ثبوت المثل الأعلى يعني ثبوت الكمال المطلق لله تعالى، وهو عبارة عن جميع صفات الكمال الوجودية المحضة التي لا تستلزم نقصا ولا تشعر به بوجه من الوجوه. وثبوت هذه الصفات لله تعالى هو مقتضى الفطرة والعقل والنقل:
فالفطرة مجبولة على الإقرار بوجود الله وتوحيده، واعتقاد أنه أكمل الأشياء، لما تفرد به من صفات الكمال المطلق، وهي فطرة عامة يجدها كل إنسان في قرارة نفسه، ولا يتخلف مقتضاها إلا لمانع، كفساد التربية، واجتيال الشياطين، واتباع الهوى، ومكابرة الحق (٢).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٦/ ٨٥، ٨٦، شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٨٤، وانظر أيضا: الأربعين للرازي ١٧١، ١٧٢.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٦/ ٧٢، ٧٣ الأدلة العقلية للعريفي ص٣٤٦.
[ ١٨ ]
وكذلك العقل فإنه يقتضي الإيمان بوجود الله وتوحيده والإقرار بصفات كماله من وجوه متعددة، وطرق متنوعة بحسب متعلقاتها، وما يتعلق منها بالدلالة على صفات الكمال أربعة أدلة:
١ - دليل الأفعال: فإن أفعال الله تعالى آيات بينات على صفات كماله، فالخلق يدل على العلم والقدرة والحكمة والحياة، وإتقان المخلوقات يدل كذلك على علم الرب وحكمته ووضع الأشياء في مواضعها اللائقة، والإحسان إلى العباد يدل على صفة الرحمة، وإكرام الطائعين يدل على صفة المحبة، وهكذا. وقد نبه الله لهذا الدليل بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. يقول عبد الرحمن السعدي: "كثيرا ما يقرن بين خلقه وإثبات علمه لأن خلقه للمخلوقات أدل دليل على علمه وحكمته وقدرته" (١).
٢ - دليل الترجيح والتفضيل: فإن صفات الكمال ثابتة لكثير من المخلوقات فيكون ثبوتها للخالق من باب أولى، لأنه أفضل من خلقه مطلقا، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، وقال: ﴿اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]، أي أنه أفضل وأحق من غيره في الكرم الجامع للمحاسن والمحامد، وهي صفات الكمال، فهو الأحق بالإحسان والرحمة والحكمة والعلم والحياة وسائر أوصاف الكمال المطلق (٢).
_________________
(١) تفسير السعدي ١/ ٧٠، ٤٧٣، وانظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٦/ ٣٥٦، الرسالة التدمرية لابن تيمية ص٣٣، ٣٤، الصواعق المرسلة لابن القيم ٢/ ٤٩١، ٤٩٢.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٦/ ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٦٠.
[ ١٩ ]
٣ - الاستدلال بالأثر على المؤثر، فإن الله تعالى هو الخالق لذوات المخلوقات وصفاتها وأفعالها، وكل ما فيها من صفات الكمال دليل على صفات الخالق من باب أولى، فقوة المخلوق دليل على أن الله أقوى وأشد، وعلم المخلوق ورحمته وسائر صفات كماله دليل على أن الله أعلم وأحكم وأكمل، لأن من فعل الكامل فهو أحق بالكمال، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، فما في المخلوقات من قوة وشدة يدل على أن الله أقوى وأشد، وما فيها من علم وحياة يدل على أن الله أولى بالعلم والحياة (١).
٤ - الاستدلال بانتفاء الوصف على ثبوت نقيضه: فلو لم يتصف الرب بصفات الكمال للزم اتصافه بأضدادها، لأن القابل للضدين لا يخلو من أحدهما، وكل ما يضاد الكمال فهو نقص يناقض الألوهية، ولهذا أبطل الله الشرك بوجود صفات النقص فيما يعبد من دونه (٢). قال تعالى عن الخليل: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وقال: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨].
وأما دلاله النقل على صفات الكمال فمن ثلاثة أوجه:
١ - ذكر الاسم المشتمل على الصفة: فإن كل واحد من
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٦/ ٣٥٧.
(٢) انظر: شرح العقيدة الأصفهانية ص٧٤، ٨٥، ٨٧، مجموع الفتاوى ٦/ ٨٨، الرسالة التدمرية ص١٥١، ١٦٣، ١٦٤، وانظر أيضا: الأدلة العقلية للعريفي ص٣٤٨ - ٣٧٦.
