ الطبيب بشر يجوز عليه الغش والخطأ.
وبالجملة؛ فالعلم بنبوَّة النَّبي له طرقٌ بعضها أكمل من بعض، ولست الآن في صَدَد الاستيفاء.
والمقصود: أنّ الإيمان بما ذُكر هو الذي يتوقّف عليه معرفة الأمر والنّهي.
وقد بقي معنىً مهمٌّ، وهو الإيمان بالوحدانية، فالوحدانية في الربوبية قد تكلّم فيها أهل الكلام، ولا حاجة للإطالة فيها، وأمّا وحدانية الألوهية فقد حقَّقتُها في "رسالة العبادة"، والحمد لله.
واعْلم أنّ هذه الأمور الضرورية في الإيمان معلومةٌ من الدين بالضرورة، فمَن أراد أن يتأوّل بعض نصوصها تأويلًا يُنافي ما عُلم بالضرورة فلا نزاع في كفره.
واعْلم أنَّ في الشريعة نصوصًا عُبِّر فيها عن بعض الصفات المتقدِّمة بلفظ يُرى أنَّ الظَّاهر معنًى آخر.
من ذلك قول الله ﷿: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، وقوله لموسى وهارون
[ ٦ / ٢٧ ]