تعال يَا صديقي لنذهب إِلَى نزهة نتجول فِي هَذِه الفلاة الواسعة المفروشة أمامنا هوذا جبل أَشمّ تعال لنصعد عَلَيْهِ حَتَّى نتمكن من مُشَاهدَة جَمِيع الْأَطْرَاف بسهولة ولنحمل مَعنا نظارات مكبرة تقرب لنا مَا هُوَ بعيد عَن أنظارنا فَهَذِهِ المملكة فِيهَا من الْأُمُور العجيبة والحوادث الغريبة مَا لَا يخْطر على بَال أحد أنظر إِلَى تِلْكَ الْجبَال والسهول المنبسطة والمدن العامرة إِنَّه
[ ٢٧ ]
أَمر عَجِيب حَقًا إِذْ يتبدل جَمِيعهَا دفْعَة وَاحِدَة بل إِن ملايين الملايين من الْأَفْعَال المتشابكة تتبدل تبدلا بِكُل نظام وَبِك لتناسق فَكَانَ ملايين الأطوال من منسوجات ملونة رائعة تنسج أمامنا فِي آن وَاحِد حَقًا إِن هَذِه التحولات عَجِيبَة جدا فَأَيْنَ تِلْكَ الأزاهير الَّتِي ابتسمت لنا وَالَّتِي أنسنا بهَا لقد غَابَتْ عَنَّا وحلت محلهَا أَنْوَاع مماثلة لَهَا صُورَة مُخْتَلفَة نوعية وَكَأن هَذِه السهول المنبسطة وَهَذِه الْجبَال المنصوبة صَحَائِف كتاب يكْتب فِي كل مِنْهَا كتب مُخْتَلفَة فِي غَايَة الإتقان دون سَهْو أَو خطأ ثمَّ تمسح تِلْكَ الْكتب وَيكْتب غَيرهَا فَهَل ترى يَا صديقي أَن تبدل هَذِه الْأَحْوَال وتحول هَذِه الأوضاع الَّذِي يتم بِكُل نظام وميزان يحدث من تِلْقَاء نَفسه أَلَيْسَ ذَلِك محَال من أَشد المحالات
فَلَا يُمكن إِحَالَة هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي أمامنا وَهِي فِي غَايَة الإتقان والصنعة إِلَى نَفسهَا قطّ فَذَلِك محَال فِي محَال بل هِيَ أَدِلَّة وَاضِحَة على صانعها البديع أوضح من دلالتها على نَفسهَا إِذْ تبين أَن صانعها البديع لَا يعجزه شَيْء وَلَا يؤوده شَيْء فكتابة ألف كتاب أَمر يسير لَدَيْهِ ككتابة كتاب وَاحِد ثمَّ يَا أخي تَأمل فِي الأرجاء كَافَّة ترى أَن الصَّانِع الْأَعْظَم قد وضع بحكمة تَامَّة كل شَيْء
[ ٢٨ ]
فِي مَوْضِعه اللَّائِق بِهِ وأسبغ على كل شَيْء نعمه وَكَرمه بِلُطْفِهِ وفضله العميم وكما يفتح أَبْوَاب نعمه وآلائه العميمة أَمَام كل شَيْء يسعف رغبات كل شَيْء وَيُرْسل إِلَيْهِ مَا يطمئنه
وَفِي الْوَقْت نَفسه ينصب مَوَائِد فاخرة تجود بالسخاء وَالعطَاء بل ينعم على مخلوقات هَذِه المملكة كَافَّة من حَيَوَان ونبات نعما لَا حد لَهَا بل يُرْسل إِلَى كل فَرد باسمه ورسمه نعْمَته الَّتِي تلائمه دون خطأ أَو نِسْيَان فَهَل هُنَاكَ مَحل أعظم من أَن تظن أَن فِي هَذِه الْأُمُور شَيْئا من المصادفة مهما كَانَ ضئيلا أَو فِيهِ شَيْء من الْعَبَث وَعدم الجدوى أَو أَن أحدا غير الصَّانِع البديع قد تدخل فِي أُمُور المملكة أَو أَن يتَصَوَّر أَن لَا يدين لَهُ كل شَيْء فِي ملكه فَهَل تقدر يَا صديقي أَن تَجِد مبررا لإنكار مَا ترَاهُ