تعال أَيهَا الصّديق لأبين لَك برهانا يملك من الْقُوَّة مَا للبراهين الْعشْرَة السَّابِقَة دَعْنَا نتأهب لسفرة بحريّة
[ ٣٩ ]
سنركب سفينة لنذهب إِلَى جَزِيرَة بعيدَة عَنَّا أتعلم لماذا نَذْهَب إِلَيْهَا إِن فِيهَا مَفَاتِيح ألغاز هَذَا الْعَالم ومغاليق أسراره وأعاجيبه أَلا ترى أنظار الْجَمِيع محدقة إِلَيْهَا ينتظرون مِنْهَا بلاغا ويتلقون مِنْهَا الْأَوَامِر فها نَحن نبدأ بالرحلة وَهَا قد وصلنا إِلَيْهَا ووطئت أقدامنا أَرض الجزيرة نَحن الْآن أَمَام حشد عَظِيم من النَّاس وَقد اجْتمع أَشْرَاف المملكة جَمِيعهم هُنَا أمعن النّظر يَا صديقي إِلَى رَئِيس الِاجْتِمَاع المهيب هلا نتقرب إِلَيْهِ قَلِيلا فنعرفه عَن كثب فها هُوَ ذَا متقلد أَو سمة راقية تعد بالآلاف ويتحدث بِكَلَام ملؤه الطّيب والثقة والاطمئنان وَحَيْثُ أَنِّي كنت قد تعلمت شَيْئا مِمَّا يَقُول
[ ٤٠ ]
خلال خَمْسَة عشر يَوْمًا السَّابِقَة فَسَوف أعلمك إِيَّاه أَنه يتحدث عَن سُلْطَان هَذِه المملكة وَيَقُول أَنه هُوَ الَّذِي أرْسلهُ إِلَيْكُم أنظر أَنه يظْهر خوارق عَجِيبَة ومعجزات باهرة بِحَيْثُ لَا يدع شُبْهَة فِي أَنه مُرْسل خصيصا من لدن السُّلْطَان الْعَظِيم اصغ جيدا إِلَى نطقه وتكلمه فَجَمِيع الْمَخْلُوقَات آذان صاغية لَهُ بل المملكة برمتها تصغي إِلَيْهِ حَيْثُ الْجَمِيع يسعون إِلَى سَماع كَلَامه الطّيب ويتلهفون لرؤية محياه الزَّاهِر أَو تظن أَن الْإِنْسَان وَحده يصغي إِلَيْهِ فَحسب بل الْحَيَوَانَات أَيْضا بل حَتَّى الْجبَال والجمادات تصغي إِلَى أوامره وتهتز من خشيتها وشوقها إِلَيْهِ انْظُر إِلَى الْأَشْجَار كَيفَ تنقاد إِلَى أوامره وَتذهب إِلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ من مَوَاضِع أَنه يفجر المَاء أَيْنَمَا يُرِيد بل حَتَّى من بَين أَصَابِعه فيرتوي النَّاس من ذَلِك المَاء الزلَال انْظُر إِلَى ذَلِك الْمِصْبَاح المتدلي من سقف المملكة إِنَّه ينشق إِلَى شقين اثْنَيْنِ بِمُجَرَّد إِشَارَة مِنْهُ فَكَأَن هَذِه المملكة وَبِمَا فِيهَا تعرفه جيدا وَتعلم يَقِينا أَنه موظف مُرْسل بمهمة من لدن السُّلْطَان
[ ٤١ ]
ومبلغ أَمِين لأوامره الجليلة فتراهم ينقادون لَهُ انقياد الجندي الْمُطِيع فَمَا من رَاشد عَاقل مِمَّن حوله إِلَّا وَيَقُول أَنه رَسُول كريم ويصدقونه ويذعنون لكَلَامه لَيْسَ هَذَا فَحسب بل يصدقهُ مَا فِي المملكة من الْجبَال والمصباح الْعَظِيم والجميع يَقُولُونَ بِلِسَان الْحَال نعم نعم إِن كل مَا ينْطق بِهِ صدق وَعدل وصواب
فيا أَيهَا الصّديق الغافل هَل ترى أَنه يُمكن أَن يكون هُنَاكَ أدنى احْتِمَال لكذب أَو خداع فِي كَلَام هَذَا الْكَرِيم حاش لله أَن يكون من ذَلِك شَيْء فِي كَلَامه قطّ وَهُوَ الَّذِي أكْرمه السُّلْطَان بِأَلف من الأنواط والشارات وَهِي عَلَامَات تَصْدِيقه لَهُ وَجَمِيع أَشْرَاف المملكة يصدقونه وَكَلَامه كُله ثِقَة واطمئنان فَهُوَ يبْحَث عَن أَوْصَاف السُّلْطَان المعجز وَعَن أوامره البليغة فَإِن كنت تَجِد فِي نَفسك شَيْئا من احْتِمَال الْكَذِب فَيلْزم عَلَيْك أَن تكذب كل الْجَمَاعَات المصدقة بِهِ بل تنكر وجود الْقصر والمصابيح وتنكر وجود كل شَيْء وَتكذب حقيقتهم وَإِلَّا فهات مَا عنْدك إِن كَانَ لديك شَيْء فالدلائل تتحدى
[ ٤٢ ]