فصل
في خصائصه ﷺ
النبي - ﷺ - هو سيد الخلق؛ ففي حديث عبد الله بن سلام - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر (١)» أخرجه ابن حبان في [صحيحه] بهذا اللفظ، والترمذي (٢) بزيادة: " يوم القيامة " قبل قولة: " ولا فخر "، وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع (٣)»
قال العز: والسيد: من اتصف بالصفات العلية،
_________________
(١) [صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان] لابن بلبان، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه - شعيب الأرنؤوط (١٤ \ ١٣٥، ٣٩٢) رقم الحديث (٦٢٤٢، ٦٤٧٥) عن واثلة بن الأسقع ﵁
(٢) [سنن الترمذي] (٥ \ ٣٠٨) رقم الحديث (٣١٤٨)
(٣) [صحيح مسلم] (٤ \ ١٧٨٢) رقم الحديث (٢٢٧٨)
[ ٤٣ ]
والأخلاق السنية. وهذا مشعر بأنه أفضل منهم في الدارين، أما في الدنيا فلما اتصف به من الأخلاق العظيمة، وأما في الآخرة فلأن الجزاء مرتب على الأخلاق والأوصاف، فإذا فضلهم في الدنيا في المناقب والصفات، فضلهم في الآخرة في المراتب والدرجات.
وإنما قال - ﷺ -: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر (١)» لتعرف أمته منزلته من ربه - ﷿ -، ولما كان ذكر مناقب النفس إنما تذكر افتخارا في الغالب أراد النبي - ﷺ - أن يقطع وهم من توهم من الجهل أن يذكر ذلك افتخارا فقال: «ولا فخر (٢)» أهـ.
ومن خصائصه - ﷺ -: أن بيده لواء الحمد، وتحته آدم
_________________
(١) [صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان] لابن بلبان، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه - شعيب الأرنؤوط (١٤ \ ١٣٥، ٣٩٢) رقم الحديث (٦٢٤٢، ٦٤٧٥) عن واثلة بن الأسقع ﵁
(٢) [بداية السول في تفضيل الرسول - ﷺ - وشرف وكرم] تأليف - العلامة العز بن عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، تحقيق - محمد ناصر الدين الألباني - ط \ المكتب الإسلامي بيروت - دمشق ص (٣٤)
[ ٤٤ ]
فمن دونه؛ لقوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع ومشفع، بيدي لواء الحمد، تحتي آدم فمن دونه (١)»
ومنها: أنه أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع، وله الشفاعة العظمى والمقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون.
فعن ابن عمر - ﵄ - قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي - ﷺ -، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. أخرجه البخاري (٢)
ومنها أنا أمرنا بسؤال الوسيلة له - ﷺ - بعد كل أذان،
_________________
(١) [صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان] (١٤ \ ٣٩٨) رقم الحديث (٦٤٧٨)، و[مسند أبي يعلى] لأبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي التميمي، دار البشير (١٣ \ ٤٨٠) رقم الحديث (٧٤٩٣)
(٢) [صحيح البخاري] (٥ \ ٢٢٨)
[ ٤٥ ]
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة (١)» أخرجه مسلم
ومن خصائصه - ﷺ -: أنه لا ينادى باسمه المجرد - ﷺ - تكريما له، فإن الله تعالى وقره في ندائه، فناداه بأحب أسمائه، وأسنى أوصافه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ (٢)، و﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ (٣) وهذه خصيصة لم تثبت لغيره من الأنبياء، فإنه قد ثبت نداؤهم بأسمائهم ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ﴾ (٤)
_________________
(١) [صحيح مسلم] (١ \ ٢٨٨، ٢٨٩) رقم الحديث (٣٨٤)
(٢) سورة الأنفال الآية ٦٤
(٣) سورة المائدة الآية ٤١
(٤) سورة البقرة الآية ٣٥
[ ٤٦ ]
﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي﴾ (١) ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ (٢) ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ (٣) ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (٤) ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ (٥) ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ (٦) ﴿يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ (٧) ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ (٨)
ونهى الله عباده أن ينادوه باسمه المجرد فقال - سبحانه -: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٩)
_________________
(١) سورة المائدة الآية ١١٠
(٢) سورة القصص الآية ٣٠
(٣) سورة هود الآية ٤٨
(٤) سورة الصافات الآية ١٠٤
(٥) سورة هود الآية ٨١
(٦) سورة مريم الآية ٧
(٧) سورة ص الآية ٢٦
(٨) سورة مريم الآية ١٢
(٩) سورة النور الآية ٦٣
[ ٤٧ ]
ومن خصائصه - ﷺ -: أن معجزات كل نبي تصرمت وانقرضت، ومعجزة سيد الأولين والآخرين - وهي القرآن الكريم - باقية إلى يوم القيامة، يقول النبي - ﷺ -: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أتيت وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة (١)»
ومنها أن الكتاب الذي أنزل عليه - ﷺ - قد تكفل الله ببقائه وحفظه من التحريف، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢)
ويقول النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه - ﷿ - «وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان (٣)» أخرجه مسلم من حديث عياض بن حمار رضي
_________________
(١) [صحيح البخاري] (٦ \ ٩٧)، و[صحيح مسلم] (١ \ ١٣٤) رقم الحديث (١٥٢) عن أبي هريرة ﵁، واللفظ له.
(٢) سورة الحجر الآية ٩
(٣) [صحيح مسلم] (٤ \ ٢١٩٧) رقم الحديث (٢٨٦٥)
[ ٤٨ ]
الله عنه
ومنها ما جاء في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة (١)» . أخرجه البخاري ومسلم
_________________
(١) [صحيح البخاري] (١ \ ٨٦)، و[صحيح مسلم] (١ \ ٣٧٠، ٣٧١) رقم الحديث (٥٢١) واللفظ له
[ ٤٩ ]