إذا كان الاعتبار بين صفات الخالق والمخلوق، فإنها طريقة قياس الأولى ليس غير، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، أي الصفة العليا التي يستحيل معها وجود المثل. والمراد بالصفة الجنس فتعم جميع صفات الكمال (١). وهذا المعنى يتضمن أمرين:
أحدهما: تنزيه الله عن المثل، وقد بنى العلماء على هذا الأصل تحريم قيام المساواة بين الخالق والمخلوق تمثيلا كان أو شمولا، فلا يجوز أن يستدل على الخالق بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده، لأن الله لا مثل له، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا أن يدخل تحت قضية كلية يستوي أفرادها.
والثاني: استحقاق الله تعالى لأعلى صفات الكمال المنافية لجميع النقائص. وقد بنى العلماء على هذا المعنى مشروعية الاستدلال بصفات المخلوق على صفات الخالق عن طريق قياس الأولى سواء أكانت صورته تمثيلا أم شمولا، فكل ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال المطلق فإن الخالق أولى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من صفات النقص فإن الخالق أولى بالتنزه عنه (٢).
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي ٣/ ٧٣، ٤٨١، تفسير ابن كثير ٣/ ٥٧٣، تفسير السعدي ٤/ ٢١٣.
(٢) انظر: درء التعارض لابن تيمية ١/ ٢٩، ٣٠، ٧/ ٣٦٢، الرسالة التدمرية ص٥٠، تفسير السعدي ٦/ ١٢٣.
[ ١١١ ]
وسياق الآية يبين دلالتها على صحة الاعتبار بين الخالق والمخلوق بطريق الأولى، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٥٧ - ٦٠]، فإذا كانت الأنوثة نقصا وعيبا لا يرضاه المشرك لنفسه، ويكره أن يضاف إليه، فإن الخالق أولى بالنزاهة عن الولد الناقص المكروه، لأن الله تعالى له المثل الأعلى المشتمل على كل كمال وللمشرك مثل السوء المشتمل على كل نقص! وهذه الحجة لبيان تناقض المشركين، لأن انتفاء الولد مطلقا معلوم من النصوص الأخرى! (١).
ومما يعضد دلالة الآية على صحة قياس الأولى، واعتباره طريقا شرعيا في الاستدلال بصفات المخلوق على صفات الخالق طردا وعكسا النصوص الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، فجعل ما في المخلوق من قوة وشدة يدل بطريق الأولى على قوة الخالق وشدته، لأن الخالق أحق بالكمال من المخلوق (٢).
٢ - قوله تعالى: ﴿اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]، أي
_________________
(١) انظر: درء التعارض لابن تيمية ١/ ٣٦، ٣٧، ٧/ ٣٦٢ - ٣٦٩، تفسير ابن كثير ٢/ ٥٧٣، ٣/ ٤٣١.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١٦/ ٣٥٧.
[ ١١٢ ]
الأفضل من غيره في الكرم الجامع للمحاسن، فيقتضي أنه أحق بجميع المحامد، وهي صفات الكمال، فهو الأحق بالإحسان والرحمة والحكمة والقدرة والعلم والحياة وسائر صفات الكمال (١).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فإن اسم العلي يدل على علو الذات والقهر والقدر، وعلو القدر يتضمن الدلالة على أنه الأحق بجميع صفات الكمال، فكل ما في المخلوق من كمال مطلق فإن الله أحق به، لأنه أعلى من المخلوقات قدرا (٢).
٤ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٥، ٧٦]. فأبطل الشرك بقياس الأولى، فالعاقل لا يقبل البتة المساواة بين مخلوق يملك ويقدر وآخر لا يملك ولا يقدر، فلأن لا يقبل التماثل في الحقوق والكمالات بين الأوثان العاجزة المملوكة وبين من له المثل الأعلى من باب أولى (٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٦/ ٣٦٠.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١٦/ ٣٥٨، ٣٥٩، شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص٢٦١، ٢٦٢.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٦/ ٧٩، ٨٠، إعلام الموقعين لابن القيم ١/ ١٥٧ - ١٦١.
[ ١١٣ ]
٥ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]، فنزه نفسه عن الشريك بمثل مضروب بطريق الأولى، فالسيد من الخلق يتنزه عن مشاركة مماليكه في حقوقه على الرغم من قصور ملكه، فيكون المالك الكامل أولى بالنزاهة عن الشركاء، لأن المخلوق لا يملك إلا بعض منافع عبيده، والخالق يملك أعيان عباده وأفعالهم، فلا يخرج عن ملكه شيء البتة (١).
٦ - روى ابن أبي عاصم بسنده عن أبي رزين ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أكلنا يرى ربه يوم القيامة؟ قال: «أكلكم يرى القمر مخليا به؟» قال: نعم، قال: «الله أعظم» (٢)، فأثبت الرؤية لجميع المؤمنين دون تضام وازدحام وقت النظر بالقياس على رؤية القمر، فإنه إذ كان ذلك ممكنا في رؤية المخلوق فإمكانه في رؤية الخالق أولى، لأنه أعظم وأولى بالكمال من كل موجود.