وفي ختام هذه الرسالة أوصي نفسي وسائر إخواني المسلمين بتقوى الله في السر والعلن، والتحقق في ذلك، وأن يكون ديدن الجميع طلب الحق والعمل به، وأوصي إخواني المسلمين جميعا بالتفقه في الدين، وطلب العلم؛ ليعبدوا الله على بصيرة، ولينالوا الخيرية، يقول - ﷺ -: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين (١)»
فعليكم إخواني بالتفقه في دينكم، وتعلم العلم الشرعي المتين، المبني على الكتاب، والسنة، وفهم السلف الصالح، وألا تقدموا على أمر إلا بعلم، ولا تحجموا عنه إلا بعلم، ومتى أشكل عليكم الأمر واشتبهت عليكم الطرق، فعليكم بسؤال أهل العلم
_________________
(١) [صحيح البخاري] (٤ \ ٤٩) و(٨ \ ١٤٩)، [صحيح مسلم] (٢ \ ٧١٩) رقم الحديث (١٠٣٧)
[ ١٢١ ]
المعروفين باتباع الحق والعمل به؛ امتثالا لأمر ربكم - ﷿ -، حيث يقول - سبحانه -: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١)
كما أوصي إخواني من العلماء وطلاب العلم أن يتقوا الله فيما عملوا، وأن يبينوا للناس ما خفي عليهم من أمر دينهم، وأن يجتهدوا في طلب الحق بدلائله من الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح، وينشروا ذلك بين الناس، فإن الله قد أخذ على أهل العلم الميثاق على أن يبينوا للناس ما علموا مما يحتاجون إليه، وحذر من اتباع سبيل من كتمه واشترى به ثمنا قليلا، فقال - سبحانه -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (٢)
_________________
(١) سورة النحل الآية ٤٣
(٢) سورة آل عمران الآية ١٨٧
[ ١٢٢ ]
وقال - سبحانه - في شأن من لم يرفع بالعلم رأسا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١) ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢)
وأنتم يا علماء الإسلام ورثة الأنبياء، وخلفائهم في تبليغ رسالة الله «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر (٣)»
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١٧٥
(٢) سورة الأعراف الآية ١٧٦
(٣) [مسند الإمام أحمد] (٥ \ ١٩٦)، و[سنن أبي داود]، (٤ \ ٥٧، ٥٨) رقم الحديث (٣٦٤٢) واللفظ له، و[سنن الترمذي] (٥ \ ٤١) رقم الحديث (٢٦٨٢)
[ ١٢٣ ]
ولا يصدنكم عن الحق وبيانه كثرة من ضل، فإن الكثرة لا تدل على أن الحق في جانبهم، بل إن الله قد ذم الكثرة في مواضع:
منها قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١) وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (٢) وقوله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣)
كما أن القلة لا تعني أن الحق ليس معهم، فإن الله قد أثنى على القلة في مواضع:
فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٤) وقال - سبحانه -: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (٥)
_________________
(١) سورة الحديد الآية ٢٦
(٢) سورة المائدة الآية ٤٩
(٣) سورة الأنعام الآية ١١٩
(٤) سورة سبأ الآية ١٣
(٥) سورة ص الآية ٢٤
[ ١٢٤ ]
وغير ذلك من الآيات.
فعلم بهذا أن العبرة إنما هي بالحق وإن كنت وحدك، كما قاله بعض السلف.
وكذلك أيضا يجب على العالم ألا ينساق لما اعتاده الناس وجروا عليه مما يخالف الشرع، بل عليه البلاغ والبيان وإن رفضه الناس، والله - سبحانه - يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)
ووصية أخيرة لحكام المسلمين وولاة أمورهم وأمرائهم: بأن ينصحوا لرعاياهم ومن تحت أيديهم، وأن يحملوهم على الحق، وأن يحكموا فيهم شرع الله، وأن يسعوا في رفع البدع والضلالات عن بلدانهم، فإن الله سائلهم عن ذلك كله، يقول - ﷺ -: «كلكم راع وكلكم
(٢)
_________________
(١) سورة العنكبوت الآية ٦٩
(٢) [صحيح البخاري] (١ \ ٢١٥) و(٣ \ ٨٨، ١٢٥، ١٨٩) واللفظ له، و(٦ \ ١٥٢)، [صحيح مسلم] (٣ \ ١٤٥٩) رقم الحديث (١٨٢٩)
[ ١٢٥ ]
مسئول عن رعيته، والإمام راع ومسئول عن رعيته»
نسأل الله - سبحانه -: أن يفتح على قلوب الجميع، وأن يرزقنا جميعا الإصلاح والهداية وحب هذا الدين، والعمل على نشره وتوعية الناس به.
كما أسأله - سبحانه - أن يوفق ولاة أمور المسلمين للحكم بشريعته والعمل بما يرضيه، وأن يرزقهم البطانة الصالحة ويسددهم في القول والعمل، وأن يغفر لنا جميعا، ويتجاوز عن تقصيرنا وخطايانا، ويلهمنا الصواب ويوفقنا للعمل به، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسار على نهجه إلى يوم الدين.
[ ١٢٦ ]