ثبوت المثل الأعلى أو الكمال المطلق لله - تعالى - يدل سمعًا على تنزيهه عن جميع صفات النقص المطلق - وهي ما كانت نقصًا في حق الخالق والمخلوق ـ، لأن إثبات الشيء نفي لضده ولما يستلزم ضده. يقول ابن تيمية ﵀: "السمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد، فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه المثل والكفء، فإن إثبات الشيء نفي لضده ولما يستلزم ضده. والعقل يعرف نفي ذلك كما يعرف إثبات ضده، فإثبات أحد الضدين نفي للآخر وما يستلزمه" (١).
وعلى هذا الأصل المحكم بنى علماء السلف تنزيه الرب عن النقائص المطلقة التي لم يصرح السمع بنفيها عن الله تعالى بأعيانها، كتلك التي افتراها اليهود - لعنهم الله - من وصف الرب بالحزن والندم، والبكاء والمرض، والكذب والغفلة والجهل!! وغير ذلك مما تطفح به أسفارهم المحرَّفة وخاصة أسفار التلمود! (٢)، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
أما المتكلمون فقد بنوا تنزيه الرب عن هذه النقائص على نفي الجسم، فقالوا: لو اتصف الرب بها لكان جسما، والجسم على الله محال، لتماثل الأجسام فيما يجب ويجوز ويمتنع، ولأنها لا تخلو من الأعراض الحادثة، وما لا يخلو من الحوادث فهو محدث، ولأن الجسم مركب من أجزائه والمركب مفتقر لغيره، ولأن الجسم
_________________
(١) الرسالة التدمرية ص١٣٩.
(٢) انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/ ١٠٦، الرسالة التدمرية لابن تيمية ص١٣٢، الأسفار المقدسة لعلي وافي ص٢٦ - ٤٠.
[ ٣٦ ]
محدود متناه لابد له من مخصص يخصه ببعض الأشكال، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلها! (١).
وهذا الأصل لا يصلح اعتباره مناطا للتنزيه لعدة أسباب، منها:
١ - أنه دليل مبتدع: فلم يرد نفي الجسم في الكتاب ولا السنة، لا في سياق الرد على اليهود، ولا على غيرهم من الكفار، ولم ينطق أحد من علماء السلف بلفظ الجسم لا نفيا ولا إثباتا، ولهذا لا يجوز اعتباره مناطا لما ينزه عنه الرب من الصفات (٢).
٢ - أنه مخالف للفطرة: فقد فطر الله عباده على العلم بأن طرق المطالب الإلهية الكلية يقينية وغير مركبة، وعلى أن طريقة الاستدلال في الأمور الحسية والعقلية إنما تكون بالأجلى على الأخفى، لأن الدليل معرف للمدلول ومبين له. ودليل المتكلمين في التنزيه مخالف لهذه الفطرة العامة، لأن انتفاء الحزن والبكاء والمرض وسائر النقائص أظهر من انتفاء الجسم، لكثرة ما يتوقف عليه نفي الجسم من مقدمات، وكثرة ما تشتمل عليه مقدماته من شكوك تعتاص على المهرة بعلم الكلام فضلا عن عامة الخلق! (٣).
_________________
(١) انظر: شرح المقاصد للتفتازاني ٤/ ٤٣ - ٤٧. وقد فرع المتكلمون أصلهم في التنزيه إلى طرق كثيرة ترجع إلى ثلاث طرق: طريق الأعراض، وطريق التركيب، وطريق الاختصاص. انظر: درء التعارض لابن تيمية ٧/ ١٤١، ١٤٢، ٨/ ٢٤.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٦/ ٧٤، الرسالة التدمرية له أيضا ص١٣٥، ١٣٦.
(٣) انظر: الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد ص٤٧ - ٤٩ (ضمن فلسفة ابن رشد)، الرسالة التدمرية لابن تيمية ص١٣٣.
[ ٣٧ ]
٣ - أنه مخالف للعقل: لأن كل من نفى صفة فرارا من التجسيم فلابد أن يلزمه التجسيم فيما يثبته حتى تكون الغاية صفة الوجود، فإن طرد دليله قاده إلى التعطيل الأكبر المعلوم بطلانه بضرورة العقل، وإن نقض دليله تناقض، ولزمه التفريق بين المتماثلات، فمخالفة العقل لازمة له على كلا التقديرين، تقدير الطرد أو النقض! (١).
٤ - أنه مخالف للغة: فالجسم عند المتكلمين بمعنى المركب من الجواهر الفريدة، وهي في نظرهم متماثلة في صفات نفس الجوهر، وهي التحيز وقبول الأعراض والقيام بالنفس، ولهذا قالوا بتماثل الأجسام!.
والتعبير عن هذا المعنى بلفظ الجسم بدعة لغوية، لأن الجسم في اللغة بمعنى البدن. وليس هذا مجرد وضع اصطلاحي لا تنبغي المشاحة فيه، وذلك لأنه مشتمل على إيهام وتلبيس، فإذا نُفِيَ الجسم انصرف ذهن السامع لما ينزه الله عنه من الاتصاف بالبدن فيسلم بعموم النفي، فإذا سلم ألزموه نفي صفات الكمال، لأنها أعراض لو قامت بالرب لكان جسما، والأجسام متماثلة! (٢).
وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في بيان ما اشتمل عليه أصل التجسيم من دعاوى باطلة، كإثبات الجوهر الفريد، والزعم بأن الأجسام مركبة منها، ودعوى تماثل الأجسام في
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٦/ ٤٤ - ٥١، ٧٤، ٧٥، الرسالة التدمرية لابن تيمية أيضا ص١٣٤، ١٣٥.
(٢) انظر: القاموس المحيط للفيروز آبادي ٤/ ٩١، وانظر أيضا: مجموع الفتاوى ٥/ ٣٦٤، ٤١٩ - ٤٣٠، الرسالة التدمرية ص٥٣، ٥٤، ١٢١، ١٢٢، درء التعارض ٤/ ١٧٦ - ١٨٠، ٥/ ١٩٢، ١٩٣.
[ ٣٨ ]
الصفات النفسية، وأوضح أنها جميعا دعاوى باطلة يخالفهم فيها وفيما بنوه عليها جمهور العقلاء (١).
وليس المقصود هنا استيفاء الكلام في نقد أصل المتكلمين في التنزيه، وإنما المقصود بيان أن أصلهم لم يحقق تنزيه الرب عن تلك النقائص التي افتراها اليهود وغيرهم، لا بل إنه أفضى بهم إلى نفي صفات الكمال الواردة في القرآن والسنة الثابتة، واعتبارها نقائص يجب أن ينزه الله عنها، لأن الرب لو اتصف بها لكان جسما، والجسم على الله محال، لما يدل عليه الجسم من الحدوث والافتقار والتشبيه!.
وهذا من أعظم الأدلة على فساد أصلهم في التنزيه، لأنه ينافي ما دل السمع والعقل على ثبوته، ولأنه أدى بأهله إلى النظر إلى أهل الحق وأهل الباطل بنظرة واحدة، والحكم عليهم بمقتضى أصل واحد، فصفات النقص التي افتراها اليهود، وصفات الحق التي أثبتها أهل السنة والجماعة كلها غير مقبولة عندهم، لما تؤدي إليه من التجسيم!! (٢).