فصل
في وفاته ﷺ
يقول الله - ﷿ - مخاطبا نبيه - ﷺ -: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (١) ويقول - سبحانه -: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (٢) ويقول - ﷿ -: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٣)
وقد مات - ﷺ - بعد أن أدى الأمانة وبلغ رسالة ربه، وجاهد في الله حق الجهاد، ونزل القرآن شاهدا له - ﷺ - في آخر حياته، فقد نزلت آية المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤)
_________________
(١) سورة الزمر الآية ٣٠
(٢) سورة آل عمران الآية ١٤٤
(٣) سورة الأنبياء الآية ٣٤
(٤) سورة المائدة الآية ٣
[ ٢٩ ]
وقد نعى الله - سبحانه - إلى نبيه - ﷺ - أجله حين أنزل الله عليه سورة النصر، ففي [صحيح البخاري] عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم. فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١)؟ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ ! فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله - ﷺ - أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٢) وذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٣)
_________________
(١) سورة النصر الآية ١
(٢) سورة النصر الآية ١
(٣) سورة النصر الآية ٣
[ ٣٠ ]
فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول (١)
وقبيل وفاته - ﷺ - خير بين زهرة الدنيا وما عند الله.
فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، «أن رسول الله - ﷺ - جلس على المنبر فقال: " إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده ". فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله - ﷺ - عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله - ﷺ - هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به، وقال رسول الله ﷺ: " إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، إلا خلة الإسلام،
(٢)
_________________
(١) [صحيح البخاري] (٦ \ ٩٤)
(٢) [صحيح البخاري] (٤ \ ٢٥٣، ٢٥٤) واللفظ له، و[صحيح مسلم] (٤ \ ١٨٥٤) رقم الحديث (٢٣٨٢) .
[ ٣١ ]
لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر» متفق عليه
وجاء في [صحيح البخاري] من حديث ابن عباس - ﵄ -: «أن النبي - ﷺ - خرج في مرضه الذي مات فيه عاصب رأسه بخرقة (١)» فذكره بنحوه.
ولمسلم من حديث جندب: أن هذه الخطبة كانت قبل موته - ﷺ - بخمس (٢)
ثم إن وفاة النبي - ﷺ - كانت كما يموت سائر البشر، لها سكرات، ثم فارقت روحه جسده، ثم ارتخى جسده - ﷺ -؛ فعن عائشة - ﵂ - قالت: «إن من نعم الله علي أن رسول الله - ﷺ - توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري
(٣)
_________________
(١) [صحيح البخاري] (١ \ ١٢٠)
(٢) [صحيح مسلم] (١ \ ٣٧٧) رقم الحديث (٥٣٢)
(٣) [صحيح البخاري] (٥ \ ١٤١، ١٤٢)
[ ٣٢ ]
ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله - ﷺ -، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم، فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك، فأشار برأسه: أن نعم، فلينته وبين يديه ركوة أو علبة - يشك عمر - فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، يقول: " لا إله إلا الله، إن للموت سكرات " ثم نصب يده، فجعل يقول: " في الرفيق الأعلى " حتى قبض ومالت يده» . أخرجه البخاري
وكان يوم وفاته - ﷺ - هو يوم الإثنين، كما صح ذلك من حديثي: أنس (١) وعائشة (٢) ﵄، وأخرجه البخاري في [صحيحه] .
_________________
(١) المرجع السابق (١ \ ١٦٥، ١٦٦)
(٢) نفس المرجع (٢ \ ١٠٦)
[ ٣٣ ]
وفي السنة الحادية عشرة من الهجرة باتفاق، وفي شهر ربيع الأول، قال ابن هشام في [السيرة النبوية] له: قالوا كلهم: وفي ربيع الأول. غير أنهم قالوا، أو قال أكثرهم: في الثاني عشر من ربيع، ولا يصح أن يكون توفي - ﷺ - إلا في الثاني من الشهر، أو الثالث عشر، أو الرابع عشر، أو الخامس عشر؛ لإجماع المسلمين على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة، وهو التاسع من ذي الحجة، فدخل ذو الحجة يوم الخميس، فكان المحرم إما الجمعة وإما السبت، فإن كان الجمعة فقد كان صفر إما السبت وإما الأحد، فإن كان السبت فقد كان ربيع الأحد أو الإثنين، وكيفما دارت الحال على هذا الحساب، فلم يكن الثاني عشر من ربيع يوم الإثنين بوجه إلخ.
[ ٣٤ ]
وكان عمره - ﷺ - يوم وفاته ثلاثا وستين سنة، كما صح ذلك عن جمع من الصحابة - ﵃ -، كعائشة (١) - ﵂ -، وابن عباس (٢) - ﵄ - وغيرهما.
وقد جرى له - ﷺ - فيما بين مبعثه إلى أن توفاه الله - ﷿ - أحداث عظيمة جسيمة، ومواقف نبوية كريمة، دعا فيها إلى سبيل ربه، وصبر وصابر، وجاهد وهاجر، واحتمل الأذى إلى أن كتب الله له ولصحبه ولدينه الظهور والاستعلاء والنصر، فما مات - ﷺ - إلا وقد بلغ رسالات ربه، فهو - ﷺ - قد توفي ودينه باق إلى يوم القيامة، وهو محفوظ بحفظ الله له، ظاهر بوعد الله بذلك، منصور عال
_________________
(١) [صحيح البخاري] (٤ \ ١٦٣)، و[صحيح مسلم] (٤ \ ١٨٢٥) رقم الحديث (٢٣٤٩)
(٢) [صحيح البخاري] (٤ \ ٢٥٣)، و[صحيح مسلم] (٤ \ ١٨٢٦) رقم الحديث (٢٣٥١)
[ ٣٥ ]
على كل الملل والطوائف، وأهله المحققون له هم الغالبون ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (٢) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٣) ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٤)
والاعتناء بسيرته - ﷺ - وما قام به من نصرة دين الله والقيام بحقه وما لحقه من أذى في سبيل ذلك، وسيرته في جهاده لأعداء الله، وأنواع سيرته وهديه - كل هذا من الأمور التي ينبغي لكل مسلم العناية بها ومدارستها، إذ هي الحق المحض، وهي سيرة من جعل الله له الكمال البشري، سيرة سيد الخلق، وأعظمهم، وأكرمهم، وأفضلهم على الإطلاق.
_________________
(١) سورة الصافات الآية ١٧١
(٢) سورة الصافات الآية ١٧٢
(٣) سورة الصافات الآية ١٧٣
(٤) سورة التوبة الآية ٣٣
[ ٣٦ ]
ولو ذهبنا نذكر شيئا يسيرا من بعض جوانب سيرة هذا النبي العظيم - ﷺ - لاحتمل المقام أسفارا عظيمة، ولما وفينا المقام حقه، لكنا قصدنا بهذه الرسالة اللطيفة التنبيه على أهم المهمات في حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله - ﷺ -، مما لا بد لكل مسلم ومسلمة من معرفته وتحقيقه وتطبيقه؛ لينجو من عذاب الله.
وقانا الله وإياكم وسائر إخواننا المسلمين موجبات سخط الله، وجعلنا وإياكم من المتعرضين لنفحات رحمته - ﷿ -، إنه - سبحانه - جواد كريم.
[ ٣٧ ]