[ ٢٠ ]
الأسماء الحسنى يدل على صفة أو أكثر من صفات الكمال، وذلك لأن الأسماء الحسنى باعتبار ما تدل عليه من الصفات نوعان:
أ - ما يدل على صفة معنوية أو فعلية واحدة، كالعليم والقدير والسميع والخالق والرازق والباعث. وقد يدل هذا النوع على أكثر من صفة بدليل الالتزام، أو حال الاقتران، فاسم الخالق يدل على الخلق مطابقة، وعلى العلم والقدرة التزاما، لأن الخلق لا يكون إلا بالعلم بأسباب الخلق والقدرة عليها. واسم الحي يدل على جميع صفات الكمال التزاما، لأن الحياة الكاملة لا تكون إلا باجتماعها، وأسماء التنزيه كذلك تستلزم ثبوت جميع أوصاف الكمال، لأن التنزيه لا يكون كمالا إلا إذا دل على معاني ثبوته، فالسلام مثلا يدل مطابقة على تنزيه الرب من كل نقص وعيب ويستلزم ثبوت جميع أوصاف الكمال، وهكذا اسم القدوس.
وكذلك حال الاقتران، فإن اجتماع العزيز والحكيم يدل على الكمال الخاص بكل اسم منهما، ويدل على كمال آخر، وهو أن عزة الله لا يقارنها ظلم، وحكمته لا يقارنها ذل كما يكون في المخلوقات غالبا.
ب - ما يدل على عدة صفات ولا يختص بصفة معينة، كالمجيد والعظيم فإن كل واحد منهما يعني الاتصاف بصفات كثيرة من صفات الكمال، وكذلك اسم القيوم فإنه يدل على كثير من صفات الكمال، لأنه يدل على قيام الرب بنفسه، وإقامته لغيره وقيامه عليه، وذلك يتضمن وجوب الوجود وكمال الغنى وتمام القدرة ومعاني الخلق والتدبير!.
ومن هذا النوع ما يدل على جميع صفات الكمال، كاسم الله،
[ ٢١ ]
واسم الصمد، فإن لفظ الجلالة يدل على الذات الجامعة لصفات الإلهية كافة، واسم الصمد يدل على جميع صفات الكمال أيضا، لأن معناه السيد الذي كملت جميع صفات كماله، ولهذا يصمد إليه في جميع المطالب، ويقصد في جميع الحوائج (١).
٢ - التصريح بأعيان الصفات ومصادر الأسماء: كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وقوله: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢].
٣ - التصريح بفعل أو وصف دال على الصفة: ويدخل في ذلك ذكر الحكم المترتب على الصفة، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]، وقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهو باب واسع ينتظم ما لا يكاد يحصى من الصفات (٢).
والغريب أن ابن حزم - رغم عنايته بالنقل وظاهريته المشهورة - لم ير في كل ما ذكر من الأدلة حجة على إثبات الصفات، ولهذا أنكرها، وزعم أنها بدعة كلامية لم ترد في نصوص الشرع أو كلام
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري ١٥/ ٣٠/٣٤٦، الرسالة التدمرية لابن تيمية ص٥٧، ٥٨، بدائع الفوائد لابن القيم ١/ ١٥٩ - ١٦٢، ١٦٨، شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٦٤، ٦٥، فتح الباري لابن حجر ١٣/ ٣٥٧، روح المعاني للآلوسي ٨/ ١٥/١٩٣، القواعد المثلى لابن عثيمين ص٨/ ١١.
(٢) انظر الصواعق المرسلة لابن القيم ١/ ٣٢١ - ٣٢٤، القواعد المثلى لابن عثيمين ص٢١، ٢٩.
[ ٢٢ ]
السلف، وادعى أن ما ورد من الأسماء الحسنى مجرد أعلام جامدة، وليست مشتقة من أوصاف الرب وأفعاله القائمة به، وأنكر تغاير الصفات ومغايرتها للذات، وانتهى به الأمر إلى موافقة المعتزلة في التعطيل وإن خالفهم في مدركه، لأنهم أنكروا الصفات فرارا من التعدد على أصل أوائلهم، أو من التركيب على أصل أبي الهذيل العلاف ومن وافقه (١).
وهذا القول من أخطاء ابن حزم المشهورة، وهو باطل من وجوه كثيرة، منها:
١ - أن النصوص صرحت بالصفات لفظا ومعنى فتكون دعوى الابتداع مجازفة ومخالفة ظاهرة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، أي الصفة العليا، كما فسرها بذلك ابن عباس ﵄ وكثير من أئمة التفسير (٢). وروى الإمام البخاري بسنده عن عائشة ﵂: «أن النبي - ﷺ - بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي - ﷺ - فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن» (٣). يقول ابن حجر: "فيه حجة لمن
_________________
(١) انظر: الفصل لابن حزم ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٦، ٢٩٣ - ٢٩٧، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص١٨١ - ٢٠١، الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٤٤ - ٦٨، ابن حزم وموقفه من الإلهيات للدكتور أحمد الحمد ص١٨٨ - ٢٠٣، ٢٢٦ - ٢٤١، المعتزلة وأصولهم الخمسة للمعتق ص٨٤ - ٩١.
(٢) انظر: تفسير البغوي ٣/ ٧٣، ٤٨١، تفسير القرطبي ٩/ ٣٢٤، ١٠/ ١١٩، ١٤/ ٢٢، زاد المسير لابن الجوزي ٤/ ٤٥٩، ٦/ ٢٩٨.
(٣) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎ ١٣/ ٣٤٧، ٣٤٨.
[ ٢٣ ]
أثبت أن لله صفة، وهو قول الجمهور، وقد طعن فيه ابن حزم بأنه من أفراد سعيد بن أبي هلال، وفيه ضعف، وكلامه مردود، لأن سعيدا متفق على الاحتجاج به" (١).
وقد صرحت نصوص كثيرة بأعيان الصفات، كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، وقوله: ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، وهو دليل قاطع على ثبوت الصفات، وتغايرها، ومغايرتها للذات!.
٢ - أن أسماء الرب أعلام وأوصاف لا مجرد أعلام كما زعم ابن حزم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ولا يصح كونها حسنى إلا إذا دلت على أكمل الصفات، واستغرقت جميع الصفة التي اشتقت منها. وفي مقابل رأى ابن حزم رأى ابن حجر وغيره أن المراد بأسماء الرب صفاته، لأن الاسم يراد به بلغة العرب الصفة، ولهذا يقال: طار اسمه في البلاد، أي صيته ووصفه! (٢).
وهذا ليس بمسلم أيضا، لأن أسماء الرب أعلام وأوصاف لا مجرد أعلام كما قال ابن حزم، ولا مجرد أوصاف كما رأى ابن حجر ومن وافقه.
وقد صرحت النصوص بمصادر كثير من الأسماء، كالعلم والقوة والرحمة، قال تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]،
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ٣٥٦، ٣٥٧ (بتصرف). وانظر في كلام ابن حزم على الحديث: الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢/ ٢٨٥.
(٢) انظر: رد الدارمي على المريسي ص٣٦٥ (ضمن عقائد السلف)، بدائع الفوائد لابن القيم ١/ ١٦٢، فتح الباري لابن حجر ١٣/ ٣٥٧، روح المعاني للآلوسي ٥/ ٩/١٢١، تفسير السعدي ٣٠/ ١٢٠.
[ ٢٤ ]
وقال: ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وقال: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، وفي ذلك دلالة على أن أسماء الرب مشتقة من صفاته - بمعنى أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى لا أنها متولدة منها تولد الفرع من أصله، بحيث يسوغ إثبات ما لم يرد من الأسماء اشتقاقا من صفات الرب وأفعاله - فالعليم مشتق من العلم، والقوي من القوة، والرحيم من الرحمة، ولولا ثبوت مصادر ما ورد من الأسماء الحسنى لانتفت حقيقتها، بل لانتفت حقيقة الذات، لأنه لا يمكن في الوجود الخارجي وجود ذات بلا صفات، إذ قيام الصفات بالذات مقتضى الذاتية لا يختلف شاهدا ولا غائبا! (١).
وقد اعتبر علماء السلف إنكار حقائق الأسماء الحسنى ومعانيها من أعظم أنواع الإلحاد فيها، ورأوا فيه مخالفة ظاهرة لما هو معلوم من الدين بالضرورة، إذ لو كانت أعلاما جامدة لكفى أحدها في الدلالة على الذات، واعتبر سائرها لغوًا لا فائدة منه، ولما شرع في التوسل مراعاة الأسماء المناسبة للأدعية، ولجاز أن يسمى الله بما اتفق من الأسماء حتى لو تضمن نقصا! (٢).